كتب أنطوني شمعون في موقع The Beiruter المقال الآتي:
تأسّست الإمبراطورية البيزنطية (330-1453م) على يد الإمبراطور الروماني قسطنطين الأوّل (Roman Emperor Constantine I)، المعروف أيضًا بـ "قسطنطين الكبير" (Constantine the Great)، الذي اختار المستعمرة اليونانية القديمة بيزنطة (Byzantium) موقعًا لـ "روما الجديدة" (New Rome) بعاصمة تحمل اسمها، القسطنطينية (Constantinople).
بعد سقوط روما (Fall of Rome) عام 476م، استمرّ النصف الشرقي من الإمبراطورية الرومانية (Roman Empire) لما يقارب ألف عام، إلى أن بلغ سقوطه النهائي في 29 أيار 1453م. وفي مساء اليوم الذي سبق الهجوم الأخير، أُقيمت آخر صلاة مسيحية في كنيسة الحكمة الإلهية العظمى (Great Church of Holy Wisdom)، آيا صوفيا (Hagia Sophia). وقد استذكر السير ستيفن رنسيمان (Sir Steven Runciman) في كتابه "سقوط القسطنطينية" (The Fall of Constantinople) أنّ: "في تلك اللّحظة، كان هناك اتّحاد داخل كنيسة القسطنطينية".
لم يكن هذا الحدث مجرّد انهيار لإمبراطورية، بل شكّل نقطة تحوّل جيوسياسية وحضارية لكلّ من الشرق والغرب؛ ويُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره نهاية العصور الوسطى (Middle Ages).
على الرغم من تعدّد الأسباب التي أدّت إلى انهيار الإمبراطورية، مع بدء مظاهر الضعف بالتفاقم منذ القرن الحادي عشر الميلادي، وتحديدًا منذ معركة ملاذكرد (Battle of Manzikert) عام 1071م، سيتمّ التركيز في هذا المقال على سببين محوريين: الانقسامات الداخلية داخل الإمبراطورية نفسها، وتردّد الغرب في تقديم دعم فعلي وذي جدوى في وقت الحاجة.
ومن هنا، يبرز سؤال جوهري: هل تجد الانقسامات الداخلية والتخلّي الخارجي اللذان سبقا سقوط الإمبراطورية البيزنطية أوجه شبه في لبنان المعاصر، ولا سيّما في ما يتعلّق بواقع المسيحيين وحدود الدعم الغربي لهم؟
إعادة النظر في سقوط الإمبراطورية البيزنطية في 29 أيار 1453م
على الرغم من أنّ القسطنطينية أثبتت أنّها حصينةٌ لما يزيد عن ألف عام، فإنّ أسوارها المنيعة قد تمّ اختراقها في نهاية المطاف بعد حصارٍ دام 53 يومًا شنّه الجيش العثماني بقيادة السلطان محمد الثاني (Sultan Mehmed II)، المعروف أيضًا بـ "محمد الفاتح" (Mehmed the Conqueror). ويمكن تصنيف الأسباب الكامنة وراء انهيار الإمبراطورية، والتي شكّلت المرحلة الأخيرة من الحروب البيزنطية-العثمانية (1299-1453م)، ضمن مجالين رئيسيين على نحوٍ عام.
1) التردّد الغربي والتخلّي:
كان للانشقاق الكبير (Great Schism) عام 1054م بين الكنيسة الكاثوليكية الرومانية (Roman Catholic Church) والكنيسة الأرثوذكسية الشرقية (Eastern Orthodox Church) آثارٌ عميقة على العلاقات بين الغرب والشرق، إذ أرسى حالةً من العداء الديني والسياسي وانعدام الثقة المتبادلة بين روما والقسطنطينية استمرّت لقرون. وقد أضعف ذلك، في حدّ ذاته، إمكانية قيام جبهة مسيحية موحّدة لمواجهة التوسّع الإسلامي اللاحق.
وقد تفاقم هذا العداء خلال الحملة الصليبية الرابعة (Fourth Crusade) في عام 1202-1204م، التي، رغم أنّها كانت تهدف في الأصل إلى استعادة أورشليم (Jerusalem) وإعادة السيطرة المسيحية على الأراضي المقدسّة (Holy Land)، انتهت بنهب القسطنطينية (Sack of Constantinople) في عام 1204م. وقد أدّى ذلك في نهاية المطاف إلى تفكّك الإمبراطورية البيزنطية وقيام دول صليبية لاتينية (Latin Crusader states)، إيذانًا ببداية الفترة المعروفة باسم "الفرنكوقراطية" (Frankokratia) أو "اللاتينوقراطية" (Latinokratia).
وقد قدّمت ممالك أوروبا الغربية، في بعض الأحيان، الدعم الذي كانت القسطنطينية تطلبه مرارًا. غير أنّ هذا الدعم المشروط، والذي كان غير كافٍ، ارتبط غالبًا بالخضوع الكنسي (ecclesiastical submission) لسلطة روما. وقد سعى الإمبراطور يوحنا الخامس (Emperor John V) دون جدوى للحصول على مساعدة مالية من الغرب عام 1369م لمواجهة التهديد العثماني المتصاعد، إلّا أنّه أُوقف في البندقية (Venice) باعتباره مدينًا عاجزًا عن السداد.
علاوةً على ذلك، كانت الممالك الأوروبية المعنية منشغلةً بحروبها وصراعاتها الداخلية، مثل حرب المئة عام (Hundred Years’ War) في عام 1337-1453م بين إنجلترا (England) وفرنسا (France)، وإعادة الاسترداد الإسبانية (Spanish Reconquista) في عام 711-1492م، والصراعات الداخلية في الإمبراطورية الرومانية المقدّسة (Holy Roman Empire).
بناءً عليه، وعلى الرغم من وصول بعض المتطوّعين والمساعدات المحدودة من البندقية (Venice) وجنوة (Genoa) والبابوية (the Pope)، فإنّ القوى الغربية فشلت عمومًا في تقديم العون للإمبراطورية البيزنطية في لحظة حاجتها المصيرية. وهكذا، أدرك الغرب التهديد العثماني في وقت متأخّر جدًا.
2) إمبراطورية وحضارة تمزّقت من الداخل:
قبل انهيار الإمبراطورية البيزنطية، كانت الأخيرة تعاني من صراعات داخلية مدمّرة وأزمات في الخلافة. ومن أبرز الأمثلة على ذلك الحرب الأهلية البيزنطية (Byzantine Civil War) في عام 1341-1347م، والمعروفة أيضًا بالحرب الأهلية الباليولوجية الثانية (Second Palaiologan Civil War)، وذلك بعد وفاة الإمبراطور أندرونيكوس الثالث باليولوجوس (Emperor Andronikos III Palaiologos). بالفعل، وكما حدث في حروب أهلية سابقة في القرنين السابع والحادي عشر الميلاديين، تنافست الفصائل المتنازعة على السلطة والنفوذ، ممّا أدّى إلى استقطاب المجتمع البيزنطي، وإضعاف تماسكه، وتكبّده خسائر إقليمية كبيرة. وهكذا تُجسّد هذه الحرب هشاشة السلطة السياسية في المرحلة المتأخّرة من الإمبراطورية وتأثير الصراعات الداخلية على استقرارها وسلامة أراضيها.
بالإضافة إلى ذلك، اتّخذت الخلافات الداخلية بُعدًا دينيًا أيضًا. فمع تزايد الضغط العثماني، سعى بعض الأباطرة البيزنطيين إلى الحصول على دعم عسكري من أوروبا الغربية عبر محاولة تحقيق المصالحة والوحدة بين الكنيسة الأرثوذكسية الشرقية والكنيسة الكاثوليكية الرومانية، ولا سيّما خلال مجمع فلورنسا (Council of Florence) في عام 1438-1445م. غير أنّ انقسامات داخلية حادّة نشأت بين "الاتحاديين" (unionists) الذين أيّدوا التفاهم مع روما من أجل البقاء، و"المناهضين للوحدة" (anti-unionists) الذين اعتبروا ذلك خيانة للهوية الأرثوذكسية، بل و"خطيئة مميتة" (mortal sin)، خصوصًا بعد نهب القسطنطينية. وقد أسهم هذا الاستقطاب الديني في إضعاف المعنويات والتماسك الوطني خلال العقود الأخيرة من عمر الإمبراطورية. بل إنّ بعض البيزنطيين فضّلوا الحكم العثماني على الخضوع للبابوية، ومن هنا جاءت العبارة الشهيرة المنسوبة إلى لوكاس نوتاراس (Loukas Notaras)، وهو رجل دولة يوناني بيزنطي شغل منصب آخر "ميغاس دوكس" (Megas Doux)، أو الدوق الأكبر (Grand Duke)، في الإمبراطورية: "عمامة التركي خير من تيجان البابا".
كما أنّ الحكاية المعروفة حول "الجدل بشأن جنس الملائكة" تعكس أيضًا حالة الانفصال الفكري والشلل السياسي الذي ساد في مواجهة الخطر الوجودي؛ رغم عدم وجود أدلّة تاريخية قوية تؤكّد وقوع هذا النقاش بالشكل الدرامي الذي صُوِّر لاحقًا.
باختصار، كانت الإمبراطورية البيزنطية قد أُضعفت داخليًا قبل أن يتمكّن العثمانيون من اختراق أسوارها بزمن طويل.
3) تداعيات سقوط الإمبراطورية البيزنطية:
لقد كانت تداعيات سقوط الإمبراطورية البيزنطية وانعكاساته عميقة وواسعة النطاق.
في الشرق، هيمن الإسلام على المنطقة، وتراجعت تدريجيًا مكانة المراكز المسيحية القديمة سياسيًا وديموغرافيًا، مثل القسطنطينية (Constantinople) ونيقية (Nicaea) اللتين أصبحتا إسطنبول (Istanbul) وإزنيق (İznik) على التوالي، بل إنّ كنيسة آيا صوفيا (Hagia Sophia Church) تحوّلت إلى الجامع الكبير (Grand Mosque). كما فقدت المسيحية الشرقية مركزها الإمبراطوري والديني الرئيسي، ما خلق شعورًا عميقًا بالكارثة السياسية والحضارية لدى مسيحيي الشرق، الذين أصبحوا رعايا من درجة ثانية ضمن نظام إمبراطوري إسلامي.
أمّا في الغرب، فقد دفع سقوط القسطنطينية أوروبا في نهاية المطاف إلى مواجهة خطر استراتيجي على حدودها كانت قد قلّلت من شأنه سابقًا، إذ واصلت السلطنة العثمانية (1299-1922م) توسّعها في البلقان (Balkans) ووسط أوروبا (Central Europe) لاحقًا.
رغم أنّ سقوط الإمبراطورية أسهم في إحياء النهضة الأوروبية (European Renaissance) بفضل هجرة العلماء البيزنطيين إلى إيطاليا وأوروبا الغربية، وكذلك في عصر الاستكشاف (Age of Exploration) بسبب الحاجة إلى إيجاد طرق بديلة نحو آسيا)، فإنّ المسيحية (التي نجت مع تقاليدها) لم تستعد منذ ذلك الحين وزنها الديموغرافي أو السياسي في المنطقة.
أوجه التشابه بين الإمبراطورية البيزنطية والوضع المسيحي في لبنان
بالطبع، عند رسم أوجه الشبه بين الإمبراطورية البيزنطية ولبنان، لا يمكن مساواة الوضع المسيحي المعاصر في لبنان أو نفوذه الديني والسياسي مع ما كانت عليه الإمبراطورية. ومع ذلك، من الهام تحديد أنماط متشابهة وحتى مخاطر قد تواجه الوجود المسيحي في لبنان في المرحلة الراهنة، بهدف معالجتها بالشكل المناسب.
1) التفاعل الغربي وحدوده:
منذ تأسيس دولة لبنان الحديثة عام 1920 واستقلالها لاحقًا عام 1943، تراجع الدعم الغربي للمكوّن المسيحي في البلاد تدريجيًا، وإن لم يختفِ كلّيًا. وتحت ذريعة تعزيز الشمولية (inclusivity) أو التعامل مع "الأكثرية" في البلاد، بقيت المساعدات التي قدّمتها هذه الدول محدودة وغير كافية، وغالبًا خطابية دون التزام مستدام أو طويل الأمد. بالفعل، فإنّ الغرب الذي كان يُنظر إليه سابقًا كحامٍ تاريخي للمجتمعات المسيحية (ولا سيّما الكاثوليكية)، اعتمد بشكل متزايد مقاربة علمانية (secularized) قائمة على المصالح في سياساته الداخلية والخارجية، حيث بات مبدأ "مصلحة الدولة" (raison d’État) يتقدّم على الاعتبارات الأيديولوجية أو الدينية.
ومن الأمثلة البارزة ما يُعرف بـ "خطّة كيسنجر" (Kissinger Plan) عام 1976 التي نُسبت إلى دين براون (Dean Brown)، المبعوث الأميركي وممثّل وزير الخارجية الدكتور هنري كيسنجر (Henry Kissinger) آنذاك. فقد قيل إنّ براون اقترح على الرئيس اللبناني الأسبق كميل شمعون (Camille Chamoun) أنّ بلاده تدرس إمكانية نقل المسيحيين اللبنانيين إلى كندا (Canada) أو الولايات المتحدة (United States)، بما يسهّل ما وُصف بـ "الهجرة المسيحية" (Christian exodus). وقد أشار وكيل وزارة الخارجية الأميركية للشؤون السياسية السابق السفير ديفيد هيل (David Hale) في كتابه "الدبلوماسية الأميركية تجاه لبنان" (American Diplomacy Toward Lebanon) إلى أنّ دعم المسيحيين في الحرب اللبنانية (1975-1990) كان من شأنه أن يوسّع نطاق الحرب عبر إدخال إسرائيل وسوريا فيها، وبالتالي كان سيهدّد استراتيجية كيسنجر القائمة على الدبلوماسية المتدرجة (shuttle diplomacy)، قائلًا إن: "أي تعاطف كان موجودًا في واشنطن مع القضية المارونية كان خاضعًا لمصلحة احتواء الحرب اللبنانية".
حتى عندما تدخّلت واشنطن عسكريًا لصالح الحكومة اللبنانية ورئاسة الجمهورية خلال ما يُعرف بـ "المارونية السياسية" (Political Maronism) في عامي 1958 و1982، فإنّ ذلك كان في الأساس لخدمة مصالحها الجيوسياسية الأوسع، وليس دعمًا مباشرًا للمكوّن المسيحي في البلاد؛ لا سيّما مواجهة خطر الشيوعية (communism) ونظرية الدومينو (domino theory) في الشرق الأوسط عبر "عقيدة أيزنهاور" (Eisenhower Doctrine) عام 1957، إضافةً إلى حماية مصالح وأمن حليفها الإقليمي القوي، إسرائيل. كما أنّ السفير الأميركي دوايت بورتر (Dwight Porter) رفض عدّة طلبات تقدّم بها الرئيس شارل حلو (Charles Helou) للحصول على دعم اقتصادي وعسكري وسياسي عاجل في مواجهة تصاعد الضغوط من منظّمة التحرير الفلسطينية (Palestinian Liberation Organization) والقوميين العرب. وقد أشار السفير ديفيد هيل إلى أنّ: "اهتمام الولايات المتحدة بالمشكلات الأمنية اللبنانية جاء متأخرًا جدًّا".
علاوة على ذلك، وبعد اتفاق الطائف (Taif Agreement) عام 1989، عزّزت سوريا قبضتها على لبنان، ما أضعف سيادته وأطلق مرحلة من الإقصاء السياسي والضغط على القيادات والناشطين المسيحيين اللبنانيين، وقد جرى ذلك إلى حدّ كبير مع تساهل وقبول غربي. حتى فرنسا، التي لطالما اعتُبرت "الأمّ الحنون" للبنان، تحوّلت من قوّة فاعلة إلى شبه متفرّج، مع تبنّيها في كثير من الأحيان سياسات لا تنسجم مع مصالح واستقرار المكوّن المسيحي في البلاد. وفي هذا السياق، أشار فرانسوا-كزافييه بيلامي (François-Xavier Bellamy)، نائب رئيس البرلمان الأوروبي (European Parliament) ونائب رئيس حزب الجمهوريون الفرنسي (Les Républicains)، في مقابلة حصرية مع The Beiruter، إلى أنّ أوروبا لطالما مالت إلى "تطبيع" (normalize) دور حزب الله في لبنان، معتبرًا أنّ الحكومات الأوروبية غالبًا ما تعاملت مع هذا التنظيم كفاعل سياسي تقليدي، رغم قدراته العسكرية ونفوذه الكبير داخل مؤسّسات الدولة اللبنانية.
بناءً عليه، إنّ السياسات الغربية القائمة على التردّد والحدّ من الانخراط الفعلي لم تؤدِّ إلى تعزيز صمود المسيحيين اللبنانيين في وطنهم، بل تركت هذه الفئة عرضة للتهميش السياسي والصعوبات الاقتصادية. وقد ساهمت هذه الظروف في تسريع موجات الهجرة، ما دفع آلاف المسيحيين اللبنانيين إلى البحث عن فرص خارج البلاد.
2) الإنقسام الداخلي والتشرذم السياسي:
إنّ الإهمال الغربي ليس السبب الوحيد أو الرئيسي للوضع الحرج الذي يعيشه المسيحيون اللبنانيون اليوم. فقد شكّل الانقسام الداخلي المزمن والخلافات المستمرّة على السلطة والقيادة عاملًا أساسيًا في إضعاف النفوذ السياسي المسيحي في لبنان.
لقد عانى المسيحيون اللبنانيون طويلًا من دينامية ذات طابع تدميري ذاتي: تنافس حادّ على النفوذ والزعامة داخل المكوّن نفسه. ولم يؤدِّ هذا الصراع المستمرّ على التفوّق إلى تفتيت البنية الداخلية للمجتمع فحسب، بل أضعف أيضًا دوره الجماعي وقوّته وقدرته التفاوضية داخل الدولة اللبنانية ونظامها السياسي.
لا يُعدّ هذا الإشكال حديثًا، إذ إنّ له جذورًا ممتدّة في تاريخ لبنان الحديث. فعلى الرغم من اعتبار كلٍّ من طانيوس شاهين (Tanios Chahine) ويوسف بك كرم (Youssef Bey Karam) من أبرز الشخصيات المارونية والقومية اللبنانية في القرن التاسع عشر في جبل لبنان، إلّا أنّ كليهما كان في حالة معارضة شديدة للآخر، إذ جمعتهما خلافات سياسية عميقة وطموحات متنافسة على القيادة. وقد عادت هذه الانقسامات لاحقًا لتطبع الحياة السياسية المسيحية في لبنان، وصولًا إلى "حرب الإلغاء" (War of Elimination) عام 1990 بين وحدات من الجيش اللبناني الموالية آنذاك لرئيس الحكومة العسكرية الانتقالية العماد ميشال عون (General Michel Aoun)، والقوات اللبنانية (Lebanese Forces).
في الجوهر، إنّ حدّة الصراع على السلطة داخل المكوّن المسيحي حالت دون بلورة أولويات وطنية موحّدة، أو مقاربة متماسكة للسياسة الخارجية، أو استراتيجيات فعّالة لمعالجة التحدّيات الديموغرافية والسياسية والاقتصادية التي تواجه المسيحيين في لبنان.
مسؤولية مشتركة بين المسيحيين اللبنانيين والغرب
بينما يحيي العالم مرور 573 عامًا على سقوط الإمبراطورية البيزنطية، لا يزال إرثها التاريخي يؤثّر في مسار المسيحية الشرقية والغربية على حدّ سواء. إنّ نقاط الضعف البنيوية التي ساهمت في انهيار الإمبراطورية تجد صدىً، وإن بصيغة مختلفة، في واقع المسيحيين اللبنانيين المعاصرين.
إنّ معالجة هذه التحدّيات تتطلّب ضمان دعم خارجي كافٍ وفعّال ومستدام من الغرب. وفي ظلّ صعود التيارات اليمينية (right wing) في الولايات المتحدة وأوروبا، قد يستفيد المسيحيون اللبنانيون من تجدّد الاهتمام الغربي بمصير المسيحيين الشرقيين.
ومع ذلك، لا بدّ من الإقرار بحدود الدعم الخارجي في غياب التماسك الداخلي. فمستقبل المسيحيين اللبنانيين لا يعتمد فقط على التحوّلات السياسية الخارجية، بل أيضًا على الديناميات الداخلية؛ لا سيّما تعزيز التماسك السياسي والوحدة المجتمعية.
من هنا، إنّ العبرة من سقوط القسطنطينية (Fall of Constantinople) ليست أنّ التاريخ محكوم بأن يعيد نفسه، بل أنّ المجتمعات المنقسمة على ذاتها نادرًا ما تصمد أمام الضغوط الجيوسياسية الطويلة الأمد، خصوصًا عندما يكون الدعم الخارجي غير ثابت. فكما ورد في إنجيل مرقس (٣:٢٤-٣:٢٥): "وَإِن انْقَسَمَتْ مَمْلَكَةٌ عَلَى ذَاتِهَا لَا تَقْدِرُ تِلْكَ الْمَمْلَكَةُ أَنْ تَثْبُتَ. وَإِن انْقَسَمَ بَيْتٌ عَلَى ذَاتِهِ لَا يَقْدِرُ ذَلِكَ الْبَيْتُ أَنْ يَثْبُتَ".