صدر قرار الحظر في 5 كانون الثاني لإخماد المخاوف القائلة إن هذه التطبيقات الصينية الشائعة قد تسمح لبكين بالوصول إلى بيانات حساسة حول الأميركيين. لكنّ هيمنة الصين المستجدة في مجال التكنولوجيا المالية تطرح مشكلة أكثر خطورة على الولايات المتحدة. لا تستطيع واشنطن أن تثق باستعداد الحزب الشيوعي الصيني لاستعمال نفوذه المتزايد في الأسواق المالية بطريقة تصبّ في مصلحة الجميع. بل إن بكين ستستعمل التكنولوجيا المالية على الأرجح للاستيلاء على أكبر حصة من التجارة العالمية وتعزيز عمليات المراقبة التي تقوم بها وتحدي الدولار الأميركي باعتباره أقوى عملة احتياطية في العالم.
داخل الهواتف الذكية
في البداية اعتُبرت تطبيقات الدفع عبر الهواتف الخليوية في الصين طريقة ممتعة وسهلة لإرسال هدايا العيد إلى أفراد العائلة والأصدقاء بمناسبة السنة القمرية الجديدة، لكنها تحوّلت سريعاً إلى صناعة ضخمة. يستخدم ملايين المستهلكين الصينيين تقنيات الدفع الرقمي في معاملاتهم اليومية. تخلّت الطبقة الوسطى المزدهرة في الصين عن بطاقات الائتمان وانتقلت مباشرةً إلى وسائل الدفع الرقمية التي تتجاوز قيمتها اليوم 42 تريليون دولار سنوياً في الصين، أي أكثر من المعاملات الأميركية عبر تطبيقات مثل PayPal وVenmo بحوالى 150 مرة.
يجازف ازدهار شركات التكنولوجيا المالية الصينية بتقوية أخطر دولة بوليسية في العالم. تدعم المعطيات المأخوذة من مليارات المعاملات الرقمية البيانات المستخلصة من تقنيات التعرّف على الوجه وتاريخ البحث والروابط المستعملة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، فيحصل الحزب الشيوعي الصيني بذلك على تفاصيل حول مواقع الناس وتاريخ معاملاتهم وسجل سفرهم وحساباتهم المصرفية. تسمح هذه المعلومات مُجتمعةً للسلطات الصينية بمراقبة الأفراد والجماعات عن قرب من خلال الحد من وصولهم إلى حساباتهم المصرفية أو إلغائها بالكامل، وتجميد طرقات السفر، ومنعهم من الدخول إلى مواقع محددة. الأخطر من ذلك هو أن السلطات المالية في هونغ كونغ بدأت تطلب من البنوك حديثاً أن ترسل لها تقارير عن المعاملات الحاصلة لمساعدتها على تحديد هوية الناشطين المنادين بالديمقراطية.
من المبرر أن يشعر المسؤولون خارج الصين بالقلق من احتمال أن تستعمل السلطات الصينية بيانات المستخدمين في بلدانهم. ينتشر مستخدمو تطبيقAlipay في أكثر من 110 دول. في هذا السياق، حذر النائب الهندي ناريندرا جادهاف في العام 2018 من احتمال أن تتعرض الهند لمخاطر جيوسياسية كبرى إذا تمكنت شركات التكنولوجيا المالية الصينية من الوصول إلى البيانات المالية الخاصة بملايين الهنود والشركات الهندية. هذه المخاوف نفسها دفعت ترامب إلى إصدار الأمر التنفيذي الأخير في كانون الثاني لحظر Alipay و WeChat Payوتطبيقات صينية أخرى.
لكنّ هيمنة الصين على قطاع التكنولوجيا المالية تنذر أيضاً بترسيخ الطموحات التوسعية التي يحملها الحزب الشيوعي الصيني بطريقة مختلفة، ما يعني ربط الدول الأخرى باقتصاد الصين. يبدو أن شركات التكنولوجيا المالية الصينية باتت تُستعمَل كورقة جغرافية اقتصادية رابحة. في المقام الأول، تعمد شركتاAlipay وWeChat Pay، اللتان تشكلان حتى 95% من سوق المدفوعات عبر الهواتف الخليوية في الصين، إلى التدخل في الحياة الاقتصادية اليومية للدول الأخرى. وبناءً على هذه الهياكل المالية، تحصل الشركات الصينية على تراخيص مصرفية رقمية وتتوسع سريعاً في قطاعات أخرى، بما في ذلك التأمين الرقمي ورصيد المستهلك والتحويلات المالية والإقراض. سرعان ما أصبحت هذه الشركات جزءاً راسخاً من الدول المضيفة لدرجة أن يصعب التخلص منها. في بداية كانون الأول الماضي مثلاً، كان ثلاثة فائزين بتراخيص مصرفية رقمية من أصل أربعة في سنغافورة (تم اختيارهم من بين 21 مقدّم طلب) صينيين أو مدعومين من مستثمرين صينيين. لم يظهر أي أثر للشركات الأميركية أو الغربية، فحصلت الصين بذلك على حرية التصرف في هذا القطاع.
تُعتبر محاولات الصين السيطرة على التكنولوجيا المالية في آسيا خطوة باتجاه تحقيق هدف أكثر أهمية: السيطرة على العملة الاحتياطية العالمية. في الخريف الماضي، توقّع المحللون في شركة الخدمات المالية الأميركية "مورغان ستانلي" أن يتجاوز اليوان الصيني قيمة الين الياباني والجنيه الاسترليني البريطاني كي يصبح ثالث أكبر عملة احتياطية في العالم بحلول العام 2030، فيتراوح بين 5 و10% من الأصول الاحتياطية العالمية من العملات الأجنبية. بدأت بكين تتحدى سيطرة الدولار الأميركي في جنوب شرق آسيا وأجزاء من أفريقيا فيما تستعد لإطلاق يوان رقمي خلال السنة المقبلة على الأرجح، ما يُسهّل المعاملات ويُمكّن الصين من تحسين طريقة تعقب عملتها.
عملة اليوان للجميع
سيتمكن المستهلكون والتجار في أنحاء جنوب شرق آسيا قريباً من استعمال اليوان الرقمي على تطبيقَيAlipay وWeChat Pay. ثم ستصبح التطبيقات أداة لتوزيع اليوان الرقمي لأن الشركات المحلية ستعتبر استعمال اليوان أكثر فعالية من الدولار في معاملاتها مع الشركات الصينية. سيتمكن الحزب الشيوعي الصيني حينها من فرض استخدام اليوان الرقمي بدل الدولار الأميركي على الشركات والمؤسسات الكبرى التي تقوم بمعاملات واسعة، مثل تسديد مدفوعات الفائدة وتمويل سلاسل الإمدادات.
بدأ هذا التحول يتحقق منذ الآن، حتى قبل صدور عملة رقمية مستقلة جديدة في الصين. تزامناً مع نمو التجارة الثنائية بين الصين ودول جنوب شرق آسيا في العقود الأخيرة، ارتفعت أيضاً حصة العمليات التجارية التي تستعمل اليوان الصيني، ما أدى إلى تراجع حصة الدولار الأميركي في التجارة الثنائية. ذكر دينو جلال، السفير الإندونيسي السابق في الولايات المتحدة، أن التجارة الثنائية بين إندونيسيا والصين في العام 2019 بلغت قيمتها 79.4 مليار دولار، ما يعني أنها زادت بعشرة أضعاف منذ العام 2000. هذا ما يجعل استعمال اليوان خياراً "أكثر جاذبية" للشركات الإندونيسية في تعاملاتها مع الشركات الصينية. كذلك، ارتفعت حصة اليوان في التجارة الثنائية بين الصين وإندونيسيا بأربعة أضعاف في آخر أربع سنوات.
قد تبدأ دول المنطقة قريباً بزيادة حصة اليوان في احتياطيات العملات الأجنبية، وقد يطغى النموذج الروسي على مستقبل جنوب شرق آسيا في هذا الإطار. رفعت روسيا حصة اليوان في احتياطياتها بطريقة جذرية، من 2% في العام 2018 إلى أكثر من 14% في العام 2019. كذلك، عمدت إلى تخفيض حصتها من الدولار الأميركي من 30% إلى 10% تقريباً خلال الفترة نفسها. أخيراً، تراجعت حصة الدولار في المعاملات التجارية بين الصين وروسيا من 90% إلى 46% منذ العام 2016.
قد يُبعِد اليوان الرقمي الصيني المعاملات عن منصات التبادل المالي الغربية مثل SWIFT، وهي الآلية الأساسية التي تحافظ على هيمنة الدولار الأميركي في التجارة العالمية. اعتبر المسؤولون في الحزب الشيوعي الصيني تطبيق SWIFT "وسيلة للحفاظ على الهيمنة الأميركية العالمية وحصد منافع كبرى عبر تلك المنصة الاحتكارية". يجب أن يتعامل المسؤولون الأميركيون بجدية مع التحركات الصينية في هذا القطاع. يظن ماكس ليفشين، أحد مؤسسي PayPal، أن اليوان الصيني قد يصبح العملة الاحتياطية الرقمية الأولى في العالم إذا لم تسترجع الولايات المتحدة توازنها وتصدر نسخة رقمية مناسبة من الدولار. كذلك، ستخسر واشنطن في هذه الحالة النفوذ الذي تملكه في دول عدة إذا فضّلت تلك البلدان اليوان على الدولار مع مرور الوقت.
تقديم البدائل أساسي
يجب أن تسعى الولايات المتحدة بجدّية إلى طرح بدائل عن شركات التكنولوجيا المالية الصينية للدول الأخرى بناءً على قوة شركات التكنولوجيا الأميركية. لكن تأخرت تلك الشركات في خوض المنافسة المتوسعة مع الصين. استثمرت شركتا Alibaba و Tencent في كل واحدة من شركات التكنولوجيا الناشئة التي يبلغ عددها 13 وتصل قيمتها إلى مليار دولار وما فوق في جنوب شرق آسيا. في المقابل، لم تقم شركتا Facebook وPayPal باستثمارات في أول شركة تكنولوجيا مالية آسيوية، Gojek، قبل شهر آذار الماضي. يجب ألا تخرج شركات أميركية مثل Facebook و Googleو PayPal من أهم أسواق النمو في العالم، علماً أنها تقع في معظمها في منطقة المحيطَين الهندي والهادئ. في غضون ذلك، يجب أن تجد الحكومة الأميركية طرقاً فعالة لتشجيع شركات التكنولوجيا العملاقة فيها على عقد شراكات مع جهات غير صينية في مجال التكنولوجيا المالية حول العالم. ويُفترض أن تُشجّع أصحاب الرساميل الأميركيين على الاستثمار بطرقٍ تخدم المصالح الوطنية، على غرار ما تفعله الصين. في نهاية المطاف، يجب أن تقدّم الولايات المتحدة للدول الأخرى بديلاً عن التبعية التكنولوجية للصين.
تشكّل أنظمة المدفوعات التجارية الرقمية الشائعة وسط المستهلكين الصينيين جزءاً محورياً من الدولة البوليسية والاستبدادية المبنية على التكنولوجيا في الصين، أو ما يُعرَف باسم "نظام التشغيل الصيني". من خلال التكنولوجيا المالية، تنوي الصين بكل وضوح المطالبة بتوسيع حصتها في الاقتصاد العالمي وزيادة سيطرتها على النظام المالي الدولي. لا يزال الوقت سانحاً كي تتفوق الولايات المتحدة في هذه المنافسة، لكنّ الامتناع عن التحرك قريباً سيجبرها على خوض معركة شاقة لمحاولة مواكبة الصين.