الصورة أعلاه صورة الطفل بشر نزار حسن، والدته المهندسة ميسون محلا، فَضَّلت الموت مع عائلتها على يد زوجها المهندس نزار على أن تقع بيد فصائل جبهة النصرة، داعش وجيش الإسلام (الذي كان يقوده زهران علوش قبل عصام البويضاني). يحكى أن ميسون تركت رسالة خلفها أفقدت المهاجمين صوابهم فاعتدوا على جثمانها وسحلوها عارية في أزقة عدرا العمالية.
عدرا العمالية.
في عدرا العمالية تم رمي الأطفال في الأفران، وتم قطع الرؤوس والتمثيل بالجثث، ومن بقي حيا أسروه واستعملوه دروعا بشرية في أقفاص الغوطة.
مجزرة عدرا العمالية وقعت في 11 كانون الأول 2013، وراح ضحيتها المئات، عشرات الممرضات والطبيبات فضلن الموت على أن يسقطن في أيدي هؤلاء، وفي 12 كانون الأول 2013 أدانت الخارجية الأميركية هذه المجزرة.
لمن لا يعرف عدرا العمالية، هي ضاحية من ضواحي دمشق الفقيرة، حيث قطنت طبقة وسطى لم تجد سوى العلم سبيلا والمواطنة منهجًا، لم يقتن معظم سكانها سيارة، فكانوا يستقلون "المكيرو" صباحا ومساءا في الانتقال إلى وظائفهم التي لم تكن تكفي لسد الرمق. قطن ضاحية عدرا العمالية العديد من العلويين الذي أنهوا دراستهم ووجدوا عملا ولو بأجر زهيد في دمشق، بعد أن ضنَّت دولة ذلك الزمن بالمشاريع الاقتصادية والاستثمارية في مناطقهم، فلم يكن في الساحل العلوي أي طاقة استثمارية تستوعب الطاقات العلمية التي أنتجها هذا الساحل. وفد ميسون ونزار إلى الضاحية وعملا بأجور زهيدة في سعيهم لتأمين غد أفضل لكريم وشقيقه الأصغر بشر، لكن كان لزهران علوش رأي آخر، فلم يبلغ بشر الحُلُم واستشهد فقط لأنه علوي.
مجازر ريف اللاذقية الشمالي 2013.
سبق مجزرة عدرا العمالية مجزرة سلمى وريف اللاذقية الشمالي، فذات فجر في الرابع من آب 2013، فوجئ أهالي القرى العزل باقتحام جبهة النصرة وداعش قراهم حيث تم قتل أكثر من 190 شخصًا ذبحًا، واختطف أكثر من مئتي امرأة وطفل وعجوز وكان بينهم الشيخ بدر الغزال الذي قتلوه ذبحًا. وثَّقت منظمة هيومن رايتس ووتش المجزرة في تقريرها "You still See their Blood". شهد العام 2013 الكثير من المجازر التي ارتكبتها الفصائل التي سمتها صحيفة الاخبار في تلك الحقبة "المعارضة المسلحة"، من معان إلى عقرب إلى حمص وريف حمص الشرقي، كل هذه المجازر نزلت بالعلويين ولم تخف الفصائل يومها استهدافها الطائفي للعلويين، كما لم يستح المسؤولون في الدولة السورية في تلك الحقبة من تجاهل المختطفات العلويات عندما بادلوا 9 عناصر من حزب الله بأكثر من مئتي سجينة تابعة لجبهة النصرة. بالرغم من مناشدات العلويين لحل هذه المسألة غير أنها تركت طي النسيان إلى العام 2017 في صفقة تبادل حررت 50 شخص فيما بقي الـ250 مجهولي المصير، مثلهم مثل الكثير من ضحايا تلك الحرب.

تُلَخِّص جمل منشور الفيسبوك أعلاه مسار ومصير العلويين، في ظل دولة البعث، فهم "حطب الموت" و"الأجور الزهيدة"، ولم تختلف هذه الحقيقة في حقبة ما بعد البعث، لكن هنا أصبح العلويون مطالبين بسداد فاتورة جرائم أمجد يوسف ورفاقه في العام2013، وأصبح العلوي هدفًا لحملة مقاطعة وتجويع، فلم تكتف الفصائل بأن طردت العلويين من وظائفهم، وصادرت بيوتهم، وقتلت شيبهم وشباباهم وسبت نسائهم، بل شنت حملة "أنت لست شجرة" لمقاطعة وتجويع العلويين وعزلهم اجتماعيًا ثأرًا للسيدة رانيا العباسي وعائلتها، وكأن كل علوي مسؤول عما اقترفه أمجد يوسف وشركاؤه غير العلويين!
هنا لم تستطع هذه الفصائل الانقلاب على ذاتها ولم تعرف كيفية الخروج من "ثقافة الثورة" إلى "ثقافة الدولة" بل ما تزال تسير في نمطية المظلومية ولا تجد أمامها سوى العلوي للاقتصاص منه، فعجزت هذه الجماعات عن ممارسة المراجعة النقدية التي مارسها رئيسها ولم تجب عن التساؤلات المقابلة: ماذا عن الجرائم التي ارتكبت باسم الثورة في تلك الحقبة، هل حوسب عليها أحد؟ أحوسب أحد ممن اقترفوا جرائم التطهير العرقي في الساحل في 7 آذار 2025؟ هل حوسب من يمارس خطاب الكراهية والتحريض والخطاب العنصري؟ لماذا لم تستطيع السلطات السورية الجديدة كبح جماح مشاعر الحقد والبغضاء في نفوس مناصريها؟
سيجيبك العلويون: لماذا يحاسبون طالما أن الضحية علوي، فقيمة 300 علوي أقل من 9 عناصر من حزب الله اختطفوا في "اعزاز" في العام 2013، هكذا سعَّرنا البعث.
بلاسخارت 17/12/2024.
لست هنا لأنكأ الجراح، لكن لأكرر ما قلته في 17/12/2024 متوجهًا إلى السيدة بلاسخارت في الأبرشية المارونية في طرابلس بحضور نيافة المطران يوسف سويف وسماحة المفتي محمد إمام وسماحة رئيس المجلس الإسلامي العلوي في لبنان علي قدور، وحشد روحي وسياسي حافل: يومها حملت تحيات مرجعيات العلويين الروحية في سوريا ونقلت رسالتهم الى المجتمع الدولي التي تلخصت بنقاط ثلاث أطلقوها في مؤتمر الشيخ بدر 09/12/2024:
1- وحدة الوطن.
2- حصر السلاح بيد الدولة.
3- المصالحة الاجتماعية.
يومها شرحت أن المصالحة لا تكون بالاقتصاص من طرف دون الآخر، وأن ويلات الحروب وفظائعها لا يمكن تخطي آثارها إلا بوسيلتين:
1- إما العدالة الشاملة فيحاسب جميع المرتكبين من كل الجهات؛
2- أو العفو الشامل، فيعفى عن الجميع.
لكن ما حصل أن العدالة الانتقائية فرضت إيقاعها، فانقلبت السلطة على وعودها بعدم الانتقام، فيما العلوي سلَّم سلاحه وأجرى تسويات وجلس في منزله يتعرض للمهانة والإذلال ويترقب الموت في كل مرة يريد فيها أحد الشيوخ ممارسة الرياضة المقدسة في غزوة على العلويين. وهنا تجد مفارقة فالرئيس السوري أحمد الشرع الذي انقلب على أبو محمد الجولاني واستطاع أن يمارس براغماتية وجودية تمكنه من دخول المكتب البيضوي، لم تلاقه الفصائل في مسعاه، وما تزال دعوته التي أطلقها إبان دخول دمشق لتغيير العقلية من عقلية الثورة إلى عقلية الدولة، خارج إطار وعي الفصائل الجمعي الذين ما زالوا حتى تاريخ كتابة هذه السطور يمارسون مفاهيم دار الحرب ودار الإسلام. فالتحدي الأول هو كيفية تحول النمطية السلوكية من ثقافة الفصائل إلى ثقافة الدولة.
بعد زيارتها اليتيمة إلى طرابلس، لم تهتم السيدة بلاسخارت ولا فريقها بالواقع الإنساني المرير، وعندما تواصلت معهم لتأمين غذاء للمحاصرين في بيوتهم في القرى العلوية في شهري كانون الثاني وشباط 2025، كانوا يغدقون علي الوعود الفارغة، اما منظمة غوث اللاجئين فتعاطت مع النازح العلوي بطريقة خجلت منظمة الرفق بالحيوان التعاطي بها في أزقة طرابلس.
تغادر السيدة بلاسخارت لكن المنهجية الأوروبية الليبرالية التي أسست الخوذ البيضاء باقية، وتغافلها عن الجرائم بحق العلويين باقٍ، ففيما استنفرت أوروبا بأسرها للتصدي للجرائم بحق الأزيديين وجدت الاتحاد الأوروبي يدير آذانا صماء تجاه الجرائم المستمرة بحق السكان العلويين.
فهل أن الرئيس أحمد الشرع يتسامح مع فصائله أم أنه يواجه صعوبة بنيوية في تغيير ثقافة هذه الفصائل واستيعابهم في مؤسسات الدولة الناشئة؟
توماس باراك.
عندما سمعت اللبناني الأصل توماس باراك يتحدث عن التسامح في دمشق، ظننته يبشر بقانون عفو أو مشروع مصالحة اجتماعية، فإذا به يعلن عن تسامحه الشخصي مع التنكيل بالسكان الأصليين ورضاه عن الفظاعات التي تنزل بهم يوميًا، وتسامح دولي مع مشروع التغيير الديموغرافي في الساحل الشرقي للمتوسط، وتوطين القبائل التركمانية والإيغورية والشيشانية مكانهم، كما حصل في لواء اسكندرون بعد كارثة زلزال شباط 2023.
يظهر من النمطية التي تعاطى فيها توماس باراك، وتوسيع نفوذه في الشرق في أعقاب قمة بيكين، وتزامن ذلك مع فرض ترمب على نتانياهو وقف اطلاق النار في لبنان، كل هذا يظهر تمددًا كبيرًا لمشروع الإسلام السياسي في المنطقة، فالبيت الأبيض في العام 2026 لا يهتم بتصدير الثقافة الأميركية وإنما بتحقيق المصالح الأميركية في الحصن الأميركي، ويتعاطى مع المنطقة بمفهوم الاستعمال والترك، Boom Boom Ciao، فيتم تحقيق المنفعة المبتغاة دون ضلوع طويل المدى، كما تحققت المنفعة من إغلاق مضيق هرمز عبر تحقيق الجدوى الاقتصادية في قطاع النفط الفينزويلي وجعل عقيدة Drill Baby Drill قابلة للحياة، وفي هذا الاطار يواجه توماس باراك و "الأخ أحمد الشرع" تحديات عملاتية عميقة تهدد مهمتهما بالفشل بالرغم من مديح ترمب وبخات العطر.
فبعد تفكيك قسد برعاية توماس باراك، يصعب على الاكراد التعاطي مع المبعوث الرئاسي، ويجعل من مهمته في العراق شبه مستحيلة، ربما يستطيع باراك استمالة سنة العراق، وبقايا البعث فيه، وربما يتمكن من استمالة مقتضى الصدر وفريقه، ولا شك أن جماعة الحشد الشعبي على تناغم مع الإدارة الأميركية خاصة بعد تولي السيد علي الزيدي رئاسة الحكومة، لكنه سيعجز عن التوصل إلى إطار واحد يجمع البيئة العراقية الصلبة وتناقضاتها، خاصة وأن إقليم كردستان ليس روجافا، بل هو نظام متجذر وقوي، أما الخلافات البينية في البيئة الشيعية العراقية وتعقيدات المدارس الفقهية ومراجع التقليد في البيئة الشيعية وتباين مرجعية قم والنجف بالإضافة إلى نفوذ القوى المدنية العراقية التي ماتزال تختزن تراثا حضاريا عريقا متجمع في بغداد والمنطقة الخضراء ويمتد نفوذه إلى تكريت والانبار، يجعل من هذه التناقضات صفيح ساخن قد يدمر مهمة باراك.
يضاف إلى ما تقدم أن نفوذ باراك سيصطدم بانتفاء ثقة العلويين فيه، وتحاشيهم التعاطي معه لتحالفه الوثيق مع أردوغان وتأييده لمحور الإسلام السياسي إن بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، هذا النفور العلوي الكردي، يلاقيه نفور درزي في السويداء.
أما الطامة الكبرى فتكمن في تصريحاته الأخيرة في مؤتمر انطاليا والتي انتقد فيها إسرائيل ووضعها على قدم مساواة مع حزب الله.
هذا الواقع يجعل من مهمة توماس باراك مستحيلة، خاصة بعد أن اتسعت رقعتها وأصبحت تضم متناقضات عدة، والتحدي الأكبر أمام توماس باراك هو شخصي ذاتي يتجلى في عدم احترامه لهذه الثقافات المتناقضة وعدم تقديره لإنسانيتها ولا لنموذجها الحضاري، فصحيح أن أصوله من هذه المنطقة لكن ما عبّر عنه في تصريحاته في العام 2025 لم يعكس فخرًا بهذه الهوية وهذه الجذور.
"الأخ أحمد الشرع".
تظهر الظروف أعلاه، أن خطاب حزب الله الذي عبر عنه نواف الموسوي باستعماله مصطلح "الأخ أحمد الشرع"، وتبعه إبراهيم الأمين في اتهامه العلويين بأنهم عملاء موساد، توجها استراتيجيا فعليًا لدى حزب الله لم يبدأ مع خطاب نعيم قاسم في 14/12/2024 ولم ينته مع فرقة صدقيان ومعسكر عمار ومركز دعبل الخزاعي لفنون التواصل الاجتماعي. فهذه النمطية لم تأت فقط تلبية لسعي حزب السلاح لأن يؤمن خطوط إمداده بفاتورة أقل وجدوى إسلاموية أكبر، بل كانت ترجمة لحقيقة تحالف وثيق عبَّر عنه اردوغان عندما استحضر ارث السلاجقة الغابر.
فأردوغان لم يُظَّهِر نفسه فقط كوريث للسلطنة العثمانية، بل كوريث طبيعي لحكم السلاجقة الذي امتد من حدود الصين إلى مضيق البوسفور، هذا الحلم يُمَتِّنُه تحالف عقائدي بين جناحي الإسلام السياسي التركماني، في نسختيه السنية والشيعية، فيما جوهر حقيقته هو سعي تركماني لإحياء هذه الإمبراطورية وملء الفراغات التي سيُخَلِّفُها الانكفاء إلى الحصن الأميركي وتقهقر الدب الروسي.
لذلك كان نهج الخامنئي رافضًا للوطنية فيما كان أربكان داعيًا للمواطنة الاسلاموية التركية، فأربكان كان يعمل في إطاره العرقي ومن الطبيعي ألا يحارب الوطنية التركية لكنه اعتمد النموذج الإسلامي كوسيلة دعوية سياسية تحرره من تقبُّل الاخر، أما الخامنئي فكان تركيًا أذريًا، اعتمد تقليص العنصر الوطني وإبقاء ظلالا منه لحفظ العصبية الضرورية في حدها الادنى لشرعنة النظام.
كتيبة حبيب.
في ظلال هذه الحقائق يدهشني النائب الدكتور حسين الحج حسن، الذي قال بكل ثقة أنه من الطبيعي أن يَجُر لبنان إلى أتون حرب مدمرة ثأرًا لــ"لقائد"، وأنه يعيب على الكرسي الرسولي تحرره من قيود الدولة ليذوب في فضاءات الملكوت السماوي.
هو في خطابه يعيب على الإمام علي زين العابدين (ع) قعوده عن السياسة، وينتقد أمير المؤمنين، ويعتبر أن بيعة الغدير ليست أمرًا إلهيًا وإنما وصية بشرية تُمَكِّن أعضاء مؤتمر سقيفة بني ساعدة أن ينقلبوا عليها، هنا يكمن جوهر الخلاف مع العلوي:
بالنسبة للعلوي بيعة الغدير ليست أمرًا سياسيًا ولا شأنًا دنيويًا، بل أمرًا الهيًا لا يملك بشر أن يخرج عليه، فالولاية هي شأن سماوي عقائدي استقرت مرجعيته في أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) والأئمة من بعده، فما يهم الله سبحانه هو الروح والقلب وليس السلطة والمجد.
هذا المفهوم لا يستطيع أن يتقبله النائب الدكتور حسين الحج حسن، الذي انتفض مغاضبًا في جلسة لجنة الإدارة والعدل عندما طلبت أن يكون الأساتذة الجامعيين في الخارج كالأساتذة المحاضرين في يال وهارفرد من أبناء الطائفة العلوية أعضاءً حكميين في الهيئة العامة في المجلس الإسلامي العلوي. هذا الدكتور ولفيفه اعتبروا أن الألعاب النارية التي أرسلتها إيران في الوعد الصادق 1 كافية لسداد ثأر السيد حسن، ولكن في المقابل يجب أن يحترق لبنان ونخسر الشريط الحدودي ويعيد العدو احتلال قلعة الشقيف التي حررها المقاومون في تسعينات القرن الماضي ثأرًا للولي الفقيه.
يروي الوزير الراحل عبد الله بو حبيب، في آخر مقابلة أجراها وكان ذلك أسبوع قبيل وفاته، أن عرقتجي فوجئ بسماعه يقول أن السيد حسن نصر الله وافق على هدنة الـ 21 يوما دون وقف الحرب على غزة، وفي اليوم التالي استشهد السيد، وتبعه السيد هاشم والشيخ نبيل قاووق.
لو راجعنا الشخصيات التي استهدفها ترمب من قاسم سليماني إلى كمال خرازي وعلي لاريجاني، مرورا بإبراهيم رئيسي والكثير من القامات الكبيرة وقيادات الصف الأول والثاني في إيران وفي حزب الله، لاكتشفنا أن الضربات الترمبية قد مهَّدَت الطريق لكتيبة حبيب، فأزالت العقبات في ردبها إلى التفرد بالسلطة، فأصبح من السهل على كتيبة حبيب استبعاد نجل الخميني من لعب دور فاعل بعد غياب علي الخامنئي وبنفس الطريقة والآلية ابعد نجل السيد حسن نصر الله.
هذه القرائن، مع تصريحات سابقة تبين أن المرشد علي الخامنئي لم يكن يرغب بتولي ابنه مهام المرشد الأعلى، ويؤكد ذلك أن مجتبى لم يبلغ درجة آية الله وتسلم رتبة الولي الفقيه وهو بالكاد أنهى البحث الخارجي ونال درجة المجتهد: فلو أن علي الخامنئي أراد أن يُمَهِّد السبيل لابنه لأعانه على أن يرتقي في الأسباب ويتبوأ درجة عليا في العلم، لكن ذلك لم يحصل.
في المقابل، هل كان السيد حسن نصر الله يرغب أن يتولى نعيم قاسم سدة الأمانة العامة، لا أزال أذكر خطابا للسيد حسن في العام 2007، يومها قال ممازحا أن "الشيخ نعيم" لا يحبذ الشهادة كثيرًا. فنعيم قاسم النائب المستمر للطفيلي، وللسيد الموسوي وللسيد حسن، لم يكن يومًا خيارًا في الأمانة العامة، وكما كان من المستحيل على كتيبة حبيب ومعسكر عمار أن يتعاملوا مع السيد حسن نصر الله بالطريقة نفسها التي يتعاطون فيها اليوم مع نعيم قاسم ومحمود قماطي.
من الضاحية مقابل تل ابيب إلى الضاحية مقابل كريات شمونة.
بعد أن كان السيد حسن نصر الله يقف على المنابر ليعلن تل أبيب مقابل بيروت، أصبحت أقصى طموحات نعيم قاسم مع النصر الباهر والحاسم أن تكون الضاحية مقابل الشمال، وانتشرت فورا كتائب الذباب الالكتروني لتحتفي بنصر مؤزّر على الامبريالية، "نصر" ومعظم الجنوب محتل، وما تم تحريره في العام 2000 بدعم من "سوريا حافظ الأسد"، تم احتلاله اليوم لدعم إيران مجتبى خامنئي، وبدلا من أن يبتلع هؤلاء السنتهم ويستغفروا من الدولة اللبنانية التي بذلت ما بوسعها لفتح القنوات الدبلوماسية سعيًا لوقف اطلاق النار فإذا بهم يتحضرون للانقضاض عليها ظنًا منهم أن ما خسروه من هيبة في ميدان القتال سيعوضونه في التنمر على شركاء الوطن والسعي للانتصار عليهم.
إن إشكالية الفكر الدوغماتي الاوليغارشي أنه لا يهتم الا بتحقيق مكاسبه الآنية، لذلك نرى ضمورا في الخطاب العقلاني الرصين، وتراهم يُظَهِّرون مهرِّجين على وسائل التواصل الاجتماعي ليدعوا احتكار تمثيل الشيعة وكأن الطائفة التي أنجبت حسن الصباح ورمال رمال والبروفسور حافظ قبيسي، لا تجد إلا بعض الأميين الوقحين ليمثلوها فتستقبلهم رابعة الزيات وتتجاذب معهم أطراف الحديث والنميمة.
هنا تكمن الإشكالية الكبرى، فهؤلاء الغوغاء بدل من أن ينشغلوا بالبحث عن قوت يومهم الحلال، ويسعون لتكسب العلم عند أهله أصبحوا فلاسفة على وسائل الاعلام يُنَظِّرون ويمنحون البركات ويمنعونها، بينما المواطن المجد المجتهد الذي سعى في مناكبها لتحصيل علمه تراه مغمورا في زمن الثرثرة والصياح.
فأتباع ثقافة البداوة المتحدرة من آسيا الوسطى الذين قدموا إلى سواحلنا طلبا للكلأ والمرعى، لم يستطيبوا فقط الاستيطان، بل أصبحوا هم أصحاب الأرض وصرنا نحن الغرباء المطلوب منهم أن يهاجروا. ومع ذلك ورغم التحديات والصعاب ستبقى جذورنا منغرسة في هذه الأرض، فنحن نسغ أشجار هذه الأرض، نحن بخور مريمها ونحن شقائق نعمانها، مهما جارت علينا الأزمنة ترانا ننبت من صخورها.