في الوعي العربي، جرى تقديم الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان عام 2000 بوصفه "أكبر هزيمة تاريخية لإسرائيل على يد المقاومة". وفي المقابل، حاولت الدعاية الإسرائيلية تصويره كقرار استراتيجي أُعيد بموجبه التموضع لتقليل الخسائر. لكن بين هاتين الروايتين تختبئ حقيقة أكثر تعقيداً ؛ فالاحتلال لم يُهزم عسكرياً ، بل وصل إلى قناعة استراتيجية بأن البقاء في الجنوب قد فقد جدواه، وبات مجرداً من أي قيمة أمنية أو سياسية أو اقتصادية.
ولفهم ما حدث فعلاً، لا بد من العودة إلى طبيعة المشروع الإسرائيلي في لبنان منذ عام 1982. فالغزو لم ينطلق بهدف احتلال الجنوب بحد ذاته، بل كان مشروعاً سياسياً وعسكرياً طموحاً يسعى لاستكمال مفاعيل معاهدة "كامب ديفيد" مع مصر، والقضاء على الذراع العسكرية لمنظمة التحرير الفلسطينية. وتكشف الوثائق الإسرائيلية، ومذكرات قادة من وزن أرييل شارون، إضافة إلى كتابات المحلل العسكري زئيف شيف، أن الاجتياح كان يهدف إلى تحقيق أمرين مترابطين:
- تقويض البنية العسكرية والسياسية لمنظمة التحرير الفلسطينية.
- إخراج لبنان من معادلة الصراع عبر توقيع اتفاق سلام مع الدولة اللبنانية، تمهيداً لجرّ سوريا والأردن إلى مسارات مشابهة، لتكتمل بذلك المصالحة مع ما كان يُعرف بـ"دول الطوق".
إذا كان الهدف الأول قد تحقق بخروج منظمة التحرير من بيروت صيف 1982، فإن الهدف الثاني سقط باغتيال الرئيس المنتخب بشير الجميّل، ورفض شقيقه الرئيس أمين الجميّل لاحقاً توقيع "اتفاق 17 أيار"، رغم إقراره رسمياً في الحكومة والمجلس النيابي.
هنا وجدت تل أبيب نفسها تقاتل من دون أهداف استراتيجية واضحة، ما حوّل بقاء جيشها في الجنوب إلى مادة للصراع السياسي الداخلي على السلطة في إسرائيل.
هذا الصراع تردد بوضوح في أدبيات الجنرالات الإسرائيليين؛ إذ وصف الجنرال عاموس جلبوع البقاء في الجنوب بأنه "عملية بلا أفق سياسي"، بينما حذر رئيس الأركان الأسبق أمنون ليبكين شاحاك منذ تسعينيات القرن الماضي من أن الجيش الإسرائيلي يتحول تدريجياً إلى "شرطة حدود داخل دولة مفككة". باختصار، لقد فقد الاحتلال تعريفه الاستراتيجي لنفسه.
وعليه، فإن التحول الحقيقي لم يقع على تلال الجنوب اللبناني، بل في عمق المجتمع الإسرائيلي. وخلال عقد التسعينيات، بدأت المؤسسة العسكرية تصطدم بتراجع جهوزية المجتمع لتقبّل كلفة "حروب الاستنزاف ". لهذا لم يكن ظهور حركة "الأمهات الأربع" حدثاً رمزياً عابراً، بل شكّل مؤشراً على تحول بنيوي داخل المجتمع الإسرائيلي ، من "دولة تعبئة عسكرية" إلى "اقتصاد تكنولوجي مندمج في العولمة"، وأصبحت الحروب المفتوحة عبئاً ثقيلاً على هذا النموذج الاقتصادي والاجتماعي الجديد.
في هذا السياق، ينبغي قراءة الصراع الاستراتيجي سنة 2000 بين إيهود باراك وبنيامين نتنياهو بمنظار مختلف؛ فباراك لم يكن "رجل سلام" بالمعنى الرومانسي، بل كان جنرالاً براغماتياً أدرك أن الجنوب اللبناني يستنزف رصيد الجيش الإسرائيلي من دون أي عائد استراتيجي. وفي المقابل، كان نتنياهو يتخوف من أن يؤدي الانسحاب الأحادي الجانب إلى توجيه ضربة قاصمة لقوة الردع الإسرائيلية، وأن يقدم لخصوم إسرائيل نموذجاً ملهماً لحروب الاستنزاف الناجحة.
لقد أثبتت مجريات الأحداث لاحقاً أن مخاوف نتنياهو لم تكن وهماً; فالانسحاب من جنوب لبنان عام 2000، ومن ثم الانسحاب من قطاع غزة عام 2005، رسّخا في العقل العربي عامة والفلسطيني خاصة مقولة مفادها أن الضغط العسكري غير التقليدي قادر على إجبار إسرائيل على الانكفاء.
إن القصور في التحليلات التقليدية ينبع أيضاً من إسقاط دور النظام السوري في تلك الحقبة من الحسابات. فحتى أواخر التسعينيات، كانت المفاوضات السرية والعلنية بين إسرائيل وسوريا، برعاية أمريكية، تتقدم حيناً وتتعثّر حيناً آخر. ولم تكن تل أبيب تنظر إلى ملف الجنوب اللبناني كملف مستقل، بل كورقة تفاوضية تأتي في إطار تسوية شاملة مع دمشق.
لكن فشل قمة جنيف بين حافظ الأسد وبيل كلينتون في 26 اذار عام 2000 غيّر الحسابات الإسرائيلية جذرياً؛ إذ اقتنع إيهود باراك بأن التسوية مع سوريا باتت مستحيلة، فقرر المبادرة إلى انسحاب سريع أحادي الجانب. وكما فعلت إسرائيل حين انسحبت بشكل مفاجئ من الجبل، ردا على رفض الرئيس أمين الجميّل توقيع اتفاق 17 ايار، هكذا قررت هذه المرة إحراج النظام السوري دولياً من خلال الانسحاب تطبيقاً للقرار الدولي 425. وكان الهدف من هذه الخطوة إحداث صدمة سياسية في الداخل اللبناني، وإعادة رسم خطوط الاشتباك تحت المظلة الدولية، بما يسحب من النظام السوري ذريعة استمرار وجوده العسكري في لبنان.
بناءً على ذلك، يتضح أن الانسحاب لم يكن وليد "انتصار عسكري"، بقدر ما كان نتاج تقاطع عوامل معقدة: غياب الهدف السياسي، تحول المزاج الاجتماعي الإسرائيلي، إحراج النظام السوري بعد انسداد المسار التفاوضي، وتراجع الجدوى الأمنية للشريط الحدودي.
ومن هنا، لا يمكن إنكار أن الآلة الدعائية لحزب الله حققت انتصاراً سيكولوجياً هائلاً؛ إذ إن مشاهد الانسحاب المتسارع وانهيار "جيش لبنان الجنوبي" سمحت بصياغة سردية "الهزيمة الإسرائيلية المدوية"، وهي السردية التي تركت أثراً نفسياً عميقاً في المنطقة، وكان لها دور مباشر في شحن الأجواء التي قادت إلى اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية وتصاعد ثقافة "المقاومة المسلحة".
المفارقة الكبرى، تمثلت في أن "التحرير" أحرج سوريا وأخرجها تدريجياً من المعادلة اللبنانية، لكنه في المقابل فكّ القيود عن نمو حزب الله، وأنهى عملياً المراقبة السورية الصارمة لتوسّعه، ما سمح لإيران بضخ دعم هائل أدى إلى تضخم قوته وتحوله إلى قبضة قوية ساهمت في تمدد النفوذ الايراني في لبنان وسوريا والعراق واليمن، الأمر الذي أوصل لبنان اليوم إلى واقع مأزوم، حيث يستيقظ اللبنانيون يوميا على قرى مدمرة وشعب مهجّر وأسئلة كبرى حول ما الذي تحقق فعلاً منذ عام 2000.
في النهاية، تخيلوا لو أن مقاومة لبنانية صِرفة حررت الأرض ثم سلّمت سلاحها للدولة، ممهدة الطريق لبناء مؤسسات سيادية قوية؛ فهل كان لبنان سيعيش اليوم مأساة لعبة الأمم التي يعيشها؟