يمكن النظر إلى ما يجري اليوم في الشرق الأوسط وكأنه التطبيق العملي الأكثر وضوحاً لنظريات المفكر الأميركي نعوم تشومسكي التي طرحها في محاضرات ألقاها في التسعينيات من القرن الماضي، ثم نشرها في كتابه "كيف يُدار العالم". فالرجل لم يكن يتحدث فقط عن الحروب المباشرة، بل عن إدارة طويلة الأمد للتوازنات، وصناعة الخصوم، وإعادة تشكيل المنطقة بما يخدم المصالح الاستراتيجية الكبرى.
إحدى أكثر الأفكار إثارة للجدل في فكر تشومسكي، تتعلق بكيفية تعامل إسرائيل مع الحركات الإسلامية الفلسطينية في بدايات نشأتها. ففي سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، كانت إسرائيل ترى في منظمة التحرير الفلسطينية الخطر السياسي الأكبر؛ لأنها كانت تحمل مشروعاً يحظى بتعاطف عربي واسع واعتراف دولي. لذلك جرى تشجيع إسرائيلي للنشاطات الاجتماعية والسياسية والدينية للتيار الإسلامي في فلسطين عامة وغزة خاصة، باعتباره قوة قادرة على إضعاف نفوذ منظمة التحرير وتقسيم المجتمع الفلسطيني بين تيارات متنافسة.
لاحقاً، خرجت من تلك البيئة حركة حماس لتتحول في بداية القرن الحادي والعشرين إلى القوة الفلسطينية الأكثر حضوراً في غزة. ومع الزمن، أصبح الانقسام الفلسطيني بين غزة والضفة الغربية واحداً من أهم العناصر التي استفادت منها إسرائيل استراتيجياً؛ لأنه أضعف فكرة “الشريك الفلسطيني الواحد” وأدخل القضية الفلسطينية في انقسامات داخلية طويلة.
هنا تحديداً تبدو فكرة تشومسكي واضحة: القوى الكبرى لا تبحث دائماً عن القضاء الكامل على خصومها، بل أحياناً عن إدارة التناقضات بما يمنع تشكل قوة موحدة قادرة على فرض مشروع سياسي عقلاني متماسك يحظى بدعم دولي.
المؤكد أن الاستراتيجيات التكتيكية الإسرائيلية في تلك المرحلة ساهمت في نمو التيار الإسلامي على حساب التيار الفلسطيني التقليدي، وهنا يظهر أحد أكثر تناقضات السياسة الإسرائيلية خطورة وتعقيداً. اليوم يطرح السؤال نفسه بقوة: هل كان الهدف من تقسيم الفلسطينيين هو فقط القضاء على فكرة الدولة الفلسطينية الموحدة؟ أم كان غض الطرف عن تعاظم دور حماس طريقاً للقضاء على القضية الفلسطينية؟
أما الفكرة الثانية في الكتاب والتي تبدو اليوم أكثر وضوحاً من أي وقت مضى، فهي المشروع الأميركي الطويل الأمد لبناء تحالف استراتيجي بين إسرائيل ودول الخليج. فمنذ نهاية الحرب الباردة وبحسب تشومسكي، بدأت واشنطن تنظر إلى الشرق الأوسط باعتباره فضاءً يجب إعادة تنظيمه حول محور اقتصادي ـ أمني جديد تكون إسرائيل مركزه التكنولوجي والعسكري، فيما تشكل دول الخليج مركز الطاقة والتمويل والاستثمارات.
هذا التصور لم يعد اليوم مجرد فكرة نظرية كما طرحها تشومسكي، بل بدأ يظهر بشكل تدريجي عبر مسارات متعددة: اتفاقيات التطبيع، والتعاون الأمني غير المعلن ثم المعلن، ومشاريع الممرات الاقتصادية، بالإضافة إلى ظهور أنظمة الدفاع الجوي المشتركة في ظل التوترات الإقليمية الحالية، والتي ربطت التكنولوجيا الإسرائيلية برؤوس الأموال الخليجية.
في خلفية كل ذلك، يوجد هدف أميركي استراتيجي أعمق: إنشاء كتلة إقليمية متحالفة قادرة على إدارة الشرق، وضبط أسواق الطاقة، وتأمين النفوذ الأميركي في المنطقة في مواجهة صعود الصين وروسيا.
وفق هذه الرؤية، تتحول إسرائيل من “جسم غريب” إلى شريك اقتصادي وعسكري طبيعي داخل بنية شرق أوسطية جديدة. ولذلك باتت واشنطن تعتبر أن دمج إسرائيل إقليمياً يمكن أن يفرض وقائع جديدة تغير أولويات القرن الماضي.
هنا أيضاً تبدو أفكار تشومسكي حاضرة بقوة: العالم لا يُدار وفق المبادئ المعلنة، بل وفق خرائط المصالح الكبرى. فالتحالفات لا تُبنى على أساس القيم، بل على أساس المصالح المشتركة والأمن والطاقة والتكنولوجيا والأسواق. وحتى الحروب والصراعات تُستخدم أحياناً لإعادة ترتيب المنطقة بما يخدم النظام الإقليمي الجديد.
يبقى السؤال الأكبر والأكثر مرارة والذي يفرض نفسه على أنقاض الحاضر: هل نجحت نبوءة تشومسكي بالكامل؟ وهل دخلت المنطقة فعلاً في هذا النموذج العالمي الجديد، الذي سينقل الشرق الأوسط من أنهار الدماء والحزن والرماد إلى زمن "الازدهار" تحت مظلة الهيمنة الأميركية، أم أن الجغرافيا والتاريخ وأساطير الشرق السحرية لا تزال تخبئ في جعبتها مفاجآت أخرى فشلت النظريات الأميركية الحديثة في إدراك مخاطرها؟