لورا مقدسي

هل ننجو؟

22 كانون الثاني 2021

20 : 25

 كيف تريد أن تموت أيّها اللبناني؟


بانفجار مهول بالنيترات كالذي دمّر بيروت في ٤ آب الماضي؟ أم اختناقا بفيروس الكوفيد ١٩؟ أم جوعًا وفقرًا بعدما نهبت العصابة مدخّراتك؟ أم بالسكتة القلبية لأن من أوكلتهم أمور حياتك ومستقبلك قد خانوا الأمانة؟

في موسم الموت المجاني، أنت لا تملك ترف الاختيار بين الموت والحياة، بل بين موت وموت. ولو امتلكت إرادة من صخر، وعافية من صخر، وحظّا من صخر، وقرّرت أن تصمد كي تكون آخر من يطفئ أنوار المدينة، فستموت ضجرًا من مشاهدة المسرحية الهزلية التي تُعرض يوميًا، ماتينيه وسواريه، على مسارح المدينة.

أحدهم يريد الثلث المعطّل ويرفض تشكيل "حكومة المَهمَّة" وهو الذي حذّرنا قبل أشهر قليلة أنّنا على قاب قوسين من جهنّم.

وآخر وضع التكليف في جيبه، معتبرًا نفسه مرّشحًا طبيعيًّا أزليًا لرئاسة الحكومة. وثالث يريد انتخابات نيابية مبكرة ظنًّا منه أنّها ستأتيه بأكثرية نيابية تتوّجه زعيما على طائفته. ورابع متمسّك بوزارة المالية لطائفته ويريد إلهاءنا بقانون انتخابي جديد خارج القيد الطائفي. وخامس يشنّ حملات منظّمة على الجيش وقائده، كأنّه ضاق ذرعًا بآخر المؤسسات الصامدة في زمن الموت والانهيار. وسادس يريد التوّجه شرقًا، وآخر غربًا.

يثرثرون فوق جثثنا، من دون خطط واضحة. لا خطّة صحيّة، أو اقتصاديّة، أو ديبلوماسيّة تنتشلنا من العزلة، أو ماليّة تنقذنا من الإفلاس. يواصلون عروضهم المسرحية، دون توقّف، ونحن صامتون، نصارع الموت والإحباط والقلق.

هل كنّا لنبلغ هذا الدرك لو كانت ديمقراطيّتنا عميقة، صلبة، مقرونة بالقول والعمل؟ لو أننا نشأنا وفي أذهاننا أنّ السياسة ليست سوى وسيلةً للكرامة والتنمية والسعادة والرفاه؟ وهل مشكلتنا في نظام قابل للتعديل، أم في حمضنا النووي الذي يتناسخ ويتناسل كمًّا هائلًا من السلبية والتفاهة والعنف والتخوين وحروب لا تنتهي؟

نحتاج إلى معجزة تنقذنا ليس من أزماتنا الكثيرة فحسب، بل في إعادة كتابة حمضنا النووي كي نعود مواطنين أسوياء نستحقّ الحياة والكرامة.

هل سننجو؟ لا أعرف.

مات شيء فينا يوم انفجرت بيروت. تحوّلت وجوهنا الرمادية إلى علامات استفهام وتعجّب، لا نرغب في شيء سوى أن نعرف من فجرّ المرفأ ومن دمرّ ثلث العاصمة. ومات شيء فينا حين انفجرت بنا كورونا، وقتلت أهلًا لنا وأصدقاء ومعارف.

وهم لا يأبهون. ينشغلون بتعزيز حصصهم في السلطة من أجل تأمين مستقبلهم ومستقبل سلالاتهم لأجيال قادمة. ثمّ، يتحالفون مجدّدًا ويتقاسمون غازنا ومواردنا ليدفعوا الديون التي تسبّب فسادهم بتراكمها. يفاخرون بمقاومتهم لمشاريع التطبيع مع إسرائيل، ويطرقون أبواب الدول الصديقة، ويسألونها التبرّع بلقاحات كوفيد، لأننا لا نملك أن نشتريه من جيوبنا، ثمّ يحملّوننا جميلهم مدى العمر.

سيطلبون الاستدانة من صندوق النقد الدولي، ويعدون بالإصلاحات التي ستبقى حبرًا على ورق، وسنندم لأنّنا لم ننتحر يوم كان الموت سهلًا والفيروس ينتظر خلف الباب، وسنعود لنعيش المهزلة نفسها، مع المهرّجين أنفسهم أو مع ورثتهم في السياسة والفساد والمحاصصة. ونترقّب خاشعين، صامتين متى تنفجر بنا حرب جديدة، أو جائحة جديدة، أو يودي انفجار آخر بما تبقّى من بيروت، ويغرق أهلها في فقر وجوع ومذلّة. كأنّما مكتوب علينا منذ الولادة أن تُهدر أعمارنا وأعمار أولادنا ثمنًا لطيشهم، وخبثهم وطمعهم واستقواء بعضهم على البعض الآخر.

هل سننجو؟

هم سينجون بالتأكيد. وسيعودون إلى مسرحيّاتهم الهزلية، ويتّخذون من ندب الموتى مهنة. وسيفتحون دكاكين لدفن الموتى، ويثرون من تجارتهم الجديدة، كما لو أنّ لبنان الكبير لم ينتهِ، كما لو أنّنا لم نمت.

يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.