حيدر الأمين

بين العقيدة والسلطة: حين تتحوّل الشعارات الكبرى إلى أداة احتكار

6 دقائق للقراءة
هل تخدم القضية الإنسان أم يتحول الإنسان إلى أداة في المشروع السياسي؟

في المجتمعات التي تعيش الصراعات الطويلة، تختلط أحيانًا الحدود بين العقيدة والسلطة، بين الإيمان والمصلحة، بين القضية الحقيقية واستخدامها السياسي. ومع مرور الزمن، يصبح من الصعب على الناس التمييز: هل ما يزال المشروع قائماً لخدمة المجتمع والإنسان، أم أن المجتمع نفسه تحوّل إلى وسيلة لخدمة المشروع والنفوذ؟

في لبنان، لم يعد الجدل محصورًا بسؤال السلاح أو التوازنات أو الصراع مع الخارج، بل أصبح أعمق من ذلك بكثير: ما طبيعة العلاقة بين القضية والسلطة؟ وهل يمكن لأي مشروع، مهما كانت شعاراته كبيرة، أن يبقى أخلاقيًا حين يصبح بقاؤه مرتبطًا باستمرار السيطرة على القرار الداخلي واحتكار تعريف المصلحة الوطنية؟

ففي كل مرحلة تقريبًا، يظهر التبرير بصيغة مختلفة: مرة باسم المقاومة، ومرة باسم حماية البلد من الانهيار، ومرة باسم المفاوضات غير المباشرة، ومرة باسم دماء الناس وأرزاقهم وخوفهم من الحرب والفوضى. لكن النتيجة السياسية تكاد تبقى واحدة: بقاء القرار المصيري محتكرًا، وبقاء الدولة عاجزة عن امتلاك سيادتها الكاملة ومؤسساتها الطبيعية.

وهنا يبرز السؤال الأخلاقي قبل السياسي: هل يمكن لعقيدةٍ تقول إنها تدافع عن الإنسان أن تتحوّل إلى سبب دائم لوضع المجتمع في حالة استنزاف وخوف وتعليق مستمر للحياة الطبيعية؟ وهل تبقى العقيدة نقية حين تُستخدم معاناة الناس ودماؤهم كوسيلة لإبقاء النفوذ السياسي والعسكري قائمًا؟ أي مشروع هذا الذي يُراد بناؤه فوق دماء الناس وخسائرهم ومعاناتهم؟ وهل تصبح العقيدة صافية حين تُستخدم آلام المجتمع وقودًا دائمًا للصراع والهيمنة؟ أم أن الشعارات الكبرى تتحوّل، مع الوقت، إلى غطاء سياسي يبرّر احتكار القرار باسم قضية لا يُسمح لأحد بمناقشتها؟

العقائد الدينية والفكرية الكبرى، في أصلها، جاءت لرفع قيمة الإنسان لا لتحويله إلى أداة ضمن مشروع سلطة. فالرسالات لا تُقاس فقط بقدرتها على الحشد والتعبئة، بل أيضًا بقدرتها على بناء العدالة والاستقرار وكرامة الفرد وحق المجتمع في الحياة الطبيعية. أما حين يصبح المجتمع كله مطالبًا بالتضحية الدائمة، فيما يبقى القرار محصورًا بجهة واحدة لا تُحاسَب فعليًا، فإن السؤال يصبح مشروعًا: هل نحن أمام قضية تحمي الناس، أم أمام سلطة تحتمي بالقضية؟

إن أكثر ما يوجع المجتمعات ليس الحرب وحدها، بل شعورها بأن آلامها أصبحت تفصيلًا ثانويًا داخل خطاب سياسي كبير. فحين يُهجَّر الناس، ويجوعون، ويخسرون بيوتهم وأعمالهم وأمانهم النفسي، ثم يُطلب منهم الاكتفاء بسماع خطابات الصبر والعزة والانتصار، يصبح السؤال الأخلاقي حتميًا: أين ضمير الذين يتحدثون باسم الناس وهم لا يشعرون بثقل ما يعيشه الناس فعلًا؟ وأي مشروع يمكن أن يبقى مشروعًا أخلاقيًا إذا كان بقاؤه يحتاج دائمًا إلى مزيد من الخوف والخسارة والدموع؟

لا تُقاس كرامة الشعوب بعدد الشعارات، بل بقدرتها على أن تعيش بأمان وكرامة وإنسانية. فما معنى الحديث عن العزة فيما الناس خائفون على بيوتهم وأرزاقهم وأطفالهم ومستقبلهم؟ وما قيمة أي خطاب أخلاقي إذا كان الإنسان نفسه يتحوّل إلى رقم في معادلة الصراع؟

المشكلة هنا ليست في وجود جمهور مؤمن أو بيئة حاضنة أو رواية سياسية خاصة؛ فكل الحركات في العالم تمتلك سردياتها. المشكلة تبدأ عندما تتحول أي سردية إلى حقيقة مطلقة فوق الدولة وفوق المجتمع وفوق حق الناس في النقاش والمحاسبة. عندها لا يعود الاختلاف السياسي اختلافًا طبيعيًا، بل يصبح اتهامًا بالخيانة أو العمالة أو الجهل أو ضعف الإيمان.

ومن أخطر ما يمكن أن يصيب أي مجتمع هو دمج المقدّس بالسلطة بطريقة تجعل نقد الأداء السياسي يبدو وكأنه اعتداء على العقيدة نفسها. لأن ذلك لا يحمي الدين ولا يحمي القضية، بل يحوّلهما تدريجيًا إلى أدوات تعبئة سياسية مرتبطة بالنفوذ وموازين القوة والمصالح. وحين يمتزج المقدّس بالسياسة بهذه الصورة، لا يعود الخطر مقتصرًا على المجال السياسي وحده، بل يمتد إلى وعي المجتمع نفسه وطريقة فهمه للألم والمعاناة والواقع. ففي لحظات الأزمات الكبرى، لا تواجه المجتمعات الخوف والخسارة فقط، بل تواجه أيضًا محاولات لإعادة تفسير الواقع بطريقة تجعل الاعتراض عليه يبدو ضعفًا أو نقصًا في الإيمان. وهنا يظهر أخطر أشكال الخطاب: حين يُستدعى المقدّس لا لمواساة الإنسان، بل لتطبيع ألمه وإسكاته.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع هو أن يفقد قدرته على التمييز بين الإيمان الحقيقي واستثمار المقدسات، وبين الصبر الأخلاقي وتطبيع المأساة، وبين حماية الكرامة الإنسانية وتحويل البشر إلى أدوات داخل سرديات سياسية كبرى.

فالدين الذي جاء رحمةً للناس لا يجوز أن يتحول إلى لغة تبرر اقتلاعهم، ولا إلى خطاب يطلب منهم التعايش الأبدي مع الخوف والخسارة باسم القداسة أو التاريخ أو الشعارات الكبرى. فالرموز الدينية الكبرى وُلدت ضمن سياقات أخلاقية وروحية وإنسانية معقّدة، لا لكي تتحول إلى وسائل تجعل الناس يعتادون على الخسارة أو تجعل المأساة تبدو قدرًا طبيعيًا لا يُناقش. فالهجرة النبوية لم تكن تمجيدًا للتشريد، بل محاولة لحماية الإنسان وبناء مجتمع أكثر أمنًا واستقرارًا. كما أن الغيبة، في معناها العقائدي، ليست دعوة نفسية أو اجتماعية للتكيّف مع المأساة الدائمة أو تطبيع الخوف والاقتلاع.

لكن بعض الخطابات الشعبوية تعمد إلى اقتطاع الرموز الدينية من سياقاتها التاريخية والروحية، لإنتاج حالة نفسية تتقبّل الخسارة والخوف والتشريد باعتبارها امتدادًا لمسار مقدّس أو ثمنًا لا يحق للناس الاعتراض عليه.

وهنا تتحول المقدسات من مصدر هداية ورحمة إلى أدوات تعبئة عاطفية تُستخدم لتسكين غضب الناس بدل معالجة أسباب مأساتهم. وعندما يُستخدم الخطاب الديني بهذه الطريقة، فإنه لا يعود مجرد مواساة روحية، بل يتحول أحيانًا إلى إدارة نفسية للمجتمع عبر العاطفة المقدسة، بما يسمح بتخفيف الغضب وتأجيل الأسئلة الكبرى حول أسباب الانهيار والخسارة. وعند هذه النقطة، لا تعود المأساة مجرد معاناة إنسانية، بل تتحول تدريجيًا إلى اختبار ولاء: يُطلب من الإنسان أن يتحمّل الخسارة بصمت، وأن يخفي خوفه كي لا يُتّهم بالضعف، وأن يشعر بالذنب إذا عبّر عن تعبه أو اعتراضه.

لكن الإنسان ليس مشروع تضحية دائمة، ولا يجوز أن يتحول المجتمع كله إلى وقود مستمر لصراعات لا تنتهي. فالمواساة الدينية شيء، وتحويل المأساة إلى حالة مبررة أو المواطن إلى أن دمه وحياته وكرامته ليست مجرد تفصيل صغير داخل مشروع أكبر منه. ولهذا، فإن السؤال الحقيقي اليوم ليس فقط: من يملك القوة؟ بل: لمن تُستخدم هذه القوة؟ ولأي غاية؟ وهل ما تزال تخدم الإنسان والدولة، أم أصبحت تخدم بقاء النفوذ نفسه؟

وعندما يصبح نقد الواقع محرّمًا باسم القضية، وتصبح معاناة الناس تفصيلًا ثانويًا داخل خطاب التعبئة، يصبح السؤال مشروعًا: هل ما يزال المشروع في خدمة الإنسان، أم أن الإنسان نفسه أصبح في خدمة بقاء المشروع؟