شارل إدوارد سركيس

البنادق كانت دائمًا مُصوَّبة نحو بعبدا

7 دقائق للقراءة

لم يكن السلاح يومًا ضد إسرائيل. كان ضد الدولة — ضد قصرها وجيشها وكيانها.

أولاً — المفارقة الاستراتيجية

ثمة قانون استراتيجي يتجاهله صانعو السياسة الغربيون باستمرار: حين يتراجع خطر الفاعل المسلح على الخارج، يرتفع خطره على الداخل. الفاعل الجريح الذي تضيق نافذته الاستراتيجية أشد خطورةً، لا أقل — وهذا بالضبط ما يمثّله "حزب الله" اليوم بعد عام واحد من الخسائر غير المسبوقة: اغتيال أمينه العام حسن نصر الله، وتصفية الأمين العام الثاني هاشم صفي الدين، وتفكيك هيكل قيادة قوة الرضوان، واختراق استخباراتي وصل إلى أعلى المستويات، وانهيار المحور الإقليمي الذي كان يُمدّه بالمال والرجال والشرعية الدينية. يقود "الحزب" اليوم نعيم قاسم — قيادة تعمل في ظل عجز استراتيجي حاد، مما يجعل الحساب الداخلي أشد إلحاحًا لديها.

يُسمّي علماء نظرية الألعاب هذه الحالة "مشكلة الالتزام": التنظيم الذي يرى موقعه يتآكل يملك حافزاً عميقاً لتثبيت مكاسبه السياسية قبل اكتمال التآكل — لتحويل الأفضلية العسكرية الآنية إلى واقع دستوري دائم. كل مسار قد يُفضي إلى نزع السلاح، أو إصلاح انتخابي، أو تطبيع مع إسرائيل، أو جيش قادر فعلاً على بسط سيادة الدولة — هو تهديد وجودي. والخطوة العقلانية، بمنطق الفاعل الرشيد المحاصر، هي إجهاض هذه المسارات بالقوة قبل أن يفوت الأوان.

ثانياً — درس 2008: الإكراه يُكافأ ولا يُعاقب

في أيار 2008، اجتاح مقاتلو حزب الله غرب بيروت في غضون ساعات، واستولوا على البنية التحتية للاتصالات، وأرغموا على تسوية سياسية - اتفاق الدوحة - كافأت العملية العسكرية بحق الفيتو التشريعي وحصانة فعلية من أي مسار لنزع السلاح. والأهم: أن المجتمع الدولي أضفى على تلك التسوية شرعيةً دبلوماسية بدلاً من إدانة الإكراه الذي أفضى إليها. كرّست معادلة بسيطة: القوة تُنتج تسويات، والتسويات تُشرعن القوة.

شروط تكرار هذا النموذج على نطاق أوسع هذه المرة، باتت أكثر ملاءمةً اليوم لا أقل. يحتفظ "حزب الله" بترسانة تُقدَّر بمئة وخمسين ألف صاروخ وقذيفة. والجيش اللبناني هيكليًا عاجز عن التعبئة الموحَّدة في مواجهته، إذ إن أي محاولة جدية ستقسمه على خطوط طائفية قبل إطلاق أول رصاصة.

ثالثًا — قيادة الجيش: الهدف الصامت

لا يكتفي "حزب الله" بتحييد الجيش اللبناني هيكليًا — بل يسعى منهجيًا إلى اختراق قيادته. المؤسسة العسكرية بالغة الحساسية الاستراتيجية لأنها الوحيدة القادرة نظريًا على تحدي ميزان القوى القائم. ولهذا تحديدًا تقع في قلب الاستراتيجية الإيرانية: إضعاف كوادرها الوطنية، وتعزيز التوازنات الطائفية داخلها بما يضمن الشلل عند لحظة الحقيقة.

رئاسة الجمهورية وقيادة الجيش هدفان متلازمان — فالسيطرة على الثانية تُفرغ الأولى من أي محتوى تنفيذي. بعبدا بلا جيش مستقل في مواجهة "حزب الله" ليست سيادة — إنها ديكور. والدليل لا يحتاج إلى استنتاج بعيد: الجيش اللبناني لم "حزب" مرةً واحدة منذ نشأته. ليس ضعفًا عارضًا فحسب — بل هو انعكاس لاختراق منهجي طويل الأمد في بنيته القيادية والاستخباراتية.

رابعًا — الديموغرافيا: سلاح المدى البعيد

الإكراه العسكري مكلف وقابل للارتداد. لهذا لا تمثّل الترسانة سوى الجزء المرئي من الاستراتيجية. الحملة الأهدأ والأبطأ هي الديموغرافيا، وتسير على ثلاثة مسارات متوازية.

الهندسة التشريعية:

مرسوم التجنيس عام 1994 — الذي منح الجنسية لنحو ثلاثمئة ألف شخص — لم يكن خطأ إداريًا عابرًا. ومليون لاجئ سوري لا يزالون في لبنان إلى جانب مئات الآلاف من الفلسطينيين، ليس ملفًا إنسانيًا فحسب — إنه ملف دستوري وانتخابي يُعيد رسم التوازنات من الجذور.

مصادرة الأرض:

أصدر وزير المالية ياسين جابر مراسيم تُمكّن الدولة — أو الجهات المتحكمة بها — من الاستيلاء على مشاعات القرى في المناطق المسيحية والدرزية. وازاء ذلك، توسُّعٌ منهجي لشركات وهمية مرتبطة بمحسوبي الحزب تشتري العقارات في المناطق الحساسة، بما في ذلك محيط بعبدا ذاته. البنادق تُفسح الأرض؛ والأوراق القانونية تُثبّت الملكية إلى الأبد.

تزوير الهوية الوطنية:

إصدار آلاف جوازات السفر اللبنانية لمواطنين إيرانيين وسوريين وعراقيين ويمنيين ليس فسادًا فرديًا — إنه استراتيجية إيرانية متعمّدة لزرع شبكات بشرية داخل الكيان اللبناني بوثائق شرعية. هذا تجنيس سري لجسم غريب داخل دولة مُجوَّفة.

البنادق تُفسح المجال السياسي — والديموغرافيا تملأه بشكل دائم

خامسًا — الأخطبوط الإيراني وانكشاف الوجه الحقيقي

حين بادر نواف الموسوي إلى الدفاع عن حكومة أحمد الشرع في دمشق — النظام ذاته الذي قاتله حزب الله لسنوات دفاعاً عن الأسد — لم يكن ذلك تحولاً في القناعة. كان صفقة بقاء: الاعتراف بنظام الشرع ثمناً لأمن وجود الحزب في البقاع الشمالي وصرف النظر السوري عن الضغط من الشرق. "محاربة إسرائيل" كانت ذريعة الأمس؛ والاستحقاق الجغرافي هو ذريعة اليوم. الحزب هو الثابت والمبادئ هي المتغير.

هذا المشهد وحده يكشف ما رفض كثيرون رؤيته طويلاً: حزب الله ليس حركة مقاومة بل هو أخطبوط نفوذ إيراني ضرب أذرعه في مفاصل الدولة اللبنانية. منظومة من هذا الطراز لا تُعالَج بالتفاوض ولا تُلجَم بالتطمينات — التفاوض معها يُشرعنها، والتطمين يُمدّها. الحل الوحيد الممكن هو التفكيك الكامل وانتزاع أنيابها قبل أن تُغلق النافذة الاستراتيجية.

سادسًا — متى يفهم الغرب؟ الفيدرالية وحق تقرير المصير

الغرب يتعلم ببطء — لكنه يتعلم في نهاية المطاف

المنطق التاريخي يُشير إلى أن إدراك الحقيقة اللبنانية سيمر بثلاث مراحل متتالية، لا مفرّ منها.

المرحلة الأولى — التفاوض فوق الجثث (2025–2027):

سيستمر الغرب في مسار السلام الإسرائيلي–اللبناني ضمن الإطار الراهن، مؤجِّلاً الأسئلة الدستورية ومراهناً على تحييد حزب الله بالضغط الدولي. ستُثبت هذه المرحلة فشلها حين يكتشف المفاوضون أن كل اتفاق موقَّع يفتقر إلى آليات تنفيذ حقيقية، لأن الطرف المقابل — الدولة اللبنانية — لا تملك وكالةً سيادية فعلية على أرضها.

المرحلة الثانية — صدمة الإكراه (2027–2030):

حادثة داخلية واحدة — اجتياح أمني، تفجير سياسي، انقلاب انتخابي — ستُوضح للمراقب الغربي أن لبنان الموحَّد بهيكله الطائفي الراهن لا يمكن أن ينتج دولةً ذات سيادة. لن يكون الدرس مؤلمًا فقط — بل سيكون دمويًا. عندها سيبدأ الحديث الغربي عن "إصلاح الحوكمة" و"لا مركزية موسّعة" — لغة تُقرّ بالمشكلة دون أن تسمّيها بمسمّاها.

المرحلة الثالثة — الفيدرالية أو الفوضى (ما بعد 2030):

حين يستنفد الغرب بدائله، سيصل إلى الحقيقة التي صاغها الواقع اللبناني منذ عقود: لا استقرار دائم، ولا سلام حقيقي، ولا حماية للأقليات دون نظام فيدرالي يُرسخ حق تقرير المصير لكل مكوّن على أرضه. وما ينطبق على لبنان ينطبق على كل منطقة تُحكمها أنظمة تيوقراطية: العراق، وسوريا، واليمن، وإيران ذاتها. فالأنظمة التيوقراطية القاتلة لا تنهار تحت ضغط الدبلوماسية ولا وطأة العقوبات — تنهار حين يُحرم مشروعها من الوقود الجغرافي والبشري الذي يُغذّيه.

الفيدرالية ليست تقسيمًا — إنها الضمانة الوحيدة ضد التقسيم. تجعل السيطرة على كامل الجغرافيا اللبنانية مستحيلة، وتُعيد لكل مجتمع وكالته الدفاعية على أرضه، وتُفكّك من الداخل الذريعة الوجودية التي تقوم عليها "المقاومة" المسلحة.

خاتمة: الوكالة اللبنانية لا الانتظار الغربي

بعبدا ليست هدفًا عسكريًا فحسب — إنها رمز الوجود المسيحي الحر في لبنان، وأمانة دستورية للحضارة التي بنت هذا الشرق. البنادق كانت دائماً مُصوَّبة نحو بعبدا — وقيادة الجيش هدفٌ موازٍ ومتلازم معها.

لكن السؤال اليوم لم يعد "متى يُصدّق الغرب ما يراه" — إذ إن انتظار الغرب وحده استسلام بمسمّى آخر. السؤال الحقيقي هو: هل يمتلك اللبنانيون الوطنيون السياديون الشجاعة لإعلان الفيدرالية مطلبًا دستوريًا لا تنازل عنه — قبل أن تُغلق النافذة الاستراتيجية التي لن تبقى مفتوحة إلى الأبد؟


رئيس الحزب الديمقراطي المسيحي — لبنان