شادي معلوف

يقدّم "الوحش" مجدّدًا ... جاك مارون: كلّنا كبرنا والرؤية صارت أعمق

5 دقائق للقراءة

أصدق البوح يكون عادةً بين غريبَين أتعبتهما ظروف الحياة واجتمعا صدفةً في لَيل. فالعتمة تفتح الشهية على الكلام، والتعب المصحوب بوجع الروح دافعٌ للإفصاح عن مكنونات الذات، والغريب الذي لا يعرف عنا شيئًا ولا نعرف عنه شيئًا هو الشخص الأنسب لنعرّي أمامه ماضينا البائس بتفاصيله. من هذه المشهدية تنطلق مسرحية "الوحش" لجاك مارون، من بطولة كارول عبود ودوري السمراني، والتي انطلقت عروضها نهاية الأسبوع الماضي على "مسرح المونو" في الأشرفية.

بحضور وجوه فنية وإعلامية وثقافية بارزة، أُقيم مساء الجمعة الماضي العرض الافتتاحي لمسرحية "الوحش"، عن نص الكاتب والمخرج الأميركي العالمي جون باتريك شانلي "Danny and the Deep Blue Sea"، والذي تولّت أرزة خضر تعريبه.

العمل كان قد قُدِّم للمرة الأولى في المحترف الفني الخاص بجاك مارون، و "الوحش"، كما يقول مارون لـ "نداء الوطن"، "هي المسرحية الثانية التي أعود لتقديمها في عرض ثانٍ، بعد مسرحية "فينوس" التي أعدت تقديمها أيضًا العام الماضي. أما سبب إعادة عرض "الوحش"، فلأننا لم نكمل ما بدأناه سنة 2019، وقد حالت الأزمات المتتالية في لبنان منذ ذلك الحين دون انتقال العمل إلى خشبة "المونو" كما كان مقررًا حينذاك. لكن بعد كل هذه السنوات، حان الوقت لاستكمال رؤيتها الأصلية".


أنا تطوّرت

من شاهد "الوحش" في نسختها الأولى، لم يجد في نسختها الحالية تكرارًا لما سبق عرضه. سبع سنوات كافية وأكثر لانتقال عناصر العمل من حيّز إلى آخر. فلا مخرج العمل ولا بطلاه بقوا، فنيًّا، حيث كانوا آنذاك، بل زادتهم السنوات والأعمال الفنية التي قدّموها منذ ذلك الحين خبرةً ونضجًا شخصيًّا وفنيًّا، وبالتأكيد جعلت قراءتهم للنص المسرحي وتنفيذهم له مختلفَين عمّا كانا عليه في النسخة الأولى.

لكن رغم ذلك، يؤكّد مارون في حديثه معنا أنه لم يُعدِّل "ولا كلمة" على نص جون باتريك شانلي، بل قدّمه "متل ما هوّي"، إنما في المقابل يؤكّد: "لكن كمخرج، أنا تطوّرت. بالتالي هذه المرّة أخرجت المسرحية بصدق أكبر. فكلّنا كبرنا، والرؤية صارت أعمق".

نسأل جاك مارون عن سبب اختيار كارول عبود ودوري السمراني مجددًا لتقديم "الوحش"، فيعزو السبب إلى الكيمياء القوية بينه وبينهما، والتي باتت الآن أقوى، مضيفًا: "علاقتنا كبرت، وثمّة استمرارية فيها وتطوّر".

التحديات الاقتصادية والاجتماعية كانت كبيرة في لبنان حين قُدِّم العرض عام 2019، وهي ليست أقل حاليًا. عنها يقول مارون: "التحديات التي تواجهنا هي نفسها التي يعيشها جميع الناس في بلدنا، من عدم الاستقرار إلى المخاطرة وغياب الضمانات. الطريق السهل كان ألّا نقوم بأي عمل، لكننا اخترنا البقاء ناشطين من أجل سلامتنا النفسية، ولتقديم عمل جميل للجمهور رغم قلّة الموارد والمخاطر المحدقة بنا".


حالات الإنسان

وكما يتبدّل الإنسان مع الوقت، فإنّ تبدّل الأماكن يترك أيضًا أثره. حركة الممثلَين وإدارتهما إخراجيًّا لا بد أنها مختلفة بين محترف محدود المساحة، بجمهور محدود العدد في كل عرض عام 2019، ومسرح "شرعي" مكتمل الميزات التقنية ومجهّز لاستيعاب عدد أكبر من المشاهدين في كل عرض عام 2026. وحده وصول صوت كارول عبود (بيرتا) ودوري السمراني (داني) خافتًا في بعض لحظات العرض إلى الجمهور الجالس بعد منتصف الصالة، كان نقطة ضعف لا بد من تداركها في العروض المقبلة حتى لا يشوب العرض أي هنّة.

النسخة اللبنانية من "الوحش" لا تأتي كترجمة حرفية للنص الأميركي أو كعرض بارد لا يشبه جمهور بيروت. وعلى الرغم من أنّ الوحدة والخوف والعنف والحاجة إلى الحب والأخطاء أو الخطايا هي مشاعر وسمات إنسانية كونية لا تعرف وطنًا أو جنسية أو حدودًا، فإنّ مُشاهد العمل سيشعر وكأنه في حضور نص "بلديّ أصيل"، وليس نصًّا ملبننًا أو مقتبسًا عن عمل أجنبي.

رجل وامرأة على هامش المجتمع يلتقيان ليلا في حانة شبه فارغة. في داخل كلّ منهما وجعٌ قديم كامن يبحث عن فرصة للبوح، ربما بحثًا عن شفاء تأخر. لكن في انتظار بلوغ تلك اللحظة، كان الجرح الداخلي لكلّ منهما يتمظهر عنفًا وألمًا يصيب المحيطين بالبطلَين، وربما يصيبهما هما أيضًا بجلدٍ للذات. لكن بعد الصدام والتوتر والخوف والدفاع، يأتي الاعتراف الذي يُتوَّج بتسلّل مشاعر إنسانية وعاطفية تبحث عن ضوء ينبثق من ظلمة الماضي وظلمه.

في "الوحش" يواصل جاك مارون تقديم الإنسان بحالاته النفسية والاجتماعية المختلفة، على ما اعتاد تقديمه في معظم أعماله المسرحية، فيخرج المُشاهد محمّلا بأسئلة عن ذاته ومشاعره وماضيه وحاضره، حرّكتها شخصيّتا المسرحية والاختبارات التي عاشاها. يساهم في ذلك جودة أداء الممثلَين كارول عبود ودوري السمراني، اللاعبَين على حبال المشاعر الإنسانية بتناقضاتها العديدة المختلفة.

يقول جاك مارون إنه على ثقة بأنّ الجمهور سيجد أسرة العمل هذه المرّة أكبر وأوعى، ذلك أنّ الفوضى التي نعيشها منذ عام 2019 أعطتهم فهمًا أعمق لشخصيتَي "بيرتا" و "داني"، اللتَين ستتظهران بوضوح وبساطة أكثر، وقصتهما المؤلمة ستتظهر أكثر إنسانية.

كاتب المسرحية لا يُعطي إجابات، بحسب المخرج جاك مارون، بل يُطلق أسئلة ببساطة إنما بعمق. "هو وجّهني لأجد طريقي. وهو رغم شهرته، متواضع، علّمني أنّ الصدق هو المفتاح. وأنا ممتنّ لكوني أقدِّم نصّه في بلدي مع فريقي". والفرصة متاحة أمام الجمهور لعيش هذا الاختبار والإجابة عن تلك الأسئلة، على "مسرح المونو"... فلا تفوّتوا فرصة مشاهدة "الوحش".