"المتاهة: هي مكان كثير التفرعات والمفترقات يضل فيه الإنسان ويتحير، أو صحراء لا علامة فيها يُهتدى بها.وفي المعنى المجازي: تعقيد وتشابك يضل الفكر (مثل: دخل في متاهات المشاكل)".
قد يكون افضل تفسير واقعي لمعنى المتاهة بالإضافة الى تفسير المعجم الجامع، هي في ردة فعل وكيل مرشد الثورة الاسلامية في لبنان الشيخ نعيم قاسم على البيان الصادر من الولايات المتحدة الاميركية والذي يتحدث عن "وقف اطلاق النار بين الجانبين الاسرائيلي واللبناني الرسمي"...فعلى رغم قوة الرفض والحزم الذي اتسّم به بيان قاسم،فان عودة امين عام الحزب الى الاختباء جسديا وراء البيان المكتوب لا المرئي ولا المقروء وبصورة وصوت غيره،مما جعل مؤيديه في حيرة من امرهم ومصيرهم بين "البأس" الذي يعد به قاسم انصاره ويتوعد به عدوه الاسرائيلي،وبين اليأس الذي بات يرتسم وينحفر في وجدان بيئة الحزب ومقاوميه ومسؤوليه على ما لمسناه في متاهة قاسم والتي اطلق عليها صفة البيان.
يقول قاسم في متاهته "ان المقاومة لم تعطِ التزاما لأحد بعدم مقاومة العدوان وما دامت قرانا غير آمنة فلن تكون المستوطنات آمنة" ...هنا فعند الاخ الاكبر الاستاذ نبيه بري الصامت حتى كتابة هذه السطور،عن ابداء رأيه،الخبرُ اليقين، اذ كشف الرئيس بري وفي اكثر من مناسبة ولاكثر من وسيلة اعلامية محلية ودولية انه أخذ التزاما بهذا المعنى والمضمون من الحزب...اما بالنسبة للآمان الذي يرفض قاسم في متاهته منحه للمستوطنات فقد سبق للتائه نفسه ان منحه "مطمئِنا"،مع استمرار العدوان والخرق والاستهدافات والاغتيالات اذ سبق له وكانه يكذِّب ما اورده في بيانه، ان قال في 11 تشرين الثاني 2025 ""كل أمن المستوطنات كان موجودًا بشكل عادي وطبيعي، ولا تستطيع إسرائيل أن تدّعي بأن أمنها معرض للخطر...ليقول في مكان آخر من كلمته تلك "لا توجد مشكلة على أمن المستوطنات ...حجة إسرائيل بالأمن المستقبلي، وهي الآن حققت أمنها وتعتدي، وواضح أن القدرات الموجودة عندها تحفظها لفترات طويلة من الزمن..."
اما في قول قاسم في متاهته بان الهدف الاساس من المفاوضات نزع سلاح المقاومة كمنطلق لأي اتفاق، يعني إعدام قوة لبنان، وتهديد وجودي بإبادة شعبه المقاوم"فترد عليه بنود دستور الطائف الذي ادعى قاسم ولمرات عديدة وفي متاهته الأخيرة انه تحت سقفه كمثل قوله"نعالج قضايانا ... تحت سقف الدستور والطائف" كما ترد عليه بنود القرار الدولي 1701 الذي يتعلق الحزب باهدابه اليوم،ويرد عليه رئيس الجمهورية اليوم بقوله "الاتفاق الذي تم التوصل إليه هو الفرصة الأخيرة، وإلا فليتحمل كل فريق مسؤولياته"ورد كذلك رئيس الحكومة على محاولة الحزب وقاسم في بيانه ادخال لبنان واللبنانيين في متاهته:"من يرفض تقديم مصلحة لبنان يتحمل وحده وزر ما قد يترتب على ذلك...أن خلو منطقة جنوب الليطاني من المسلحين والسلاح لم يفرض على المفاوضين اللبنانيين، بل هو ما تعهد به لبنان عند موافقته على قرار مجلس الأمن الدولي 1701 بالعام 2006"
كذلك في قول التائه في متاهاته "لا حرية القتل للعدو الإسرائيلي في لبنان" فيرد عليها الحزب المحتفل والمحتفي بانتصاره في وقفي اطلاق النار في 24 تشرين الثاني 2024 و 16 نيسان 2026،حيث تكررت العبارة نفسها التي وردت في متن اعلان واشنطن تاريخ الثالث من حزيران 2026 والتي اتاحت لاسرائيل استهداف الحزب ومواقعه تحت بند الدفاع المشروع عن النفس.
كم ان رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون على حق عندما نطق بلسان اللبنانيين محذرا من مغبة رفض الحزب لاعلان واشنطن الذي من شأنه "إعطاء إسرائيل الذرائع لعدم انسحابها" ليجاريه رئيس الحكومة اللبنانية القاضي نواف سلام بقوله :لقد أضعنا الفرصة عام 2000 بعد الانسحاب الإسرائيلي ثم بعد الانسحاب السوري عام 2005، ولا يجوز أن نضيّع هذه الفرصة أيضًا لأن تضييعها هذه المرة لا تُحمد عقباه"...وكعادة حزبه وعادة سلفه ها ان قاسم يضرب بعرض الحائط كل التحذيرات والتنبيهات والاحاطات الدبلوماسية والامنية والسياسية مستمرا في دورانه في حلقته المفرغة وفي متاهة اوهام انجازاته.
انطلاقا مما تقدّم وبدل ان يستدرك امين عام الحزب اخفاقات حزبه ومآل مقاومته،ها هو بعد هزيمته امام العدو الاسرائيلي يجد ضالته البديلة في العداء اللدود لشركائه اللبنانيين الرسميين وغير الرسميين روحيين وزمنيين مسلمين ومسيحيين...محاولا تسجيل انتصارات مهددا ملوحا بتحركات شارعية غير شرعية على المواطنين الآمنين في سياراتهم منازلهم داخل وخارج بيئة الحزب.
وكاننا بالدولة اللبنانية وبالمواطنين اللبنانيين من جميع الطوائف ولا سيما الشيعية ،بعد بيان نعيم قاسم،تقول بتصرّف مع الشاعر ابي العلاء المعري:"هذا ما جناه وسيجنيه الحزب علينا وما جنينا على أحد".