ميشال الدكاش

الانتظار والانهيار ولاد عم

5 دقائق للقراءة

أثبت التاريخ أن الشعوب لا تُهزم فقط عندما تخسر حروبها، بل عندما تفقد يقينها بالزمن. فالإنسان قادر على تحمّل القليل من الخبز، والقليل من المال، وحتى القليل من الأمان، والقليل من الwifi لكنه يعجز طويلاً عن تحمّل حياة مؤجلة. وعندما يصبح الانتظار سياسة، يتحوّل العمر نفسه إلى الخسارة الأكبر.

في لبنان، لا نحكم أنفسنا بالحكومات بقدر ما نحكم أنفسنا بالمواعيد والوعود. نعيش بين "قريباً إذا الله راد"، و"بعد العيد"، و"بعد الانتخابات"، و"بعد التسوية"، و"بعد أن تنضج الظروف"، و"انشالله خير" و"بالربيع" و"بآخر الصيف" ولائحة المورفين تطول. بلد كامل معلّق على حبل غسيل سياسي، تُنقل عليه الوعود "الصادقة" من موسم إلى آخر، فيما المواطن عامةً والشباب خاصةً يشيخون أسرع من الدولة نفسها.

في علم النفس، الانتظار الطويل ليس حالة حيادية. إنه يولّد ما يُعرف "بالعجز المكتسب" (Learned Helplessness)، حين يعتاد الإنسان على فقدان السيطرة إلى درجة يتوقف فيها عن المحاولة. وهذا تماماً ما أصاب معظم اللبنانيين. أما بعض الحكّام، فذهبوا أبعد من ذلك؛ إذ تحوّلوا من صانعي قرار إلى محترفي انتظار، يراقبون الأحداث بدل قيادتها، ويترقّبون الحلول بدل صناعتها. وفي الوقت نفسه، يديرون شؤون البلاد من مطابخ سياسية مغلقة، بعيداً عن أعين المواطنين، لا أحد يعرف مثلاً أفق المفاوضات ولا أفق الحرب ولا أفق الاقتصاد والمستقبل الخ... وكأن دور الناس يقتصر على التصفيق عند الحاجة، والاقتراع عند الاستحقاق، ثم العودة إلى مقاعد المتفرجين، فينتظرون...

فالمواطن بنظرهم ليس شريكاً في صناعة الوطن، لا مسؤول يضعه في صورة ما يحدث في بلده، بل مجرّد رقم انتخابي يُستدعى عند الحاجة ويُهمَل عند القرار. يُطلب منه أن يموّل الفشل بصبره، وأن يدفع ثمن الأزمات من عمره.

الأخطر أن الطبقة السياسية أتقنت إدارة هذه الحالة النفسية أكثر مما أتقنت إدارة البلاد. فهي لا تقدّم حلولاً، بل جرعات أمل. كل أزمة تتحول إلى موعد جديد، وكل فشل يصبح مرحلة انتقالية، وكل انهيار يُسوَّق على أنه مخاض ولادة قريبة. حتى صار اللبناني يعيش داخل غرفة انتظار ضخمة اسمها الوطن وفي يده كيس مصل مليء بمضادات اليأس.

لكن المأساة الحقيقية لا تكمن في الاقتصاد أو السياسة فقط، بل في الوقت المسروق من أعمار الناس. ففي علم القيادة الحديثة، وظيفة القائد ليست إدارة الوقت المنتج فقط، بل إدارة المعنى داخل الوقت. الناس تستطيع أن تنتظر وتقاوم أشد الظروف إذا رأت خطة عمل ورؤية واضحة وأهدافاً ملموسة. أما حين يتحول الانتظار إلى ضباب دائم، فإنه يتحول إلى شكل من أشكال الاستنزاف النفسي الجماعي.

وهنا يظهر الجرح اللبناني الأكثر وجعاً: الشباب.

الضحية الأكبر لهذه الحالة هو الشباب اللبناني. جيل كامل يعيش حياة مؤجلة: يؤخر الزواج، والمشاريع، والاستقرار، وحتى قراراته المصيرية بانتظار مستقبل أكثر وضوحاً. يشعر كثيرون أنهم أكبر من أعمارهم الحقيقية، ليس لأن السنوات مرّت فقط، بل لأن الفرص مرّت معها. ومن تزوّج بات يبحث عن مستقبل مختلف لأولاده، خوفاً من أن تتكرر معهم المعاناة نفسها التي عاشتها الأجيال السابقة.

فهناك من دخل الجامعة على أمل أن تكون بوابة الخلاص، ليجد نفسه بعد التخرّج أسير الانتظار. وهناك من بدأ حياته المهنية ليكتشف أنه لا يزال ينتظر. وهناك من خطّط لتأسيس عائلة، فوجد نفسه ينتظر القدرة على العيش الكريم مع سرعة الحياة ومن تزوّج، بات يبحث عن جواز سفر جديد لعائلته، لا طمعاً ببلدٍ آخر، بل خوفاً من أن يعيش أولاده ما عاشه هو، حتى لا تتحوّل معاناة ثلاثة أجيال إلى قدرٍ ينتظر الجيل الرابع. ومن غادر البلاد ترك قلبه هنا بإنتظار ظروف أفضل للعودة المرتقبة. إنها حقيقة صريحة يعيشها الشباب اللبناني يومياً، فيما السلطة منشغلة بإدارة الوقت السياسي، غير مدركة أن ما يُهدر ليس الوقت فحسب، بل أعمار الناس نفسها.

في التاريخ، كانت الأمم تواجه أزماتها بالقرار أو تدفع ثمنها بالانهيار. أمّا لبنان فاختار طريقاً ثالثاً: الانتظار. انتظارٌ طويلٌ استُهلكت فيه الأعمار أكثر مما استُهلكت فيه الموارد، حتى أصبح التأجيل بديلاً عن المعالجة، والترقّب بديلاً عن القيادة، والأمل المؤجّل بديلاً عن الجرأة في المبادرة.

أما القيادة الحقيقية، فلا تبيع الناس انتظاراً. القائد لا يقول لشعبه "اصبروا"، "كافحوا"، "جاهدوا"... فقط، بل يقول لهم "هذه الحقيقة...تعالوا نبني". لا يربط مصير الأجيال بموعد مجهول أو متغير خارجي، لأنه يعرف أن أخطر أشكال الفشل ليست خسارة المال ولا خسارة السلطة، بل خسارة الوقت. كل ذلك يمكن تعويضه أما السنوات التي تُسرق من أعمار اللبنانيين من كافة الأجيال فلا تُسترَد.

فعلاً أن الانهيار والانتظار ولاد عم. كلاهما يبدأ عندما يتخلى الإنسان عن قدرته وجرأته على الفعل. الأول يدمّر المؤسسات، والثاني يحطّم النفوس. فالأمم لا تسقط يوم تفرغ خزائنها، بل يوم تقتنع أن دورها الوحيد هو الجلوس على الرصيف ومراقبة المستقبل وهو يتأخر.

إن المستقبل ليس قدراً مكتوباً سلفاً، فالأوطان لا تُقاس بحجم الأزمات التي مرّت بها، بل بقدرتها على النهوض بعد كل سقوط، وعلى إعادة الثقة إلى جيلٍ تعب من الترقّب من دون أن يفقد قدرته على الحلم. فحين تتحوّل القيادة إلى رؤية، والسلطة إلى مسؤولية، والقرار إلى فعل، يستطيع هذا الوطن أن يستعيد دوره ومكانته. فلبنان لم يكن يوماً مجرد أرض نجت من الأزمات، بل وطناً استطاع النهوض كلما ظنّ العالم أنه سقط. وما دام فيه شباب يتمسّكون بالحياة رغم كل التحديات، فالأمل ليس مجرد أمنية، بل مشروع مستقبل ينتظر من يحسن قيادته.