جوزف سوفولاوس

إلى لبنان الشيخ حكمت الهجري قادم

4 دقائق للقراءة

 إنّ الوعي السّياسيّ للشّعوب والجماعات متحرّكٌ، فهو يتغيّر بحكم تفاعله مع التّحوّلات الاجتماعيّة والأفكار الفلسفيّة والأحداث السّياسيّة التي تعيد تشكيل ارتباطه مع العالم، فيطبعه بقدر ما هي تطبعه. ولعلّ العنف (تطهير إثنيّ، مجازر طائفيّة، تمييز عنصريّ/طائفيّ) يبقى الدّافع الأقوى لديناميّة الوعي السّياسيّ، والوعي الدرزيّ ليس باستثناءٍ.

في هذا السّياق يبرز الأنموذج الجنبلاطيّ الذي يشكّل الصّيغة التي هيمنت على الوعي السّياسيّ الدّرزيّ في لبنان أكثر من نصف قرنٍ، وقوامه: عائلةٌ سياسيّةٌ تحتكر التّمثيل السّياسيّ للجماعة بشخص كبيرها، أي "الإثنرخ" أو زعيم الجماعة/الإثنيّة؛ ومؤسّسةٌ دينيّةٌ غير مستقلّةٍ سياسيًّا، حيث يكون تفاعلها محكومًا بالأطر التي حدّدتها الزّعامة السّياسيّة (المثال الدّيكتاتوريّ الشّرقيّ: الدّول العربيّة الملكيّة والأوتوقراطيّة فضلًا عن المثال الرّوسيّ وتابعيّة الكنيسة الرّوسيّة الأرثوذكسيّة للحكم البوتينيّ)؛ ومقاربةٌ انصهاريّةٌ للذّات والجماعة، وما تحمله من تصوّرٍ رومنطيقيٍّ للكيان السّياسيّ بوصفه مجالًا أوسع وأكثر تحرّرًا لتحقيق الذّات (الفكر الوحدويّ المتأصّل في المدرسة الرّومنطيقيّة الألمانيّة الذي شكّل الأساس التّنظيريّ للفاشيّات الأوروبيّة والتّيّارات العروبيّة). وفي السّياق نفسه شكّل الأنموذج الجنبلاطيّ مثالًا للجماعة الدّرزيّة في سوريا التي وإنْ لم تلبِّ جميع شروط هذا الأنموذج، امتثلت أقلّه بالمقاربة الانصهاريّة التي أعطت دروز لبنان امتيازاتٍ سياسيّةً (غنائم حربٍ) بعد هزيمة المسيحيّين في الحرب الأهليّة وإطلاق يد نظام الأسد في لبنان.

لكنّ هذا الأنموذج لم يصمد صَرحه أمام المجازر الطّائفيّة في السّويداء التي فكّكت الأحلام الطّوباويّة للنّخبة الانصهاريّة الدّرزيّة في سوريا، ودفعتهم، تحت وطأة العنف الطّائفيّ، إلى مراجعةٍ نقديّةٍ للمسلّمات السّياسيّة، خصوصًا بعد فشل الدّولة المركزيّة في حماية مواطنيها، بل بعد تحوّلها طرفًا في الصّراع في ما بينهم. فلا قيمة للمشاريع "الوطنيّة" طالما أنّ تعريف "الوطنيّة" يُختزل بمعاييرَ هويّاتيّةٍ-طائفيّةٍ أو عرقيّةٍ أو لغويّةٍ، وما دون هذه المعايير تصبح الجماعة إمّا "تكفيريّةً"، إمّا "فلولًا"، إمّا "إسرائيليّةً"، أي تتحوّل إلى "الآخر" الغريب أو العدوّ.

لذا في مقابل الأنموذج الجنبلاطيّ "الشّرقيّ" يبرز الأنموذج الدّرزيّ "الغربيّ" الذي طوّره دروز إسرائيل، وبدأت تتبنّى عناصره شرائحُ متزايدةٌ من دروز سوريا، وقوامه: مؤسّساتٌ سياسيّةٌ تعدّديّةٌ؛ ومرجعيّةٌ دينيّةٌ مستقلّةٌ عن مراكز القرار السّياسيّ؛ ومقاربةٌ تحرّريّةٌ تخلّت عن تقيّة القرون الوسطى (التي باتت شبه مستحيلةٍ بفعل التّطوّر الإعلاميّ) واتّجهت نحو وعي يتغنّى بالتّمايز الثّقافيّ-الطّائفيّ عوضًا عن اعتباره عقبةً وجب قمعها أو قلعها.

وفي إطار هذا التّحوّل يمكن فهم حملة جنبلاط التّطويقيّة للحركة الفدراليّة المسيحيّة (لقاء تيمور مع فارس سعيد والقوى الرّجعيّة الأخرى)، فضلًا عن تجدّد الخطاب المارونوفوبيّ ضدّ المسيحيّين، وتحديدًا ضدّ القوّات ورئيسها سمير جعجع، واستحضار جرائم الحرب في الجبل بوصفها ذاكرة انتصاراتٍ (الاحتفال ب"تحرير" الشّحّار الغربيّ). يدرك جنبلاط أنّ الأنموذج الدّرزيّ "الغربيّ" سيهدّد مستقبل إرثه السّياسيّ المرتبط عضويًّا بالأنموذج "الشّرقيّ" الذي بناه هو ووالده بالعنف السّياسيّ. لذا يخشى جنبلاط من نجاح الحكم الذّاتيّ للسّويداء؛ لأنّ نجاحه يعني حكمًا سقوط أنموذج الإثنرخ (زعيم الطّائفة) والانتقال من منطق الوسيط الحاميّ للجماعة إلى الجماعة المنتحة آليّات حمايتها بنفسها، عنيتُ منطق "المؤسّسة" وما تحمله من أبعادٍ ديمقراطيّةٍ تعيد الدّيناميكيّة الاقتصاديّة والانتعاش الدّيمغرافيّ للشّعب الدّرزيّ.

بهذا المعنى يكون الشّيخ الهجري قادمًا إلى لبنان، أي بما يمثّله من وعي تحرّريٍّ جديدٍ. وبهذا المعنى أيضًا يمكن فهم التّحوّل الذي يشهده الوعي الدّرزيّ فيه، خصوصًا وأنّ عصر السّرديّات الكبرى قد انتهى، ووعود الانصهاريّة المفرطة في تفاؤلها قد تبدّدت سرابًا. فلم يبقَ أمام الجماعات في الدّول التّعدّديّة سوى إعادة بناء علاقتها مع بعضها على أساس الاعتراف المتبادل، وأوّلها الاعتراف بحقّها في حكم ذاتها في نظامٍ فدراليٍّ موسّعٍ.