ايلي الياس

لبنان "الحويّك" لا يشبههم

3 دقائق للقراءة
تطويب الحويّك تذكير بأن لبنان الكبير لم يكن خطأً تاريخيًا

ليس تطويب البطريرك الياس بطرس الحويّك حدثًا كنسيًا عابرًا في روزنامة الكنيسة المارونية، بل لحظة لبنانية عميقة تعيد طرح السؤال المؤسِّس: أي لبنان نريد؟ فالرجل الذي تولّى السدّة البطريركية بين 1899 و1931 لم يكن فقط بطريركًا في زمن التحوّلات الكبرى، بل كان أحد صانعي الفكرة اللبنانية الحديثة، وركنًا من أركان ولادة لبنان الكبير بعد الحرب العالمية الأولى. وقد أشارت النصوص التاريخية الحديثة إلى أن مسار تطويبه يتجاوز البعد الروحي ليعيد استحضار رمزية الرجل في نشوء الكيان اللبناني الحديث.

كان الحويّك يرى لبنان أكثر من مساحة جغرافية. رآه مشروعًا إنسانيًا حضاريًا في شرقٍ مثقل بالدم والانقلابات والعصبيات والإمبراطوريات المتداعية. لم يطلب لبنان الكبير بوصفه ملجأً لطائفة، بل بوصفه وطنًا للتعدد والشراكة والانفتاح والحرية. لذلك خاض معركته في المحافل الدولية، وخصوصًا بعد الحرب العالمية الأولى، من أجل تثبيت حدود كيان قادر على الحياة اقتصاديًا وجغرافيًا وسياسيًا. كان يدرك أن الكيان الصغير المحاصر لا يصمد باقتصاد ذاك الزمان، وأن لبنان الرسالة لا يولد من الخوف، بل من الجرأة التاريخية على بناء وطن مختلف.

من هنا تأتي رمزية التزامن بين تطويب الحويّك ومئوية الدستور اللبناني. فلبنان الكبير الذي أُعلن عام 1920 احتاج إلى إطار دستوري يثبّت فكرته وينقلها من لحظة الإعلان السياسي إلى مشروع دولة. وفي 23 أيار 1926، أُعلن الدستور اللبناني بعد تشكيل لجنة من المجلس التمثيلي لإعداده، ليصبح النص الذي ينظّم هذا الكيان الناشئ ويمنحه بنيته القانونية والمؤسساتية.

لكن، بعد مئة عام، لا يزال السؤال نفسه مطروحًا: هل المشكلة في الدستور أم في الذين يرفضون منطق الدولة؟ فالدستور اللبناني، رغم كل عيوب التطبيق والتعديلات والتسويات، بقي شاهدًا على محاولة بناء دولة حديثة في منطقة غالبًا ما حكمها منطق الغلبة والسلاح والعقائد المغلقة. وكما قالت "النهار" في ملف مئوية الدستور، فإن العودة إلى نص 1926 ليست مجرد استعادة لوثيقة قانونية، بل مراجعة لمسار دولة ما زالت تبحث عن توازنها بين الفكرة والمؤسسة، وبين العيش المشترك وأزمات الحكم.

المأساة أن مشروع الحويّك لا يزال غير مرغوب به لدى قوى وجماعات سياسية تسكن جغرافيا لبنان، لكنها لم تقبل بعد بفكرته. فهي تعيش في الدولة وتعمل ضد منطقها، تستفيد من الدستور وتفرغه من مضمونه، ترفع شعار الشراكة وتحتكم إلى فائض القوة، وتتحدث عن الوطن بينما تشدّه إلى مشاريع أيديولوجية عابرة للحدود، أقرب في بنيتها السياسية إلى عصور ما قبل الدولة الحديثة.

تطويب الحويّك، في هذا المعنى، ليس فقط تكريمًا لرجل قديس، بل إدانة أخلاقية لكل من حوّل لبنان من مشروع حضاري إلى ساحة. هو تذكير بأن لبنان الكبير لم يولد صدفة، ولم يكن خطأً تاريخيًا، بل كان محاولة شجاعة لبناء وطن حر في منطقة لا تزال تتنازعها مشاريع القرون الوسطى. أما مئوية الدستور، فهي مناسبة للقول إن النص لم يمت. الذي يموت هو الإيمان بالدولة حين يُترك السلاح أقوى من القانون، والولاء الخارجي أقوى من الانتماء الوطني.

الحويّك يعود اليوم طوباويًا، لا ليبارك ذاكرة الماضي فقط، بل ليذكّر اللبنانيين بأن لبنان الكبير لم يكن جغرافيا فحسب. كان وعدًا حضاريًا. والسؤال المؤلم بعد مئة عام: هل ما زال اللبنانيون قادرين على حماية هذا الوعد؟