لم يكن بيب غوارديولا عابرًا في تاريخ مانشستر سيتي، ولا مجرّد مدرب أضاف ألقابًا إلى خزائن النادي، بل كان مهندس مرحلة كاملة غيّرت وجه كرة القدم الإنكليزية. عشر سنوات في ملعب الاتحاد كانت كافية ليحوّل المدرب الإسباني السيتي من فريق إلى منظومة كروية ضاربة، ومن منافس على البطولات إلى مرجع تكتيكي ألهم اللعبة على المستويات كافة.
يرحل غوارديولا عن مانشستر سيتي الإنكليزي بعد عقد حافل بالألقاب، رسّخ خلاله مكانته كواحد من أعظم المدربين في تاريخ كرة القدم. ففي مسيرة امتدت على مدى 10 سنوات، جمع 20 لقبًا، وصنع فريقًا لم يكتف بالانتصار، بل فرض أسلوبه، وترك بصمته على الدوري الإنكليزي وعلى طريقة التفكير في اللعبة نفسها.
تأثير غوارديولا
لكن إرث غوارديولا يتجاوز بكثير عدد الكؤوس. فقد جعل من الاستحواذ السلس، وبناء اللعب من الخلف حتى تحت الضغط، لغة يومية في كرة القدم الإنكليزية، لا في القمة فحسب، بل على مختلف المستويات. ومعه، لم تعد الجرأة التكتيكية تفصيلا، بل جزءًا من هوية السيتي. اشتهر بقيادة الفريق إلى لقب الدوري عام 2022 من دون مهاجم صريح، كما برع في استخدام لاعبين في أدوار غير مألوفة، ليؤكد أن الابتكار كان دائمًا في قلب مشروعه.
ولم تتوقف بصمته عند حدود لاعبيه، بل امتدت إلى جيل جديد من المدربين. فمواطنه ميكل أرتيتا، مدرب أرسنال، نال أول منصب تدريبي كبير له مساعدًا لغوارديولا في السيتي، بينما كان الإيطالي إنسو ماريسكا، المرشح لخلافته، أحد أفراد جهازه الفني سابقًا. أما قائد سيتي السابق البلجيكي فنسان كومباني، فيتألق حاليًا على رأس الجهاز الفني لبايرن ميونيخ، في حين عمل المدرب الإسباني الجديد لتشلسي شابي ألونسو تحت قيادة غوارديولا في العملاق البافاري.
مشروع بلا حدود
بعد موسم أول مخيب للآمال في إنكلترا، انطلق مشروع غوارديولا بقوة في موسم 2017-2018، حين حطّم سيتي الأرقام القياسية وكتب واحدة من أكثر صفحات الدوري الإنكليزي إبهارًا. تصدّر الفريق الـ "بريميرليغ" وأصبح أول نادٍ في تاريخ كرة القدم الإنكليزية يبلغ حاجز الـ 100 نقطة. لم يكن الرقم وحده استثنائيًا، إذ سجّل سيتي 106 أهداف، وحقق أفضل فارق أهداف في تاريخ الدوري الممتاز بلغ +79. يومها قال غوارديولا عبارته الشهيرة: "50 نقطة على أرضنا، و50 نقطة خارجها. إنه أمر لا يُصدق".
وفي الموسم التالي، دافع سيتي عن لقبه بنجاح، لكنه احتاج إلى كل نقطة من نقاطه الـ 98 ليتفوّق على ليفربول في ما يُمكن اعتباره أعظم سباق على لقب الدوري. فاز رجال غوارديولا في آخر 14 مباراة في البطولة، وخطفوا اللقب، وأطالوا انتظار ليفربول للفوز به إلى 30 عامًا. وعن ذلك الصراع الكبير مع فريق الألماني يورغن كلوب، قال غوارديولا: "سأتذكر دائمًا أكبر منافس لنا والمعارك الشرسة التي خضناها ضد بعضنا البعض".
هيمنة محلية
ورغم الهيمنة المحلية، بقي دوري أبطال أوروبا مصدر حزن دائم للنادي ومدربه الشهير. كان الحلم الأوروبي أحد الأسباب الرئيسية لجلب غوارديولا إلى مانشستر، لكن تحقيقه احتاج إلى انتظار طويل حتى الموسم السابع، عام 2023، حين أصبح الحلم حقيقة. ويُعد الفوز على ريال مدريد 4-0 في إياب نصف النهائي إحدى ذرى مسيرة غوارديولا التدريبية، قبل أن يُكمل سيتي المهمة بفوز صعب على إنتر الإيطالي 1-0 في نهائي إسطنبول.
بهذا اللقب، أهدى غوارديولا مانشستر سيتي أول دوري أبطال أوروبا في تاريخه، ورفع رصيده الشخصي إلى ثلاثة ألقاب في المسابقة القارية الأم. كما أضاف إلى ذلك الدوري الإنكليزي وكأس الاتحاد، مكررًا الثلاثية التي سبق أن حققها مع برشلونة. وبات سيتي، إلى جانب جاره اللدود مانشستر يونايتد في موسم 1998-1999، الفريق الوحيد الذي أحرز ثلاثية الدوري ودوري أبطال أوروبا والكأس في موسم واحد في تاريخ كرة القدم الإنكليزية.
وفي السنوات الأخيرة من عقده، ربما لم يبلغ سيتي مستوى الإبهار ذاته، لكن غوارديولا واصل إضافة العلامات الفارقة إلى سجل النادي. فقد أصبح سيتي أول فريق إنكليزي يحرز أربعة ألقاب متتالية في الـ "بريميرليغ"، بعد صراع ملحمي جديد كان أرسنال، بقيادة مساعده السابق ميكل أرتيتا، ضحيته هذه المرة. جمع "الغانرز" 89 نقطة، لكن ذلك لم يكن كافيًا أمام فريق فاز في مبارياته التسع الأخيرة، وأكد أن نهاية الموسم عند غوارديولا لا تعني التراجع، بل لحظة الحسم.
بلغت فترة غوارديولا أصعب مراحلها في موسم 2024-2025، عندما عانى الفريق المنهك والمثقل بالإصابات، ولم يحقق سوى فوز واحد في 13 مباراة. ومع ذلك، أظهر المدرب الإسباني قدرته على النهوض مجددًا، ليختتم مسيرته بمزيد من الألقاب، حتى وإن لم ينجح سيتي في تحقيق ثلاثية تاريخية جديدة.
هكذا يرحل بيب غوارديولا عن مانشستر سيتي بعدما ترك وراءه أكثر من أرقام وبطولات. يرحل تاركًا فلسفة لعب، ومدرسة تدريب، وجيلا من المدربين، وفريقًا دخل التاريخ من أبوابه الواسعة. في عقد واحد، لم يغيّر سيتي فقط، بل غيّر الطريقة التي تُلعب بها كرة القدم في إنكلترا، وحوّل ملعب الاتحاد إلى مختبر للأفكار والانتصارات، وإلى أحد أهم مسارح اللعبة الحديثة.