المحامي إميل عون

نصائح قانونية لتعزيز موقع لبنان التفاوضي

8 دقائق للقراءة

بدايةً، يقتضي الاشارة الى فكرة أن "القوة هي التي تحكم كل شيء" فيها جزء من الحقيقة، لكن تناولها كقاعدة مطلقة يقود إلى استنتاج خاطئ، فالقانون الدولي لا يعمل بدل القوة، بل يُحوّل ما لدى الدولة من عناصر (سياسية، دبلوماسية، اقتصادية، عسكرية...) إلى مكاسب مُقنَّنة ومستدامة. تجاهله لا يجعل الدولة أكثر واقعية، بل غالبًا أقل قدرة على تثبيت حقوقها. بكلام آخر عملي وغير مثالي، ليست الواقعية ضد القانون، بل هي بحاجته وحتى الدول الأقوى لا تتفاوض خارج القانون. في قضية Nicaragua v. United States (1986) مثلًا، أدانت محكمة العدل الدولية قوة عظمى بسبب استخدام القوة غير المباشرة. وفي الرأي الاستشاري حول الجدار (2004)، ثُبّت مبدأ أن الوقائع المفروضة بالقوة لا تُنشئ حقًا قانونيًا دائمًا. ماذا يعني ذلك عمليًا؟ قد تفرض القوة أمرًا واقعًا مؤقتًا، لكن القانون هو الذي يحدد ما إذا كان هذا الواقع سيصبح حقًا أم سيبقى موضع نزاع. بالتالي، لبنان ليس بلا قوة بل قوته مختلفة، صحيح أنه ليس في موقع تفوّق عسكري تقليدي، لكن هذا لا يعني أنه بلا أدوات قوة، وهنا أعني تحديدًا أدوات كالشرعية الدولية في احترام حدود لبنان، قرارات أممية مثل 1701، قدرة التعطيل والاستقرار الإقليمي كعامل مؤثر في حسابات اللاعبين الاقليميين والدوليين، دعم دولي متغير لكنه موجود، سوابق تفاوض ناجحة جزئيًا مثل اتفاق 2022... وهذه ليست بدائل عن القوة بل أنواع أخرى من القوة. يقول يورام دينشتاين أن القانون الدولي لا يلغي القوة، بل يقيّد استخدامها ويُعيد توجيهها، بمعنى أن الدولة القوية تستخدم القوة والقانون، والدولة الأضعف تحتاج أكثر الى القانون، لأنه يضع قيودًا على الطرف الأقوى ويمنحها أدوات اعتراض وشرعنة، والتخلي عن القانون هنا يشبه التخلي عن الدرع الوحيد المتاح. لا يؤيد التاريخ القريب منطق "القوة وحدها"، ونعطي أمثلة واقعية كمسألة النزاعات البحرية (قبرص، إسرائيل-لبنان)، اذ لم تُحسم الأمور عسكريًا بل بالتفاوض القانوني. وفي الحالة الفلسطينية، رغم اختلال ميزان القوة، بقيت المسائل القانونية (الأراضي المحتلة، الجدار) عنصر ضغط دائم. في نزاع الهند-باكستان، رغم التفوق العسكري النسبي، بقيت خطوط السيطرة محكومة باتفاقات قانونية لا تُكسر بسهولة. كخلاصة، تفرض القوة الإطار بينما يحدد القانون النتائج النهائية. ففي محاولة لتحديد الواقعية الحقيقية، هي مزيج بين القانون والقوة، والواقعية ليست بأن يُسلم بالضعف والقبول بما يُفرض، ولا أن يقال بأن القانون سيحمي وحده، هي استخدام القانون لرفع كلفة أي ضغط عسكري أو سياسي على لبنان، أي بالتحديد تحويل أي خرق إلى انتهاك موثّق وتحويل أي تفاوض إلى التزام مكتوب، كما تحويل أي اتفاق إلى مرجع قانوني مستقبلي. فالدولة التي تخسر عسكريًا وتُهمل القانون تخسر مرتين، أما الدولة التي توظّف القانون بذكاء، فهي تعوّض جزءًا من ضعفها وتمنع تثبيته ضدها. بالنسبة للتفاوض بحد ذاته، فهو ليس تنازلًا، بل أداة سيادية بامتياز، وفي الحالة اللبنانية لا يكمن الخطر في التفاوض مع إسرائيل، بل في التفاوض بلا مرجعية قانونية واضحة وبلا استراتيجية سيادية متماسكة. فلبنان لا يدخل المفاوضات ضعيفًا من الناحية القانونية، لأن التفاوض ليس ضعفًا، لكن اساءة استعمال أدوات المفاوضة يمكن أن تؤدي الى الفشل. فأي مفاوضات لبنانية مع إسرائيل من دون إطار قانوني واضح واستراتيجية متماسكة تتحوّل سريعًا إلى تنازلات مقنّعة والمشكلة ليست في التفاوض بحد ذاته، بل في كيفية ادارته قانونيًا. من هنا، يطرح الكاتب باختصار شديد بعض النصائح النظرية والعملية المبنية على قواعد القانون الدولي العام وبعض التجارب المماثلة لحسن سير المفاوضات في حال حصولها.

أولاً، لا تفاوض بلا تعريف دقيق: ادارة أو انهاء للنزاع ؟

أكبر خطأ يمكن أن يقع فيه لبنان هو الغموض في الهدف، وبالتالي فهل يهدف التفاوض إلى إدارة النزاع أم إنهائه. يفرّق القانون الدولي بوضوح بين اتفاقات وقف الأعمال العدائية ومعاهدات السلام، وقد أشار يورام دينشتاين إلى أن "اتفاقات وقف إطلاق النار هي أدوات لإدارة النزاع لا للحل" (1)، أي أن وقف إطلاق النار لا يحل النزاع، بل يديره. فالنصيحة الأولى تتحدد في أنه يجب على لبنان أن يعلن صراحةً، في كل إطار تفاوضي طبيعة الهدف، هل هو اتفاق تقني مؤقت أم تسوية نهائية؟

ثانياً، القانون الدولي ليس خيارًا بل سلاح تفاوضي

يمتلك لبنان أدوات قانونية قوية عليه أن يستخدمها بالشكل الكافي، أبرزها ميثاق الأمم المتحدة (المادة 2 فقرة 4 حظر استعمال القوة)، اتفاق الهدنة 1949 والقرار 1701. في قضية Nicaragua v. United States (1986)، أكدت محكمة العدل الدولية على أنه "يُعد حظر استخدام القوة حجر الزاوية في القانون الدولي" (2)، وهذا ليس مبدأً نظريًا، بل قاعدة تفاوضية ملزمة وأداة ضغط قانوني. وبالتالي، فان النصيحة الثانية تكمن في أنه يجب تحويل هذه النصوص إلى شروط تفاوضية صريحة، لا مجرد خلفية نظرية خطابية، وتثبيت المرجعية القانونية لأن الخطأ الشائع يكمن في فكرة التفاوض على أساس الوقائع الميدانية فقط بدل "القانون". بالنسبة للقرار الدولي 1701، صحيح أن القرار المذكور يكرس مبدأ حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية، لكن المجتمع الدولي لا ينزع هذا السلاح بنفسه، بل يحمل الدولة اللبنانية مسؤولية حسمه وتنفيذه، وبالتالي يجب أن يتم ذلك جديًا وفعليًا عبر الدولة اللبنانية ووفق الدستور اللبناني.

ثالثاً، رفض الاعتراف الضمني في حال عدم وجود ارادة بالاعتراف الصريح

لم يوقّع لبنان معاهدة سلام مع إسرائيل، لكنه بدأ يدخل في ما يمكن تسميته بالاعتراف الوظيفي (Functional Recognition)، كما حصل في اتفاق ترسيم الحدود البحرية 2022. هذا النوع من الاعتراف لا يُعلن لكنه يُستخدم لاحقًا كحجة قانونية، وقد اعتبر مالكلوم شاو من أنه "قد تتبلور الممارسة بمرور الوقت لتصبح التزاماً قانونياً " (3)، وفي حال عدم وجود ارادة للدولة اللبنانية للاعتراف باسرائيل، تكون النصيحة الثالثة في إدراج بند إلزامي في كل اتفاق: "لا يشكل هذا الاتفاق أي اعتراف قانوني أو سياسي"

رابعاً، نقل النزاع من السياسة إلى القضاء الدولي

يعتمد لبنان بشكل شبه كامل على الوساطة السياسية، ويتجنب اللجوء إلى القضاء الدولي، وهذا برأينا خطأ استراتيجي. في الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية بشأن الجدار (2004)، تم تثبيت مبدأ عدم شرعية الوقائع المفروضة بالقوة (4)، وهو مبدأ يمكن للبنان الاستناد إليه بقوة. فالنصيحة الرابعة هي في فتح خيار بين محكمة العدل الدولية والتحكيم الدولي كوسيلة ضغط تفاوضي، حتى لو لم يُستخدم فعليًا. والفائدة هي في نقل النزاع من السياسة إلى القانون وتثبيت الحقوق رسميًا.

خامساً، استراتيجية التجزئة الذكية والتفاوض على ملفات منفصلة

أثبتت التجربة أن التفاوض الشامل يؤدي إلى تنازلات كبيرة، بينما يعطي التفاوض الجزئي (كما في مسألة الحدود البحرية 2022) نتائج عملية أفضل. والنصيحة الخامسة هي اعتماد استراتيجية أن كل ملف يُفاوض عليه بشكل مستقل كملف الحدود البرية، ملف الخروقات، ملف الأمن، ملف الاسرى...

سادساً، توحيد الخطاب القانوني بدون ازدواجية

يعاني لبنان من تعدد الخطابات وتناقض التصريحات وهذا يضعف موقفه. فالنصيحة السادسة تكون في ضرورة إنشاء مرجعية قانونية رسمية كفؤة واحدة (وعلى اطلاع نظري وعملي معمق بالقانون الدولي) تصدر المواقف والتفسيرات والردود وتعتمد لغة قانونية موحدة، وبالتالي يُبنى مثلًا كل تصريح على نص قانوني وقرار دولي.

سابعاً، الاستفادة من التجارب الدولية

يستفاد من هذه التجارب بشكل ملموس، كما في الكوريتين اللتين حافظتا على وضوح قانوني رغم غياب السلام، وفي موضوع الهند-باكستان، استخدمتا القانون الدولي كأداة ضغط مستمرة، فيكون الدرس والنصيحة في أن الغموض القانوني لا يحمي الدولة بل يضعفها.

ثامناً، التفاوض من موقع الحق لا التوازن

غالبًا ما يتفاوض لبنان وكأنه في موقع "توازن قوى"، بينما يملك موقعًا قانونيًا أقوى من موقعه السياسي، فالنصيحة الثامنة تكون في إعادة بناء التفاوض على أساس "الحقوق القانونية" لا "التسويات السياسية".

تاسعاً، لا اتفاق بلا وضوح نهائي

أخطر ما يمكن أن يحدث هو توقيع اتفاق غامض، لأن الغموض يتحول لاحقًا إلى تفسير ضد لبنان (داخليًا وخارجيًا) والتزام مفروض، فالنصيحة التاسعة أن كل بند يجب أن يكون واضحًا ومحددًا وغير قابل للتأويل.

الخاتمة:

لبنان الدولة اليوم أمام خيارين، اما الاستمرار في إدارة النزاع أو الانتقال إلى حسمه قانونيًا، لكن ما لا يمكن السير به هو التفاوض بلا استراتيجية وبلا مرجعية وبلا سيادة واضحة، لأن هذا ليس تفاوضًا بل إدارة منظمة للضعف.


المراجع:


(1) Yoram Dinstein, War, Aggression and Self-Defence.

(2) ICJ, Nicaragua v. United States (1986).

(3) Malcolm Shaw, International Law.

(4) ICJ, Wall Advisory Opinion (2004).


محـام جنائي دولي وأستاذ جامعي


https://emileaoun.com/