المحامي محمد آصف ناصر

مئوية الدستور .... وهم الجمهورية

8 دقائق للقراءة

في 23 أيار 1926، أُقِرَّ الدستور اللبناني الذي ما يزال ينظم الحياة السياسية في لبنان، مع تعديلات وترقيعات بما تيسر وفق ما تمليه الضرورات الظرفية، ومن ظرف استثنائي إلى ظرف استثنائي انقضت مئة عام من عمر الجمهورية ولم ننجح في ترجمة عقدنا الاجتماعي الطبيعي إلى دستور وضعي، لذلك نحن دائما نعيش في الــ De Facto ولم نستطع أن نستوعب فكرة الــ De Jure، ولذلك ما تزال النظم السماوية وفق تفسيرات قروسطية تتحكم في حياتنا الجمعية، فأصبحنا "قرطة عالم مقسومين".

إن النص الدستوري الذي يحكم حياتنا السياسية، ويحلو للجميع من أقصى السيادة إلى أقصى الممانعة أن يتغنى به، هو دستور صيغ "من وحي الهزيمة" الفرنسية في العام 1870-1871، فكان تأسيس الجمهورية الفرنسية الثالثة في العام 1875 وصيغ النظام الدستوري اللبناني في العام 1926 على صورتها ومثالها، هذا النظام الذي ما زال ساريا فيما تُكتب هذه الأسطر، وكان للمفكر اللبناني ميشال شيحا بصمة في تطييف النص الفرنسي وجعله أكثر تأقلمًا مع قَبَلِيَتِنا المجيدة.

في أعقاب هزيمة "حكومة فيشي"، صيغ دستور العام 1946 (الجمهورية الرابعة الفرنسية) التي انهارت في العام 1958 وتأسست على أنقاضها الجمهورية الخامسة التي ما تزال تحكم فرنسا حتى يومنا هذا.

هذا النص الوضعي التواضعي، ما زال نافذًا حاكمًا في مؤسساتنا مع أن "دولة المنشأ" استغنت عنه وعن النظام الذي تلاه، وشهدت كافة مراحل تطبيقه "دون وصاية" أزمات بنيوية، فمن الأزمة التي ختمت عهد الرئيس بشارة الخوري إلى ثورة العام 1958 على الرئيس كميل شمعون إلى التشنج الذي ساد آخر عهد الرئيس شهاب إلى اتفاقية القاهرة مع الرئيس شارل حلو، والحرب الاهلية مع الرؤساء فرنجية، سركيس، الجميل، والجميل. ومن ثم العودة إلى الوصاية مع تمديدين ومخالفتين للدستور، مع الرئيسين الهراوي ولحود، ثم عصر الفراغ الدستوري، إلى أن أصيبت الجمهورية بأزمتين قلبيتين حادتين أدخلتا الوطن في حالة الموت السريري، في العام 2019 و2020 وصولا إلى حروب الاسناد الثلاث ودعوات وابتهالات نعيم قاسم لإسقاط الحكومة اسنادًا لكتيبة حبيب في طهران.

لن نخوض اليوم في الإقليم ولا في خط السبعين، بل في سلم حيرام كضرورة وجودية مضادة لآثار تفاهمات ملقرت بين الجيش اللبناني والقوى الممانعة (التي كانت فلسطينية في تلك الحقبة) في 17 أيار 1973 في اعقاب اعتداء الفلسطينيين على الجيش اللبناني في 2 أيار 1973.

لا يمكن أن نخوض في أي مشروع وجودي تأسيسي قبل أن نمتن أسس الجمهورية، وأي عمل لا يبدأ من أساسات المواطنة والقواعد الناظمة لهوية المواطن وممارسته حقوقه، يكون ترقيعيا تجميليا كما حصل مع مبنيي الكردي وصيداوي في حي المهاجرين في طرابلس في 07/02/2026، هذين المبنيين الذين تبددا من ذاكرة المدينة كما باقي ظلالها وأصبحت مآسي قاطنيهما ذكرى باهتة في يوميات الوطن.

في بلادي نُرَقِّع الواجهة، ونترك الاساسات تتآكل وعندما ينهار البناء سواء في المرفأ أو في شارع المصارف، أو في حي المهاجرين، نقف "على الأول" لنندب ونتراشق الاتهامات وربما نضحي بكبش فداء ونعود إلى التكاذب الدستوري.

جميعنا نتكاذب، وجميعنا ينشد تطبيق الدستور، لكن هذا الدستور المستورد، كما ربطات العنق التي نرتديها والعطور التي تخفي نتانة أجسادنا الطائفية، لا يخفي سوءات نظامنا. فثوب العيرة لا يدفئ.

في العام 2008، واستجابة لتساؤلات طلابي في معهد الدراسات العليا الأكتوارية في الجامعة اللبنانية في الفنار، وفي أعقاب أحداث 5 و7 أيار "المجيدة" أعددت دراسة دستورية عن التعديلات الدستورية اللازمة لتطوير نظامنا الدستوري، وتم تسليمها لرئيس الجمهورية المنتخب آنذاك، ثم نشرت جزءا منها في صحيفة النهار اللبنانية بتاريخ 19/12/2019. انصبت الدراسة بشكل رئيس على صلاحيات رئاسة الجمهورية وآلية انتخاب الرئيس. أما اليوم، وبعد ممارسة العمل الدستوري عن قرب، وبعد تلمس إشكاليات بنيوية أشد عمقًا أؤمن بوجوب إعادة صياغة الدستور.

كُنا ننادي بالجمهورية الثالثة، ولكن اكتشفت أننا ما نزال نعيش في جمهورية الانتداب الأولى، فنظامنا الحالي لا يستقيم دون سلطة متحكمة عليا، فترى بدعوى الميثاقية الفضفاضة حزبا يشن حربا ويضع خطوطًا حمرًا للدولة، وفي نفس الوقت ترى مواطنا يحرم من حق التنافس على الوظائف العامة لأنه ينتمي إلى الطائفة العلوية مثلا، وترى جماعة حزب السلاح يشاركون في حكومة يطالبون بإسقاطها.

هذه السوريالية لا تقف عند هذا الحد، بل تجد مديرا عاما يُعيَّن، وبنص الدستور، بأكثرية ثلثي أعضاء السلطة الإجرائية، وهي النسبة عينها المطلوبة لإقالة وزير أو إسقاط الحكومة، فالمدير العام في دستورنا المستورد أشد مراسا من الوزير ومن الحكومة، فتستطيع في عالمنا السوريالي أن تقيل رئيس حكومة أثناء لقائه رئيس الولايات المتحدة الأميركية ولكنك لا تستطيع إقالة مدير عام، وأقصى أمانيك أن تضعه بالتصرف.

في دستورنا السوريالي، رئيس الجمهورية يقسم على حماية الدستور لكنه لا يملك أية وسيلة قانونية أو دستورية تتيح له أن يحمي هذا الدستور، ويمكن أن يمتد تكليف رئيس الحكومة إلى انقضاء عهد رئاسة الجمهورية دون محاسبة، ويمكن أن تستمر حالة تصريف الأعمال إلى يوم يبعثون، ويمكن أن تمتنع السلطة التشريعية عن الانعقاد، ناهيك عن اللجان ومقبرة القوانين.

في نظامنا، المجلس الدستوري مقيّد بالنصاب، وبآلية الطعن، فبدلًا من أن يكون المجلس الدستوري سلطة رقابة على السلطات الدستورية يرأسه رئيس الجمهورية بصفته القاضي الأعلى، أصبح جهازًا قضائيًا تتحكم به المحاصصة السياسية.

أما سلطتنا القضائية فحدث ولا حرج: إن المؤشر الأساس لنزاهة وفعالية النظام القضائي والسياسي في أي دولة في العالم، هو مستوى معيشة المحامين، فكلما ازدهر المحامون كلما كان النظام القضائي فعالا ونزيها، أما في بلادي فمؤشر رفاه المحامي هو قربه من السلطة وأصحاب النفوذ، فلا ينقضي يوم في العدلية دون أن ترى نائبا أو نافذًا على أبواب القضاة.

أما المراكز القضائية العليا فبدلًا من أن يشارك المحامون في انتخاب من يتولاها من بين مرشحين يقترحهم مجلس القضاء الأعلى، ترى تهميشا لدور المحامين في عملية إسناد المراكز القضائية، وتشهد احتكارا للسلطة الإجرائية في تعيين المراكز القضائية الحساسة.

في نظامنا يستطيع رتيب تحقيق أن يُغيِّر وجهة العدالة، فيضللها، ويستطيع رتيب آخر أن يعطل تبليغ مدعى عليه، فيما يسارع الى ترهيب مواطن آخر في ملف مدني بزعم تطبيق القانون.

في بلادي يمنع قانون الاسلحة والذخائر الاتجار بالسلاح، ومع ذلك تمنح الجهات المختصة تراخيص حمل سلاح لمن خالف قانون الأسلحة والذخائر، وتمنح تراخيص تظليل السيارات (الــFume) مسايرة للنافذين كدليل أن المواطن الذي يحملها هو مواطن اكسترا بفستق زيادة. في بلادي يتسابق الناس على بطاقات تسهيل المرور لأنها بطاقة مواطن "فوق العادة مطلق الصلاحية". في بلادي يسدد المواطن العادي ثمن لوحة عمومية فيما يعمل على نقل الركاب كل من يملك سيارة حتى لو كانت لوحاتها مزورة ويمكن أن عنصرا في شرطة المرور يستقل توك توك مخالف.

هنا لا قيمة لمن يلتزم القانون ولا حول ولا قوة لمن يناضل بالمنطق ففي البلاد التي تعلم فيها فيثاغوراس الحكمة نعيش على إيقاع ونمطية كيلون الكروتوني مؤسس الاوليغارشية الشعبوية الذي قاد المجزرة ضد الفيثاغوريين في كروتون.

إن الحقيقة التي يتعامى عنها الجميع أن اتفاق الطائف، ودستور العام 1926 لا يصلحان كنظام سياسي، والحقيقة الناشئة من طبيعتنا هي ما أسسه أسلافنا على هذه الأرض، فأرسوا أول نظام فيدرالي في التاريخ، وتعاطوا مع القوى التي تحكم الإقليم بنظام كونفدرالي، فكان للمدن الكنعانية استقلال ذاتي وسيادة خاصة، وفي مراحل عدة كانت لها عملاتهم الخاصة، وهذا النظام قابل للحياة والدليل أن ألمانيا والنمسا وبلجيكا جميعها فيدراليات تعيش في الاتحاد الاوروبي الذي يعتبر نوعا متقدما من أنواع الكونفدرالية. فبعث فينيقيا ليس بالضرورة عداوة مع الداخل ولا طلاقًا معه بل يمكن تأسيس منظمة اقتصادية تحفظ لكل مكون ومتحد خصوصياته، وكرامته ومصالحه الحيوية ويؤسس تكامل اقتصادي تجاري مصلحي على الحقائق الجغرافية، فلا يتسيَّد طرف على آخر، ولا يختنق طرف من تغوُّل طرف آخر، فتكون الحدود السلوكية مؤسسة على الحاجات الطبيعية والحيوية لكل طرف دون أن يؤدي ذلك إلى تضارب في المصالح ولا إلى اعتداء على حق أي طرف بالحياة.

هذه الحقائق تفرضها الجغرافيا على السلوك الإنساني، ويستحيل أن نقيم جدرانا بين أحيائنا، ولكن يمكننا أن نصيغ نظما قانونية ودستورية تعبر عن الحقائق والحاجات الوجودية فنتكامل دون أن نتباغض ونعرف كيف ننظم حياتنا ونسعى في تحقيق معاشنا دون خوف أو اضطهاد أو ظلم.

إن عبارة الجمهورية الثالثة ليست دقيقة، فنحن نحتاج إلى الجمهورية بدلًا من اتحاد القبائل الذي نعاني من أزماته في كل عقد من الزمن.