المحامي رفيق اورى غريزي

ميزانُ الجنوب وعَقْدُ الوطن: نداءُ صور والنبطية يستعيدُ وصايا الإمام شمس الدين

4 دقائق للقراءة

لم تكن الشيعيةُ اللبنانيةُ يوماً، في وجدانِ كبارِ علمائِها ومجتهديها، جيباً عقائدياً معزولاً عن محيطهِ العربي، ولا منصةً لخدمةِ مشاريعَ عابرةٍ للحدود. لقد علّمنا الآية الله الإمام الشيخ محمد مهدي شمس الدين في وصاياه الخالدة قبل رحيله أن دمجَ الشيعةِ في أوطانهم هو صمامُ أمانِهم وعروبتِهم، حيث قال بوضوحٍ فقهيٍّ حاسم: "أوصي أبنائي وبناتي الشيعةَ في كلِ وطنٍ عربي أن يدمجوا أنفسَهم في مجتمعاتِهم وفي دولِهم، وألا يميّزوا أنفسَهم بأي تميّزٍ خاص، وألا يخترعوا لأنفسِهم مشروعاً خاصاً؛ لأن المشروعَ الخاصَ هو بَذْرةُ الفناء".

واليوم، والجنوبُ يئنُّ تحتَ وطأةِ رمادِ الحربِ والنزوحِ والدمار، يتأكدُ صوابُ ذلك الفقهِ الوطني التنويري؛ فالشخصياتُ المعارضةُ والناشطون في النبطية وصور لا ينطلقون في حراكهم من ترفٍ سياسي، بل من عمقِ حوزةٍ علميةٍ وتاريخٍ مقاومٍ حقيقي، يرفضُ جَعلَ إنسانِ الجنوبِ وقوداً لصراعاتِ المحاور، ويعيدُ التذكيرَ بأن المقاومةَ بوجه الاحتلال بدأت وطنيةً، جامعةً، قادتها الأحزاب العلمانية واليسارية عبر "جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية" (جمول) وعائلات الجنوب قبل عقود، وقدمت فيها صور والنبطية مئات الشهداء والانتفاضات النقابية والمدنية مثل انتفاضة التبغ قبل الطفرة العسكرية للفصائل الحالية، ولم تكن يوماً صكَّ ملكيةٍ لفصيل واحد يستأثر بقرار السلم والحرب.

إن العمق الفكري الذي أسس له الشيخ شمس الدين، وعمّده رفيق دربه السيد هاني فحص، كان يرى دائماً أن قيامةَ الشيعةِ لا تكونُ إلا بقيامةِ الدولةِ اللبنانيةِ الواحدة الحاضنةِ لجميعِ أبنائِها، إذ كان الإمام الراحل يشدد على رفض نموذج "ولاية الفقيه" في بلد التعددية، داعياً إلى الدولة المدنية الديمقراطية، ومحذراً من تحويل المقاومة إلى "أمير مقاطعة" يبتلع مؤسسات الشرعية.

هذا الإرث التنويري يمتد اليوم عبر قامات فقهية وفكرية وازنة تسير على الدرب عينه، كالعلامة السيد علي الأمين (مفتي صور وجبل عامل السابق) الذي دفع أثماناً باهظة لتمسكه بحصر السلاح بيد الجيش اللبناني، والشيخ عباس الجوهري، والراحل السيد محمد حسن الأمين، وصولاً إلى الأكاديميين والباحثين كالدكتور وجيه قانصو والأستاذ مصطفى فحص، والناشطين السياسيين كحارث سليمان ومحمود شعيب وتيار انتماء اللبناني؛ إذ يشكل هؤلاء جميعاً جبهة فكرية صلبة تفكك البنية العقائدية لسياسة المحاور، وترفض تحويل المجتمع الجنوبي إلى ثكنة عسكرية معزولة على حساب التنمية والإنسان.

وفي اللحظةِ الراهنة التي ظنَّ فيها الُمستأثرونَ بقرارِ السلاح أن خناقَ الترهيبِ والتخوينِ قد أحكِمَ تماماً على لسانِ الجنوبِ وقلبه، خرجَ "نداءُ صور" و"نداءُ النبطية" ليعيدا تصويبَ البوصلةِ التاريخية؛ فهذا الحراكَ المدني الشجاعَ الذي يطالبُ بإنقاذِ المدينتينِ وجعلهما مفتوحتين وخاليتين من المظاهر المسلحة وحصرِ السلاحِ بيدِ الجيش اللبناني والقوى الأمنية الشرعية، ليس مجردَ حبرٍ على ورق، بل هو صرخة وجع شعبية وتعبير ميداني عن تمرد ناعم يرفض الموت العبثي والدمار الممنهج.

ورغم حملات التخوين القاسية والضغوط الأمنية والسياسية التي شنتها الماكينات الحزبية لإجبار بعض الموقعين على سحب تواقيعهم، فإن جوهر النداء كشف عن تبدل حقيقي في المزاج الشعبي الحاضن. وليس من المبالغةِ في شيءٍ القول، إن أصحابَ العمائمِ التنويرية الذين علموا الناس ألا يركعوا للاحتلالِ وألا يخضعوا للاستبداد الداخلي، لم يغيبوا عن هذا المَشهد؛ بل إن الإمامَ الشيخ محمد مهدي شمس الدين، والسيدَ هاني فحص، قد أطلّوا بأرواحِهم وفكرِهم من عليائِهم ليلةَ أمس، ليكونوا في صدارة الموقعينَ والمباركينَ لنداءِ صور والنبطية، مؤكدينَ من جديدٍ أن الجنوبَ لبنانيُّ الهوية، عربيُّ الانتماء، ولا يصحُّ فيه في نهايةِ المطافِ إلا الدولة.