التصعيد الميداني يُعقّد مسار التفاهم الأميركي - الإيراني

6 دقائق للقراءة
مسؤولون يتفقّدون الأضرار في مطار الكويت الدولي إثر الهجوم الإيراني أمس (رويترز)

شكّل التصعيد الميداني الذي شهدته المنطقة أمس انتكاسة جديدة في مسار التفاهم الأميركي - الإيراني المفخّخ أصلا بشروط الطرفين المتناقضة، إذ استهدف النظام الإيراني الكويت والبحرين إثر قصف القوات الأميركية لمواقع داخل إيران للمرّة الثالثة في أقلّ من أسبوع، في وقت لا تزال فيه إيران تدرس مقترحًا أميركيًا حول مذكرة تفاهم لتمديد وقف النار وفتح مضيق هرمز والشروع بمحادثات حول البرنامج النووي. وبينما أكدت طهران أن التواصل مع واشنطن لم ينقطع، رغم إعلانها تعليق المفاوضات الأحد، على خلفية التصعيد في لبنان، أوضحت أن المحادثات لم تحرز أي تقدّم بعد، مشترطة احترام "حقوقها" وإنهاء الحرب في لبنان والتوترات في المنطقة للعودة إلى طاولة المفاوضات.

أكد الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن إيران وافقت على عدم امتلاك سلاح نووي، موضحًا أن المرشد الإيراني الأعلى مجتبى خامنئي يشارك في المفاوضات، كما أعرب عن رغبته في لقائه. وأقرّ بأنه نعت رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بـ "المجنون" خلال مكالمة هاتفية حول القتال في لبنان قيل إنها تخلّلتها ألفاظ نابية، بينما أوضح نتنياهو أنه وترامب لديهما أحيانًا "خلافات تكتيكية"، لكنهما متفقان على القضايا الرئيسية المتعلّقة بإيران. ولدى سؤاله عن مدى احتمال أن نشهد تصعيدًا عسكريًا ضد طهران، أجاب: "سأترك ذلك للرئيس ترامب"، في حين اعتبر أن الهجوم الإيراني على الكويت "لعب بالنار".

في الأثناء، أكد وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، أمام لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب، أن مصير مخزون إيران من اليورانيوم عالي التخصيب يشكّل محورًا رئيسيًا في المحادثات الجارية مع طهران، مشيرًا إلى أن الأخيرة لم توافق بعد على عقد اتفاق سلام. وشدد على أن الحرب في إيران انتهت، معتبرًا أن بلاده حقّقت "نصرًا"، في حين أفاد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بأن اتصالات طهران مع واشنطن لم تنقطع، لكن لم يُحرز أي تقدّم في المفاوضات، لافتًا إلى أن الجانبين يدرسان النصوص التي جرى تبادلها. وحذّر من أن أي هجوم على بيروت سيؤدي إلى "استئناف شامل للحرب"، مشددًا على أن "العودة إلى طاولة المفاوضات مشروطة بضمان حقوق الشعب الإيراني، وإنهاء الحرب في لبنان، ووقف التوترات في المنطقة".

وتوعّد رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف بأن طهران ستردّ بشكل حاسم ومتكافئ على أي هجوم تتعرّض له، فيما نقلت وكالة "فارس" الإيرانية عن عضو في الفريق الإعلامي لفريق التفاوض الإيراني قوله إن السبب وراء عدم نجاح المرحلة الأولى من محادثات إسلام آباد هو رفض إيران الدخول في مفاوضات نووية، جازمًا بأنه "لن ندخل في اتفاق يتمّ فيه تجاهل لبنان". وذكر أنه "إذا تمّ الانتهاء من صياغة مذكرة التفاهم بين أميركا وإيران والاتفاق عليها سوف تمرّ بآلية من أربع مراحل"، مؤكدًا أن طهران لم ترسل بعد ردّها على أحدث مسودة من واشنطن.

ميدانيًا، اعترضت الكويت 13 صاروخًا باليستيًا معاديًا داخل مجالها الجوي، ما أسفر عن سقوط بعض الشظايا، كما تعاملت مع 17 طائرة مسيّرة معادية. وأفادت بأن العدوان الإيراني الآثم استهدف المنشآت المدنية والحيوية، ومنها مطار الكويت الدولي، ما أسفر عن وفاة مقيم هندي وإصابة 63 آخرين، بالإضافة إلى أضرار مادية جسيمة. وندّدت الكويت بـ "الاعتداءات الإيرانية الغاشمة والمتواصلة"، مشيرة أيضًا إلى أضرار في "بعثات دبلوماسية". واستدعت الخارجية الكويتية القائم بالأعمال بالإنابة في سفارة إيران لدى الكويت المستشار حامد يعقوبي وسلّمته مذكرة احتجاج رسمية في شأن الاعتداءات المستمرّة وقرار تخفيض أعضاء السفارة في البلاد، واعتبرت اثنين من أعضاء البعثة الدبلوماسية الإيرانية غير مرغوب فيهما وطلبت مغادرتهما أراضي الكويت خلال 24 ساعة.

ويأتي ذلك بعدما أكدت القيادة المركزية الأميركية أنها تمكّنت من التصدّي بنجاح لعدد من الصواريخ الباليستية والمسيّرات الإيرانية، ونفّذت ضربات دفاعية على جزيرة قشم، ردًا على محاولات هجوم شنّتها إيران في أنحاء الشرق الأوسط ليل الثلثاء - الأربعاء. وأوضحت أن إيران أطلقت صواريخ باليستية عدّة في اتجاه دول مجاورة في المنطقة، إلا أنّها جميعها فشلت في إصابة أهدافها المقصودة، فسقط صاروخان إيرانيان أُطلقا في اتجاه الكويت قبل بلوغ هدفهما أو تفكّكا في الطريق، فيما اعتُرضت ثلاثة صواريخ أُطلقت في اتجاه البحرين على الفور من قبل قوات الدفاع الجوي الأميركية والبحرينية.

في المقابل، تبنّى "الحرس الثوري" مهاجمة الكويت والبحرين، مدّعيًا أنه استهدف قاعدة علي السالم الجوية التي تضمّ جنودًا أميركيين في الكويت ومقرّ الأسطول الخامس الأميركي في البحرين، ردًّا على هجوم أميركي على سفينة في مضيق هرمز وعلى جزيرة قشم. وبينما نفى "الحرس" مهاجمة مطار الكويت الدولي، جزم الجيش الأميركي بأن إيران "استهدفت المطار المدني بمسيّرات في هجوم متعمّد ومدروس وغير مبرّر". ودانت الخارجية الإيرانية "بشدّة الخطوات العدائية للجيش الأميركي الإرهابي الذي هاجم ناقلة نفط إيرانية في مضيق هرمز ومحطة اتصال على جزيرة قشم في وقت مبكر صباح الأربعاء"، محمّلة "المسؤولية المباشرة والصريحة لقادة الكويت والبحرين في الخطوات العدائية التي نُفّذت" ليل الثلثاء - الأربعاء.

دبلوماسيًا، توالت الإدانات العربية والدولية للهجمات الإيرانية على البحرين والكويت، إذ اعتبر "مجلس التعاون الخليجي" أن هذه الاعتداءات الجبانة على الأعيان المدنية والبنى التحتية والمقرّات والبعثات الدبلوماسية، تمثّل تصعيدًا خطرًا وغير مسبوق، وتعكس إصرار النظام الإيراني على انتهاج سياسات عدائية مرفوضة تستهدف أمن دول المجلس. وشدد على أن دول المجلس تقف صفًا واحدًا في مواجهة هذه الاعتداءات، وتدعم بشكل كامل كافة الإجراءات والتدابير التي تتخذها البحرين والكويت للدفاع عن أمنهما.

وأكد المستشار الدبلوماسي للرئيس الإماراتي أنور قرقاش أنه "لا بد من موقف خليجي صلب وموحّد ومتماسك. فلا يجوز أن تُترك أي دولة خليجية تواجه الاستهداف منفردة، فيما أمن دول الخليج العربي مترابط، ومصالحها مشتركة، ومصيرها واحد"، جازمًا بأن "هذا العدوان لا يستهدف دولة بعينها، بل يستهدفنا جميعًا". ودانت المملكة المتحدة الهجوم المروّع على المدنيين في مطار الكويت الدولي بأشدّ العبارات، مؤكدة "تضامنها الكامل مع شعب الكويت وشركائنا في الخليج الذين يستحقّون الأمن".

إلى ذلك، كشفت البحرين أنها اعتقلت 15 شخصًا بناءً على ما أسفرت عنه التحرّيات والتقارير الأمنية في شأن المقبوض عليهم سابقًا في قضية عملاء إيران في البحرين، المرتبطين بوكلاء "الحرس الثوري" المتواجدين في إيران. وأوضحت أن الأشخاص الـ 15 يمثّلون المنفّذين الميدانيين الذين يعملون على تنفيذ التوجيهات التحريضية من خلال محاولة التأثير على المواطنين.