كان الشيخ بيار الجميّل يفضّل، أن يكون الشيخ أمين رئيسًا للجمهورية أو رئيسًا لحزب "الكتائب" من بعده. ولكنّ الشيخ بشير خرق المحظور وصعد نجمه بسرعة بعد "حرب المئة يوم" وبدأ يتوغّل في بسط نفوذه على القرار في حزب "الكتائب". الدكتور نجّار الذي واكب من داخل سلطة القرار في الحزب تلك المرحلة يروي كيف صار بشير الجميّل الرجل القوي في الحزب، ويحكي عن شخصيته ومميزاته القيادية، ويعود إلى خلوة دير سيدة البير التي نصّ بيانها الختامي على التعدّدية الحضارية، بينما أصرّ الشيخ بيار على التمسّك بالصيغة وكان يدعو في الحزب إلى مكافحة الذين يطالبون بتخطّيها وباعتماد الفدرالية، أو التقسيم. هذه الوقائع يتابع روايتها الدكتور نجار في هذه الحلقة الثالثة من "نداء السنين".
صار الياس سركيس رئيس جمهورية. في عهده بعد "حرب المئة يوم" بدأ يبرز دور الشيخ بشير الجميّل سياسيًا وعسكريًا وبدأ يسيطر على القرار ويعمل "مكتبا سياسيا" داخل المكتب السياسي في حزب "الكتائب".
كيف تطوّرت عملية سيطرته على القرار داخل الحزب؟
بشير الجميّل أعرفه منذ كان صغيرًا.
كان تلميذك في الجامعة اليسوعية؟
قبل ما يصير تلميذي. أعرفه كان حرِك وعندو شجاعة فائقة وحماس قوي جدًّا وكان عنده فكرة إنّو لازم يطحش على أعداء "الكتائب". ما بدّي أحكي عن مآثره. عم أحكي عن شاب كثير شجاع، وشربان روح والده، وتصادمي. لكن أعتقد شخصيًّا أنّه في عيلة الشيخ بيار كان التفضيل للشيخ أمين. الشيخ بيار كان يعتبر أنّ أمين هو الأَولى بأن يصل إلى سدّة الرئاسة أو أن يتولّى يومًا ما رئاسة الحزب، وأنّ بشير يجب أن نضبطه إلى حدٍّ ما. أكثر من ذلك لم يكن عند بشير سوابق داخل الحزب إلا عندما استشهد وليم حاوي وصار هو رئيس المجلس الحربي محلّه. بشير الجميّل لم يعمل مكتب سياسي ضمن المكتب السياسي. كان أحد أعضاء المكتب السياسي وكان له هذا الحق بحكم وظيفته كرئيس للمجلس الحربي. عندما حصلت حرب المية يوم تصرّف بشير الجميّل ببطولة منقطعة النظير. صورته على القنطاري خلال المعركة وهو يحمل البندقية مشهورة جدًّا. كانت عنده جرأة وكان خلال الحرب في الأشرفية يدور على المقاتلين ويشجّعهم، ونظّم المقاومة بشكل غير مسبوق وكانت تلك المعركة أوّل معركة خسرتها سوريا في لبنان. صار نجمه متألّقًا. بدأ يجمع حوله المثقفين والبارزين ورجال الأعمال والفكر ومَن عندهم كفاءات علمية. صار عنده مجموعة تابعة له وكانت مجموعة مرادفة أو موازية للمكتب السياسي. وبدأ يقوى نجمه ويكون ساطعًا لدرجة أنّ تصريحاته كانت تزعج كثيرًا الشيخ بيار. كان يجمعنا الشيخ بيار في أوتيل برنتانيا وفي المكتب السياسي أكثر من مرّة ليقول لنا ممنوع أن تكون هناك تصريحات. ممنوع حدا يحكي بلامركزية سياسية. ممنوع حدا يحكي بالتقسيم. نحنا ما عنّا إلا الصيغة. كان يسانده الياس ربابي وأدمون رزق ولويس ابو شرف وكتار من المقرّبين منه.
حتى في خلوة دير سيدة البير كانت هناك مشكلة معه حتى يقبل بالتعددية الثقافية. كانت المشكلة بينه وبين الرئيسين شمعون وفرنجية؟
لنكمل موضوع الشيخ بشير أولا. الشيخ بشير صار عنده فريق غاما. صار عنده نفوذ في العسكر والتسلح والعلاقات الخارجية. صار الحزب يزغَر والمجلس الحربي يكبَر لدرجة أنّ الشيخ بيار صار يعتبر أنّ القوى النظامية صارت تهدِّد الحزب، وهذا الأمر تطوّر. بهذه الأثناء حصل مؤتمر للرهبانية المارونية في الكسليك ضمّ تقريبًا كلّ المفكّرين وبصورة خاصة المسيحيين من فؤاد أفرام البستاني إلى الدكتور سعيد البستاني، روبير عبدو غانم وخيرالله غام وكثيرين غيرهم، وكنت منهم. كنت حريصًا أن أكتب في جريدة العمل. عندما وجدنا أنّ القوى النظامية صارت قويّة وتمدّدت أوسع من الكتائبيين إلى "التنظيم" و"الأحرار" طلبْتُ أن يكون إسمها "القوات اللبنانية" لا المارونية ولا المسيحية، وذات الشي عندما عملنا "الجبهة اللبنانية" كنت حريصًا أن يكون إسمها "الجبهة اللبنانية" وليس الجبهة المسيحية. بما أنّ الشيخ بيار كان ضدّ اللامركزية السياسية في لبنان وما بدّو إلا الصيغة، أبدًا. كنت مقتنعًا حتى في ممارستي في الجامعة اليسوعية مع الأب دوكرويه فرّعنا الجامعة. عملنا فرعًا في صيدا وآخر في طرابلس وفرعًا في زحلة. عملنا نوعًا من اللامركزية ولكن بقيت الجامعة واحدة. لذلك حرصت كليًا على هذا الأمر وكتبت مقالا بعنوان "تقاسيم التقسيم" طعنت فيه وقتها بكل الذين كانوا يريدون أن يشردوا عن الفكر الكتائبي الصحيح الذي كان مبنيًّا على وجوب المحافظة على صيغة التعايش والصيغة اللبنانية.
في الجبهة اللبنانية بداية 1977 كان التصريح واضحًا حول التعددية الحضارية والثقافية.
هذه النظرية من أين أتت؟ من شارل مالك. دُعيتُ للمشاركة في خلوة سيدة البير مطلع 1977 وكانت تضمّ إلى جانب "الكتائب" و"الأحرار" و"القوات اللبنانية" و"التنظيم" زعماء ومفكّرين وقامات من اللبنانيين، فؤاد أفرام البستاني، الأباتي شربل قسيس، شارل مالك، جواد بولس، سعيد عقل، أدوار حنين والرئيس فرنجية والرئيس شمعون والشيخ بيار الجميّل
شمعون وفرنجية كانا مع نظرية الفدرالية والتعدّدية الثقافية والشيخ بيار عاد ووافق؟
نعم. كلمة التعدّدية الثقافية حصل نقاش حولها وطال وبقي الشيخ بيار على موقفه مع الصيغة. الرئيس فرنجية لم يكن ممانعًا تطبيق الفدرالية لكن همّه كان القضاء على الخطر الفلسطيني. الرئيس شمعون حكى بالفدرالية. الرئيس شمعون كان ساحرًا عنده شخصية كاريزما من النادر أن تجدها في لبنان. الشيخ بيار كان يريد الصيغة. سعيد عقل كان بدّو البطل المنقذ. وقتها الرئيس شمعون نرفز منه وقال له: سكوت. صار يبكي سعيد عقل. تصرّف كان نابعًا من براءة القلب والنظرة الطوباوية إلى لبنان. عندما انتهت المناقشات بدأ إعداد البيان. الأباتي شربل قسيس. شارل مالك. سعيد عقل. الرئيس شمعون. الشيخ بيار. سليمان فرنجية طلعوا قعدوا في غرفة لوحدهم. بعد ساعة ونصف تقريبًا أتوا وقرأوا علينا البيان الذي تناول الثوابت التي حكينا عنها وفي الآخر حكى عن التعدّدية الحضارية في لبنان وأنّ كل فئة من اللبنانيين لها الحق في أن تكون عندها علاقات خارجية وأن تنظّم شؤونها. مع ذلك عاد الشيخ بيار وأخذ الكلام وأصرّ على الصيغة اللبنانية. صيغة التعايش. خارج الحلقة التي كنّا فيها طلعت الصرخة. تعددية حضارية؟ إنتو حضارتكم أحسن من حضارتنا؟ أنتم بمرتبة فيها حضارة ونحن ما عندنا حضارة؟ فُسِّرت كلمة التعدّدية الحضارية على أنّها نوع من المشاوفة وازدراء للدين الإسلامي. لذلك تعدّلت هذه العبارة وصارت التعدّدية الثقافية التي لا علاقة لها إطلاقًا بالحضارة ككلّ. لماذا شارل مالك كان وراء هذه العبارة؟ كانت تربطني علاقة وثيقة معه. كان يحبّ أن يستشيرني ويدعوني إلى منزله في المطيلب. فهمت هذا المقصد عندما ذهبت إلى أميركا حيث هناك أعراق مختلفة. لاتين، بيض وسود، بروتستانت وكاثوليك... حتى لا يقولوا إن فلان أسود وآخر أبيض، يقولون التعدّدية الثقافية وليس بمعنى الدين ولا العرق.
الشيخ بشير كان حاضرًا في خلوة سيدة البير. عام 1980 تقدّم كثيرًا بعد توحيد البندقية المسيحية. كان لك دور في إطلاق هذه التسمية؟
نعم. عندما حصلت قصة الصفرا كان لازم حدا يدرسها ويفكر فيها. ما كانت هجموا "القوات" على "الأحرار" وقتلوهم في الصفرا. هذا غير صحيح. لم تكن هناك إرادة من هذا النوع. ما أعرفه أنّ داني شمعون كان إلى حدّ ما راغبًا في أن تكون له حيثية لدرجة أنّ الرئيس شمعون كان يتحفّظ تجاه بعض تصرّفاته. داني كان شخصًا محبوبًا طلّته رائعة. شجاع. مقدام وعنده مزايا حلوة كثيرة. ولكن ليحافظ على حيثيّته العسكرية والمقاوماتية كان جماعته يستفزّون قوات بشير الجميّل وحصلت هذه الأمور في بعض ضواحي بيروت الشرقية في كفرشيما وغيرها. كانت هناك مجموعات محسوبة على "نمور الأحرار".
الرئيس شمعون استوعب العملية.
بعدين. هذا الأمر أدّى إلى ردّة فعل في الصفرا. مش إنو هجمنا على زغرتا لنقتل طوني فرنجية وهجمنا على الصفرا لنقتل الأحرار. هذا كلام غير مسؤول. مش صحيح.
لقراءة الجزء الأول من الحوار
يتبع
اغتيال بشير قطع ظهرنا وهذه قصة ترشيح أمين
موريس درايبر في بكفيا كان يريد شمعون