لماذا التربية الاعلامية؟ لأن الإعلام أحكم سيطرته على التلميذ مسلّياً، مربياً وموجِّهاً بعدما كانت تنحصر التربية في المدرسة أو المنزل. لأن التلميذ يتعرض يومياً الى كَمٍ هائلٍ من المعلومات والإعلانات التي تُقدّمها وسائل التواصل الاجتماعي التي باتت شريكاً قوياً (وربما شريك متفوق) للمدرسة في تكوين وبناء شخصيته. لأن التلميذ يقضي جُلَّ وقته مع وسائل التواصل الاجتماعي، التي تضعه في عزلة عن عائلته ومحيطه ولأن تجهيز المعلومة وتصنيعها بأناقة براقة للتسويق، يقود إلى تغيير معرفي، تغيير القيم في المجتمع وتغيير السلوك.
ولماذا التربية الإعلامية في المدارس تحديدًا؟ لأن المدرسة تصنع الانسان، تبني المجتمع وتضمن استمرارية الوطن... هي المؤسسة التربوية المؤهلة أكثر من غيرها لتنمية حسّ التزام التلميذ بالقيم الخُلقية، وألا يكون مستهلكاً سهلاً بل منتجاً ومشاركاً في العملية الإعلامية، واستخدام المحتوى بروح نقدية وحرية مبنية على حسن الإختيار وتوظيفه بكفاءة في اطار السياق الإجتماعي والثقافي والقيمي الذي يميّز مجتمعنا اللبناني.
هذه المقومات تطرح بقوة إشكالية التربية الاعلامية في عصر العولمة ورقمنة الإتصال والذكاء الإصطناعي. فهي تُعدّ التلميذ للتعامل الإيجابي مع المحتوى الاعلامي، كذلك تنشيط وتفعيل دور الأسرة التربوية لتكوين الحسّ النقدي لدى التلامذة. وتقوم على الأسس التالية: وعي، ثقافة، فكر، نقد، تحليل، تقييم، حوار، نقاش، مشاركة وانتاج محتوى.
وتتمحور التربية الاعلامية حول:
- المجتمع المعرفي بما فيه من تكوين تربوي حديث، البنى المعرفية، الثقافة، السلوك الاجتماعي، التفكير النقدي والبعد التربوي. هذه العوامل تُسهم مجتمعة في تكوين وتشكيل منطلقات التربية الاعلامية.
- اعتبار مهارات القرن الحادي والعشرين (التواصل، التعاون، التفكير الناقد، الإبداع...) منطلقًا لرسم ملامح المتعلّم اللبناني وتنمية شخصيته .
- إتّقان مهارات الثقافة الرقمية بوعي ومسؤولية.
- ترسيخ الثقافة الوطنية القائمة على العيش المشترك وحقوق الإنسان.
- وعي القيم الإنسانيّة، الوطنيّة، الاجتماعيّة، الفكريّة والروحيّة وممارستها في السلوكيّات اليوميّة.
- التفاعل الإيجابي مع التطورات العلميّة واستخدام الطرائق الناشطة وتكنولوجيا التعليم.
- الكفايات العلمية والمهارات والمعارف والثقافة هي في أساس بناء شخصية المواطن .
- ملامح المتعلم ينبغي أن تتلاءم مع عولمة التواصل والانفتاح المسؤول.
- رسم ملامح متعلم عالمي مع المحافظة على الأصالة والقيم الوطنية وترك المجال واسعاً للتحليل والاختبار والتعلم مدى الحياة.
- التعامل الواعي مع وسائل الإعلام وتنمية مهارات التفكير، بحيث يستطيع الطالب أن يكون متلقياً إيجابياً للرسائل الإعلامية، يحللها ويقومها، بل ويشارك في صياغتها بشكل تفاعلي. ويسعى مشروع التربية الإعلامية في المدارس- بناءً على توصيات مؤتمر فيينا الذي عقدته اليونيسكو في العام 1999 بشأن التربية الاعلامية وتوصيات المؤتمر الدولي الأول للتربية الإعلامية العام 2007- إلى :
أ- بلورة مفهوم التربية الاعلامية والرقمية في المجتمع التعليمي ونشر الثقافة التربوية والاعلامية والرقمية.
ب- ترسيخ التفكير النقدي وتشجيع حرية التعبير بمسؤولية ودقة.
ج- اكتساب مهارات كيفية قراءة مصادر المحتوى الاعلامي، تحليل المحتوى الاعلامي والنقد والانتاج والنشر والتفاعل ... انطلاقاً من الوعي الإعلامي والتثقيف التربوي.
د- كيفية التعامل مع مواقع التواصل الإجتماعي لنشر ثقافة التربية الإعلامية .
ه- التعاون مع المجتمع المدني والمؤسسات التي لها طابع التربية والإعلام .
وبهذه التربية يُمكن تفادي الخطورة التي باتت مستشرية لدى التلامذة (من الأطفال الى المراهقين فالشباب) وتُهدد عائلاتنا ومجتمعاتنا.
لذلك ولمستقبل تلامذتنا، نؤسس معاً اللوبي التربوي الذي يحمي تلامذتنا، باعتماد ما يفيدهم من المحتوى الاعلامي (الإفادة من الإيجابيات) ونبذ كل ما يُسيء لعاداتنا وقيمِّنا وحضارتنا وثقافتنا ومجتمعنا... فنصل الى تكوين الفكر النقدي وتمكين مهارات التلميذ لمعرفة قراءة وفهم وتحليل ومناقشة المحتوى الإعلامي وتوظيفه في إطار السياق الوطني والثقافي والإجتماعي والقيمي... وتنمية حرية اختيار الرسائل الاعلامية بمسؤولية شخصية ومجتمعية والقدرة على المشاركة والنقد والتربية على كيفية الاستفادة من ثورة المعلومات والانتباه من سيئاتها.
انطلاقًا مما سبق، تبدو الحاجة ملحة الى تدريس التربية الاعلامية لأن وسائل الاعلام باتت بين أيدي التلميذ على مدار الساعة ( الهاتف الخلوي مثلاً) وأحدثت تغييراً في أنماط التفكير والبنى الذهنية لما يتعرض له يومياً من المعلومات والاعلانات والصور...
استراتيجية المشروع في المؤسسة التعليمية
تكمن أهمية التربية الاعلامية في كيفية التعامل مع المحتوى الاعلامي. تتولى التربية الاعلامية تعليم التلامذة وتدريبهم على التعامل مع المحتوى الاعلامي باختيار ما هو إيجابي وتجنب ما هو سلبي والتحرر من الانبهار بالتكنولوجيات وأن يصبح أكثر وعياً ومسؤولية في إنتقاء المحتوى الاعلامي ... ما يؤدي ذلك الى: فهم محتوى الرسالة الاعلامية، كيفية المشاركة والانتاجية، احترام القيم والأخلاقيات، استنباط أفكار جديدة، التفكير الممنهج وإضفاء الجمالية على الإنتاج المعرفي والإبداع .
تُسهم التربية الإعلامية في تمكين التلميذ لمعرفة كيفية اختيار المضمون الاعلامي بمسؤولية ذاتية ونقد المحتوى الاعلامي والمشاركة الفعّالة، استخدام محتوى وسائل الاعلام بوعي وإدراك، فهم وتحليل وإنتقاء المحتوى الاعلامي وتوظيفه في السياق الإجتماعي والثقافي والقيمي الذي يميّز المجتمع اللبناني، تنمية القدرة على انتاج مادة اعلامية فعّالة والمناقشة والتحليل والنقد، تنمية الإبداع لدى التلميذ وتنشيط قدرته على الخيال والنقد والجدال والحرية، تكوين الرأي والحرية في التعبير، تكرار السؤال والعدّ للعشرة قبل الإجابة، أي قبل وضع لايك أو أي تعليق آخر، بناء قدرات التلامذة لاستيعاب الرسائل الاعلامية وتحليلها وانتقاء المفيد منها وتوظيفه في حياتهم، تطوير أداء التلميذ الاعلامي من خلال التراكم المعرفي، تنمية التفكير الناقد لدى التلامذة لمضامين المواد الاعلامية.
وتتولى التربية الإعلامية مساعدة التلميذ على أن يتعرّف على وسائل الإعلام وخصائصها واستخداماتها، التعرف على دوره إزاء وظائف وسائل الإعلام في المجتمع، كيفية اختيار الرسائل الإعلامية، تكوين الحس النقدي لديه، بناء الفكر الاتصالي والفكر النقدي للعملية الإعلامية، باعتباره - أي الفكر النقدي- القاعدة الأساسية للتعامل الصحيح مع وسائل الإعلام ومحتواها.
في الخلاصة، من خلال ثقافتنا وقيمّنا، نعّد تلامذتنا، نحصّن قدراتهم، ننمّي فكرهم ونكوِّن مسؤولية الوعي لديهم.