المحامي إميل عون

بعض الملاحظات القانونية للمرحلة الجديدة من المفاوضات اللبنانية-الإسرائيلية: من وقف إطلاق النار إلى إعادة تعريف الدولة

6 دقائق للقراءة

حين تناول الكاتب في مقالات سابقة في "نداء الوطن" مسألة المفاوضات الجارية بين لبنان وإسرائيل وتحديدًا في مقال بعنوان "نصائح قانونية لتعزيز موقع لبنان التفاوضي مع إسرائيل" وآخر بعنوان "قراءة قانونية هادئة في المفاوضات الجارية بين لبنان وإسرائيل: بين الواقعية والسيادة"، إنطلق من فرضية قانونية واضحة مفادها أن التفاوض بحد ذاته ليس خروجًا عن الثوابت السيادية، بل قد يشكّل في ظروف معينة أداة من أدوات تثبيت هذه السيادة إذا ما أُحسن توظيفه ضمن ضوابط القانون الدولي العام (1). غير أن التطورات المتلاحقة، وما رافقها من توسّع في طبيعة الملفات المطروحة، يفرض اليوم طرح سؤال أكثر عمقًا: هل ما يجري ما زال تفاوضًا تقنيًا لضبط وقف إطلاق النار، أم أننا دخلنا تدريجيًا في مسار يعيد تشكيل البنية القانونية للدولة اللبنانية نفسها؟ لا ينطوي هذا السؤال على مبالغة، فالتجربة المقارنة في العلاقات الدولية تُظهر أن النزاعات الممتدة كثيرًا ما تبدأ بتفاهمات أمنية محدودة، ثم تتطور تدريجيًا لتفرض تحولات مؤسساتية ودستورية داخل الدول المعنية (2). من هذا المنطلق، يطرح الكاتب هنا بإختصار شديد بعض الملاحظات ويسأل بعض الاسئلة المتاحة.

أولاً، التفاوض لم يعد محصورًا بوقف الأعمال العدائية.

من الناحية القانونية، يُفترض في اتفاقات وقف إطلاق النار أن تكون بطبيعتها مؤقتة ومحدودة وتقنية وغير منشئة لنظام سياسي دائم، وقد أكدت محكمة العدل الدولية في أكثر من مناسبة أن التدابير المؤقتة لا يجوز أن تتحول بذاتها إلى إعادة ترتيب نهائي للحقوق السيادية (3). إلا أن ما نشهده اليوم يوحي بتجاوز هذه الوظيفة التقليدية، فالتفاوض لم يعد يدور فقط حول وقف الخروقات وتثبيت خطوط التماس ومعالجة الوقائع الميدانية الآنية، بل بات يمتد إلى مسائل تمسّ بصورة مباشرة طبيعة المرجعية الأمنية الداخلية وتوزيع الصلاحيات الفعلية ومفهوم احتكار القوة وموقع الجيش اللبناني وحدود الدور الدولي داخل الجنوب اللبناني، وهنا يكمن التحول الحقيقي.

ثانياً، هل دخل لبنان مرحلة إعادة هندسة مفهوم السيادة؟

يُعرّف الفقيه الكبير أنطونيو كاسيزي السيادة بأنها "السلطة القانونية العليا للدولة على إقليمها، المقترنة بقدرتها الحصرية على اتخاذ القرارات الأساسية المتعلقة بالأمن والعلاقات الخارجية"(4). فإذا أخذنا هذا التعريف معيارًا، فإن أي مسار تفاوضي يتناول الجهة المخوّلة اتخاذ القرار الأمني وطبيعة الانتشار العسكري، كما شروط الرقابة الدولية وآليات التنفيذ الميداني، إنما يطال جوهر السيادة لا هامشها. وهذا ما يجعل المرحلة الحالية حساسة للغاية. فالسؤال لم يعد فقط كيف يفاوض لبنان، بل أي دولة يفاوض لبنان باسمها...

ثالثاً، انتقال المجتمع الدولي من منطق "ضبط الحدود" إلى منطق "بناء الدولة"

تشير القراءة الدقيقة للخطاب الدولي المعاصر إلى تبدل جوهري، ففي العقود السابقة، كان التركيز ينصب على ضبط النزاع الحدودي ومنع الانفجار العسكري. أما اليوم، فقد أصبح المجتمع الدولي يربط الاستقرار اللبناني بمسألة تعزيز الدولة المركزية نفسها، وهذا التحول يجد سنده في تطور مفهوم "State Consolidation" في الفقه الدولي الحديث (5)، وقد أشار جيمس كراوفورد إلى أن "الدولة لا تُقاس فقط بوجودها القانوني، بل بقدرتها الفعلية على ممارسة وظائفها الأساسية" (6). من هنا، يصبح واضحًا أن المفاوضات الجارية قد تُستخدم، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، لإعادة اختبار قدرة الدولة اللبنانية على ممارسة هذه الوظائف.

رابعاً، أخطر ما في المرحلة الراهنة هو التراكم الصامت للوقائع.

من أخطر الظواهر التي رصدها الفقه الدولي ما يُعرف بـ Silent Norm Formation، أي تشكل قواعد عملية جديدة بفعل التكرار والاعتياد وغياب الاعتراض وانتظام الممارسة. وقد كرّست محكمة العدل الدولية هذا المفهوم ضمنيًا في قضية North Sea Continental Shelf Cases (1969) حين ربطت نشوء القواعد العرفية بالممارسة المنتظمة المصحوبة بقبول قانوني ضمني (7). وهذا يفرض على لبنان الانتباه إلى أن تكرار الاجتماعات وانتظام قنوات الاتصال واستقرار آليات التنسيق قد يتحول تدريجيًا إلى واقع قانوني يُستند إليه لاحقًا.

خامساً، الجيش اللبناني كمرتكز دستوري تفاوضي.

في هذه المرحلة، يكتسب دور المؤسسة العسكرية أهمية استثنائية، فالمادة 65 من الدستور اللبناني، بالترابط مع المبادئ العامة للنظام البرلماني اللبناني، تفترض أن أي التزام سيادي خارجي يجب أن يمر عبر المؤسسات الدستورية الشرعية (8)، وهنا يصبح الجيش اللبناني ليس مجرد أداة تنفيذية، بل الضامن المؤسساتي لتحويل أي تفاهم تقني إلى التزام دستوري مشروع، وهذا ما يمنح الدولة عنصر قوة تفاوضية بالغ الأهمية.

سادساً، هل نحن أمام إعادة تعريف لوظيفة لبنان الإقليمية؟

برأي الكاتب، هذه النقطة هي الأهم استراتيجيًا، فالتاريخ الحديث عرف لبنان كساحة مواجهة، ثم كساحة توازن ثم كساحة إحتواء! أما المرحلة الحالية فقد تؤسس لدور جديد للبنان كمنطقة تنظيم إقليمي للنزاع، وهذا المفهوم يتقاطع مع أدبيات Regional Conflict Management (9)، وهو نموذج شهدناه في شبه الجزيرة الكورية وكشمير وقبرص. فثمة فارق جوهري بين أن يفاوض لبنان بهدف إنهاء نزاعه ضمن إطار قانوني واضح، وبين أن يتحول تدريجيًا إلى مساحة دائمة لإدارة التوترات الإقليمية. فالتجارب المقارنة، من شبه الجزيرة الكورية إلى قبرص وكشمير، تُظهر أن بعض الدول تتحول مع الوقت من أطراف تفاوضية ذات مشروع سيادي واضح إلى منصات تنظيم إقليمي للنزاع، حيث يصبح المطلوب منها ضبط الاشتباك لا حسمه، وإدارة التوازن لا تثبيت الحق.

سابعاً، التحدي الحقيقي ليس التفاوض بل إدارة نتائجه الداخلية.

غالبًا ما يتركز الجدل اللبناني على ما اذا كان يجب على لبنان التفاوض أم لا، لكن السؤال الأهم قانونيًا هو كيف ستُدار داخليًا الآثار الدستورية والمؤسساتية لهذا التفاوض، لأن التجربة المقارنة تؤكد أن الخلل لا ينشأ غالبًا من الاتفاق الخارجي نفسه، بل من هشاشة البنية الداخلية التي تستقبله (10).

كخاتمة، يفاوض لبنان اليوم على أكثر من حدوده، فلقد تجاوزت المرحلة الراهنة الإطار التقليدي لوقف إطلاق النار، لأن لبنان لا يفاوض فقط على خطوط تماس أو ترتيبات ميدانية أو إجراءات أمنية، بل يفاوض، بصورة غير مباشرة، على شكل الدولة وطبيعة السيادة ومركزية القرار الوطني وحدود الشرعية المؤسساتية. ومن هنا، فإن النجاح الحقيقي لا يُقاس فقط بما يمكن انتزاعه من ضمانات ميدانية، بل بقدرة الدولة اللبنانية على تحويل هذا المسار إلى فرصة تاريخية لإعادة تثبيت ذاتها الدستورية، فالدول لا تُختبر فقط في الحروب، بل أيضًا وربما أكثر في الطريقة التي تفاوض بها.



المراجع:


(1) Malcolm Shaw, International Law.

(2) Yoram Dinstein, War, Aggression and Self-Defence.

(3) ICJ, Provisional Measures Jurisprudence.

(4) Antonio Cassese, International Law.

(5) James Crawford, The Creation of States in International Law.

(6) Crawford.

(7) ICJ, North Sea Continental Shelf Cases (1969).

(8) الدستور اللبناني، المادة 65.

(9) Regional Conflict Management Theory.

(10) Comparative Transitional Security Frameworks.


محـام جنائي دولي وأستاذ جامعي



https://emileaoun.com/