في كتابها "التفاعل بين تكوين المفهوم العلمي وتكوين اللغة"، الصادر عن "دار سائر المشرق"، تقدِّم الدكتورة هيام ضو دراسة علمية أكاديمية تتناول فيها كيفية تكوين المفهوم العلمي في علاقته مع تكوين اللغة، مستندة إلى الأبحاث العلمية في هذا المجال وإلى تجربتها في التعليم. في بلد تُبنى منذ زمن طويل سياسة لغوية تُدرَّس فيها العلوم باللغة الأجنبية، من الغريب، تربويًا، ألا تُتبنّى في المقابل مقاربة خاصّة لهذا النوع من التعليم، وكأنّ الأمر يحصل من تلقاء ذاته. من هنا نشأت الحاجة إلى هذه الدراسة التي تلقي الضوء على هذا الموضوع، وتحاول في الوقت ذاته أن تجد بعض الحلول لمقاربته.
تتناول هذه الدراسة الأكاديميّة، التي أُعدّت لنيل شهادة الدكتوراه، عمليّة التفاعل بين تكوين المفهوم العلمي وتكوين اللغة بشكل عام، واللغة الأجنبية على وجه الخصوص، فغالبًا ما تُغفِل البرامج التربوية هذه الناحية، ولا يتمّ التدخل التربوي فيها بشكل علميّ منظّم ومدروس.
يطرح تعليم العلوم إشكاليات عديدة، منها ما يتعلّق بتكوين المفهوم العلمي على الصعيدَين السيكولوجي والتعليمي، ومنها ما يتعلّق بدَور اللغة في تكوين هذا المفهوم، حتى ولو كانت لغة التدريس هي اللغة الأم.
من الناحية السيكولوجية، نطرح الأسئلة الآتية: ما الفرق بين المفهوم العلمي والمفهوم اليومي؟ وكيف يمكن للمفهوم العلمي أن يساعد على نموّ الفكر؟ وما دَور اللغة في هذا الأمر؟
حاولت هذه الدراسة، قدر المستطاع، الإجابة عن هذه الأسئلة، وذلك بالرجوع، على وجه الخصوص، إلى المفكّر الروسي فيكوتسكي (Lev Vygotsky) في كتابه "الفكر واللغة" (Pensée et langage). وهي تركّز على البعد الإنساني التنمويّ الذي يعطيه هذا المفكّر لتعلُّم العلوم كعامل أساسي يوسّع مدارك الفرد وينمّي تفكيره و "وظائفه السيكولوجية العليا" من وعي وانتباه وقصد وتفكير وتجريد، وذلك في ما يتعدّى التعلّم اللغوي وتعلّم العلوم، ما يعطي أهميةً للتربية كعامل أساسي لنموّ الفرد.
يتجلّى هذا البُعد الإنساني أيضًا من خلال "مرونة" هذا النوع من المقاربة التعليمية/التعلّمية التي تحترم مسار المقاربة الفردية التي يعتمدها المتعلّم لموضوع التعلّم. فإنّ مفهوم "تفريد التعلّم" (Individualisation de l’apprentissage)، الذي يرتكز على بناء المفهوم وتنظيمه وفقًا لمنطق المتعلّم الخاص به وغير المفروض من الخارج، يعطي هذا الأخير دورًا فعّالا في بناء مفاهيمه، ويبني، في الوقت نفسه، فكره وشخصيته.
على الصعيد التعليمي - التعلّمي، تتلخّص الإشكالية الأساسية في التمييز بين العلم كنشاط إنساني ومجال للمعرفة، وبين العلم كمادة للتدريس. فكيف يمكن إقامة جسور بين المجالَين؟ لقد وجدنا في أفكار أستولفي (Astolfi) بعض الإجابات عن هذا الموضوع. كيف يمكننا في الصف أن نعيد بناء ما بُني سابقًا من قِبل العلماء في المختبرات؟ من الواضح أنّ هذه الإشكالية تسعى لإقامة روابط بين الحقيقة الأبيستمولوجية للعلوم من جهة، والوضعية التربوية من جهة أخرى، خاصة أنّ هاتَين الناحيتَين تختلفان من حيث طبيعتهما، إذ إنّ العلاقة بين طريقة اكتساب المفهوم ودوره هي علاقة بنيوية. إنّ مفاهيم مثل "البناء الفكري" و "إعادة المفهمة" و "النسيج النصي"، كما الدَّور الذي تؤدّيه اللغة في هذا المجال، تفتح فكر أستولفي في بُعده التربوي على فكر فيكوتسكي في بُعده السيكولوجي.
أما في ما يتعلّق باللغة ودورها في بناء المفهوم العلمي، فإنّ تأثير التيار البنائي - الاجتماعي لفيكوتسكي غيّر مقاربة تعليم اللغات، وقد ظهر توجّه للنظر إلى الممارسات الخطابية في الصف مقارنةً بـ "الممارسات الاجتماعية المرجعية" (Les pratiques sociales de référence). وفي الوقت ذاته، ظهرت أبحاث كثيرة تنتمي إلى تيارات فكرية متعددة حول تعلّمية الكتابة ودورها في انبثاق المفاهيم. إشكاليات عديدة تظهر في هذا المجال، ومنها: إشكالية الخطاب العلمي كخطاب دوغمائي، وإشكالية موضوع المعرفة في تنظيم البناء اللغوي، وإشكالية التعلّم المقنّن الشكلي للغة وعلاقته بالدور الوظيفي لهذه اللغة.
إنّ التقاء تيارات فكرية مختلفة، كالبنيوية الاجتماعية من جهة والتيار الإدراكي من جهة أخرى، وانفتاحهما على الألسنيّة في نقاط مشتركة، يمكن أن يوجّه تعليم العلوم وتعليم اللغات أيضًا إلى مسارات ذات فائدة مؤكّدة.
من ناحية أخرى، ما بحث فيه فيكوتسكي من علاقة بين الفكر والكلمة، وعلاقة عملية المفهمة (La conceptualisation) باللغة، سواء أكانت اللغة الأم أو اللغة الأجنبية، من شأنه أن يأخذ تعليم العلوم وتعليم اللغات باتجاه جديد. فالفكر المفهومي (La pensée conceptuelle) لا يمكن أن ينفصل، بحسب فيكوتسكي، عن الفكر الكلامي (La pensée verbale)، فاللغة عامل أساسي في تشكّل انعكاسات الوعي. كما أنّ ظاهرة "الفكر الكلامي" أو اللغة المثقلة بالمعنى، والتي تشكّل وحدة الفكر والكلمة واستعمالها الوظيفي الخاص، هي وسيلة لتكوين المفهوم.
تهدف الدراسة إلى أن تأخذ كلّ هذه الأفكار المتعلقة بالعمليات التي ترافق مسار اكتساب المفهوم العلمي طريقها لإيجاد تطبيقات تربوية محسوسة في الصف. إن النظرة إلى تعليم العلوم كنشاط إنساني وكمبادئ لاكتساب السياق العلمي للمعرفة ولبناء الفكر العلمي، هي ما يجب التركيز عليه في مناهج تربوية لا تُغفل الأدوار العديدة للغة في هذا المجال.
فاللغة تشكّل عنصرًا أساسيًا في كل مرحلة من مراحل تعليم العلوم، وتأخذ وظائف عدة. فهي تارةً، وسيلة لتثبيت الأفكار أو لتداولها، وطورًا وسيلة لبناء المفهوم أو انبثاقه أو لإعادة مفهمته، وهي أيضًا وسيط في تكوينه، إذ إنها، في هذا المجال، تطرح إشكاليات عديدة، منها:
إشكالية موضوع المعرفة في تنظيم البناء اللغوي.
إشكالية البعد التفاعلي في بناء المعرفة في علاقته مع تفريد التعلّم.
إشكالية إعادة مفهمة المضمون العلمي من خلال اللغة.
إشكالية التعلّم المُقنّن الشكلي للغة وعلاقته بالدَّور الوظيفي لهذه اللغة.
هذا البعد التنموي لقدرات الفرد الفكرية في إطار هذا النوع من التعلّم يجب أن يترك أثره على مناهج التعليم، وأن يُعطى ما يستحق من الاهتمام، بعيدًا من المقاربة التي تفصل مواد الدراسة. انطلاقًا من هذه الرؤية، يجب وضع هذا النوع من التعلّم في حيّز المواد المتقاطعة، لأنّ المضمون العلمي جزء لا يتجزأ من الصياغة اللغوية، وهذا ما يستتبع تنظيم التوقيت المدرسي من أجل إتاحة تعليم مدمج بين المواد.
إن دمج اللغة بالمضمون يساهم في توفير مداخل عديدة لموضوع التعلّم انطلاقًا من الحاجات المتبدّية، كما يتيح التداول حول المعنى وحول اللغة بوجوهها المتعددة، ما يساعد على أشكلة التعلّم وجعله وظيفيًا.
التفاعل بين هذَين النوعَين من التعلّم يؤمّن إطارًا لتعلّم لغة وظيفية في سياق مدرسي حقيقي غير مصطنَع، وتواصلا لغويًا حقيقيًا في الصف، ويبتعد عن التعليم الشكلي للقواعد اللغوية. فالتفاعل عامل أساسيّ لإنتاج خطاب حواريّ، والكتابات العلمية تشكّل حيّزًا لنشاطات ميتا - فكرية وميتا - لغوية. من هنا تظهر الحاجة إلى تطبيقات تربوية فاعلة في وضعيات تعليميّة/تعلّمية محسوسة.
إنّ مقاربة النص العلميّ من ناحية لغوية بحتة تعني أننا نفصله عن السياق الذي أوجده وعن هدفه التواصلي. فالنظر إلى الخطاب العلمي من زوايا متعددة، منها التواصل، والمفهمة، والعقلنة، وبناء المعارف وتنظيمها، والربط بين الشبكة المفهومية في النص والنسيج النصّي، أمر يتيح بناء الكفايات النصية في الفهم. وقد أظهر فيكوتسكي من خلال دراسته للتعبير الكتابي أهمية الوظائف السيكولوجية الخاصة باللغة المكتوبة كفعل يتحقّق من خلاله الفكر، وأيضًا كفعل يتحقق به امتلاك اللغة، فالبناء التدريجي للصياغة يدل على أنها ليست بديهية وليست سهلة، فهي جزء لا يتجزأ من بناء المفهوم.
التطبيقات التربوية التي أشرنا إليها يجب أن تُراعى أيضًا من ناحية صياغة المناهج. فبحسب اقتراح دانيال كوست (Daniel Coste)، يجب أن تتم هذه الصياغة من منظور دلالي، أي انطلاقًا من مفاهيم ذات معنى بالنسبة إلى التلميذ وإلى المعلّم، وليس انطلاقًا من مصنّفات وصفيّة للغة وللعلوم. أما من ناحية إعداد المعلّمين، فإنّ الدراسة تشير إلى ضرورة توسيع الإطار المفهومي لديهم في ما يختص بتكوين المفهوم العلمي، وبخاصة من حيث الدَّور الذي تؤدّيه اللغة في هذا المجال.
في النهاية، نقول إنّ العلاقة بين تعلّم العلوم وتعلّم اللغات هي موضوع واسع لا يمكن الإحاطة بجميع جوانبه، وهو مجال ما زال مفتوحًا للبحث من نواحٍ عديدة.