الإحصاءات ليست حقيقة مُطلقَة، ولكنها تلعب دوراً حاسماً في حياتنا، وتعكس إلى حدٍٍّ بعيد التوجّهات العامة للمجتمع في لحظة زمنية معيّنة، ولا تُعتبَر نتائجها تنبؤات قطعية أو حقائق ثابتة...
يُمثّل المشهد السياسي في لبنان تعقيداً جذرياً، حيث يتواجد انقسام عميق وتباينات واسعة حول فكرة السلام مع إسرائيل (الذي يلقى رفضاً قاطعاً من الأكثرية الساحقة من الشيعة، ونسبة ملحوظة من السنّة، وتأييداً واسعاً من الدروز والمسيحيين)، وفي المُقابِل تبرز حالة من شبه الإجماع الوطني على "رفض ربط الساحة اللبنانية بالصراعات الإقليمية"، ولاسيما "حروب الإسناد"، والتمسُّك بالسيادة الوطنية، وبسط سلطة الدولة على كامل أراضيها...
اللبنانيون بمختلف طوائفهم وتوجّهاتهم السياسية يُجمِعون اليوم على رفض تحويل لبنان إلى "منصّة بريد" أو "جبهة إسناد" لدعم قوى خارجية على حساب أمنهم واقتصادهم وسلامة قُراهم، خاصةً بعد المُعاناة التي تكبّدها الجنوب وأهله...
وقد أظهر استطلاع مؤسسة (غالوب Gallup) أنّ أغلبية ساحقة من اللبنانيين تُعارِض الإنخراط في حرب مباشرة مع إسرائيل لدعم "غزة" و"طهران" والثأر لخامنئي، وأنَّ نحو 79% من اللبنانيين يؤيّدون حصر السلاح حصراً بيد الجيش اللبناني، حيث بلغت نسبة التأييد 92% بين المسيحيين، و89% بين الدروز، و87% بين السنّة... في المُقابِل عارض 69% من أبناء الطائفة الشيعية هذا القرار، وأيّده 27% منهم.
وكشف استطلاع للرأي أجرته مؤسسة "الدولية للمعلومات"، أنّ أغلبية اللبنانيين تؤيّد إبرام اتفاق سلام مع إسرائيل... وأظهرت النتائج أنَّ طائفة الدروز سجّلت أعلى نسبة دعم لاتفاق السلام مع إسرائيل، حيث بلغت 84%، تَلاهم الموارنة بنسبة 77%، ثمّ المسيحيون الأرثوذكس بنسبة 72%.. وفي المُقابل كان دعم المسلمين أقلّ بشكل ملحوظ، حيث عبّرت أغلبية طفيفة من السنّة 52% عن رغبتها في إبرام صفقة سلام، بينما رفض 92% من الشيعة هذه الفكرة بشكل قاطع...
على الرغم من انخراط الدولة اللبنانية برعاية الولايات المتحدة في مسارات تفاوضية وأمنية (فرضتها الوقائع الميدانية الكارثية) للوصول إلى وقف مُستدام لإطلاق النار، إلاّ أنّ هناك إجماعاً على ضرورة أن تتمّ هذه الخطوات تحت سقف المؤسسات الرسمية، ووفق القرارات الدولية 1559، و1680، و1701، والبنود الخمسة التي يُناضِل من أجلها رئيسا الجمهورية والحكومة...
الجهة الوحيدة التي ترفض السلام، وترفض القرارات الدولية، وترفض تنفيذ قرارات الحكومة اللبنانية بحصر السلاح، وبسط سلطة الدولة على كامل أراضيها، واستعادة قرار السلم والحرب، وبناء دولة القانون والمؤسسات.. هي "حزب الله" المرتبِط عقائدياً وإيديولوجياً وعسكرياً بالأجندة الإيرانية التوسّعية، وب"ولاية الفقيه" و"الحرس الثوري الإيراني"...
بعد ستين سنة من الحروب الداخلية وحروب الآخرين على أرضنا، والتي حوّلت لبنان من "سويسرا الشرق" إلى "جهنّم".. اللبنانيون بكل فئاتهم وطوائفهم يتوقون إلى السلام والإستقرار والطمأنينة.
ف "طوبى لصانعي السلام لأنهم أبناء الله يُدعَون".
باحث وكاتب سياسي