جو رحال

مئوية الدستور… الفرصة الأخيرة لبناء الدولة

4 دقائق للقراءة

في الثالث والعشرين من أيار 2026، دخل لبنان المئوية الأولى لدستوره، ليكون بذلك إحدى أقدم الدول العربية التي حافظت على استمرارية دستورها ومؤسساتها الدستورية رغم الحروب والاحتلالات والأزمات والانقسامات التي عصفت به على مدى قرن كامل. غير أن رمزية هذه المناسبة تتجاوز البعد التاريخي، إذ تأتي في لحظة مفصلية يقف فيها اللبنانيون أمام سؤال مصيري: هل تنجح الدولة أخيرًا في تطبيق دستورها بعد مئة عام من إقراره، أم يبقى النص الدستوري رهينة التجاذبات السياسية وموازين القوى المتغيرة؟

عندما وُضع الدستور اللبناني عام 1926، لم يكن مجرد وثيقة قانونية لتنظيم السلطات، بل مشروعًا لبناء دولة حديثة في بيئة إقليمية كانت لا تزال تبحث عن هويتها السياسية. وعلى امتداد العقود اللاحقة، شكّل هذا الدستور الإطار الذي حمى الكيان اللبناني ومنحه قدرة استثنائية على الاستمرار رغم الأزمات المتلاحقة. فبين الاستقلال عام 1943، والحرب الأهلية، واتفاق الطائف، والانسحابات العسكرية الأجنبية، والتحولات الإقليمية الكبرى، بقي الدستور المرجعية القانونية العليا التي تستمد منها المؤسسات شرعيتها.

لكن مئة عام من التجربة كشفت أيضًا حقيقة لا يمكن تجاهلها: أزمة لبنان لم تكن يومًا أزمة نصوص بقدر ما كانت أزمة تطبيق. فالدستور نصّ على انتظام عمل المؤسسات، وعلى الفصل بين السلطات، وعلى استقلال القضاء، وعلى احترام المهل الدستورية، إلا أنّ الواقع السياسي كثيرًا ما سار في اتجاه معاكس. فشهد لبنان فراغات رئاسية طويلة، وتعطيلا متكررًا لتشكيل الحكومات، وشللا تشريعيًا في محطات عديدة، فضلا عن تغليب التسويات السياسية على منطق الدولة والقانون.

ويُعدّ "اتفاق الطائف" عام 1989 المحطة الدستورية الأبرز بعد دستور 1926، إذ أعاد صياغة التوازنات السياسية وأنهى الحرب الأهلية وأرسى قواعد جديدة للحكم والشراكة الوطنية. إلا أنّ عددًا من الإصلاحات الأساسية التي نص عليها الاتفاق بقي حبرًا على ورق، وفي مقدمتها إنشاء مجلس الشيوخ، وتطبيق اللامركزية الإدارية الموسعة، وتعزيز استقلالية المؤسسات الرقابية والقضائية. وبعد أكثر من ثلاثة عقود على الطائف، لا يزال جزء كبير من المشروع الإصلاحي الدستوري ينتظر التنفيذ.

وتكتسب مئوية الدستور هذا العام أهمية استثنائية لأنها تتزامن مع مرحلة إعادة رسم للتوازنات في الشرق الأوسط. فالمنطقة تشهد تحولات استراتيجية عميقة، من إعادة ترتيب العلاقات العربية – العربية، إلى مسارات التهدئة الإقليمية، وصولا إلى مشاريع التنمية والاستثمار التي تقودها دول الخليج العربي. وفي ظل هذه المتغيرات، لم يعد المجتمعان العربي والدولي ينظران إلى لبنان بوصفه مجرد ساحة صراعات، بل كدولة يُفترض أن تستعيد دورها الطبيعي عبر مؤسسات فاعلة قادرة على فرض الاستقرار وتطبيق القانون وإطلاق الإصلاحات.

ومن هنا، تبدو مئوية الدستور أكثر من مجرد محطة احتفالية، إنها فرصة لإطلاق مراجعة وطنية شاملة حول معنى الدولة ومفهوم الشرعية وآليات الحكم. فالتحديات التي يواجهها لبنان اليوم، من الأزمة الاقتصادية والمالية إلى ملف إعادة الإعمار وتعزيز السيادة وتحديث الإدارة العامة، لا يمكن معالجتها خارج إطار المؤسسات الدستورية. وكل تجربة بديلة أثبتت خلال العقود الماضية أنها تؤدي في النهاية إلى المزيد من الانقسام والشلل.

وفي هذا السياق، يكتسب مشروع بناء الدولة الذي يقوده العهد الحالي برئاسة العماد جوزاف عون أهمية خاصة، انطلاقًا من تركيزه المتكرر على أولوية المؤسسات، وسيادة القانون، وحصرية القرار الوطني ضمن إطار الدولة. فنجاح أي عهد لا يُقاس فقط بقدرته على إدارة الأزمات الآنية، بل بمدى مساهمته في إعادة الاعتبار للدستور باعتباره المرجعية الجامعة لجميع اللبنانيين، بعيدًا من منطق المحاور والانقسامات.

لقد أثبت الدستور اللبناني خلال قرن كامل قدرة لافتة على الصمود أمام اختبارات كان من الممكن أن تسقط دساتير أكثر رسوخًا. لكن القرن الثاني للجمهورية يتطلب أكثر من مجرد الحفاظ على النصوص، إنه يحتاج إلى ترسيخ ثقافة دستورية جديدة تجعل احترام المؤسسات قاعدة ثابتة لا استثناء ظرفيًا، وتجعل المواطنة فوق الولاءات الضيقة، والدولة فوق الحسابات الفئوية.

بعد مئة عام على ولادة الدستور، لا يحتاج لبنان إلى البحث عن عقد وطني جديد بقدر ما يحتاج إلى الالتزام الجدي بالعقد القائم. فالتحدي الحقيقي ليس في كتابة نصوص إضافية، بل في تحويل النص الموجود إلى ممارسة يومية وثقافة حكم وسلوك سياسي. وعندها فقط يمكن أن تتحول مئوية الدستور من مناسبة لاستذكار الماضي إلى نقطة انطلاق نحو جمهورية قوية، عادلة، سيدة، وقادرة على استعادة ثقة شعبها والعالم بها.

إنّ مئوية الدستور ليست احتفالا بقرن مضى، بل امتحانًا للقرن المقبل. فإما أن تكون بداية نهضة الدولة اللبنانية، وإما أن تبقى فرصة أخرى في سجل الفرص الضائعة.