المحامي رفيق اورى غريزي

على حافة الليطاني... هل يكتب الحبر ما عجزت عنه المدافع؟

9 دقائق للقراءة

يجلس السفراء على مائدة واحدة في واشنطن، وتتحرك الأقلام فوق أوراق الخريف اللبناني الطويل، لتخطّ فصلاً جديداً من فصول "إعادة صياغة الشرق" تحت وهج النار. الإعلان الثلاثي المشترك الصادر عن وزارة الخارجية الأميركية، والذي زفّ اتفاقاً لبنانياً – إسرائيلياً لوقف إطلاق النار، لم يكن مجرد ترتيب أمني عابر، بل هو "وثيقة إذعان جيوسياسية" تعيد رسم التوازنات بالدم والحبر، وتجعل الاستقرار مشروطاً ببندٍ يكاد يلامس المستحيل: الوقف الشامل لهجمات "حزب الله"، وإخلاء جميع عناصره ومعداته من منطقة جنوب الليطاني. في هذا المشهد السريالي، تبدو بيروت وكأنها تسير مغمضة العينين نحو مرآة تاريخها، لترى فيه صوراً مكررة لفرص ضائعة، واتفاقيات ولدت عرجاء، وعهود دُفنت قبل أن تجف أحبارها.

التاريخ العربي مع المفاوضات الإسرائيلية لم يبدأ من طاولات جنيف أو منتجعات كامب ديفيد، بل ولد من رحم الغواية الدبلوماسية السرية حتى قبل إعلان قيام دولة إسرائيل عام ١٩٤٨. في كواليس عام ١٩٤٧، كانت الوكالة اليهودية بقيادة غولدا مائير تبحث عن شرعية بلا حرب، فكانت اللقاءات الشهيرة مع الملك عبد الله الأول في "نهاريا" لترتيب تقاسم غير معلن للأرض وتجنب الصدام الشامل. لكن حسابات الحقل لم تطابق حسابات بيدر الشارع العربي المحتقن، ليرد الملك بعبارته الشهيرة: "أنا لست سيد مصيري"، وتندلع النكبة لتثبت أن الدم كان دائماً أسرع من الحبر. هذا الإخفاق المبكر أسس للقاعدة التي حكمت المنطقة لعقود: السلام لا يولد بالتراضي، بل تفرضه موازين القوى في الميدان.

حين عبر الرئيس المصري أنور السادات جدار الخوف وزار القدس عام 1977 معلناً أمام الكنيست "جئت إليكم اليوم لكي نبني حياة جديدة"، كانت مصر تفاوض من موقع "الدولة المركزية الصلبة" وبأوراق جيش نظامي حقق إنجاز أكتوبر 1973. ورغم ذلك، كانت الطريق عرجاء وموحشة؛ واجهت مصر عزلة عربية شاملة وطُردت من جامعة الدول العربية، وتلقى السادات رصاصات الاغتيال عام 1981 في منصة العرض العسكري ثمناً لخروجه عن الإجماع. المفارقة الفاضحة تكمن في مقارنة كامب ديفيد بالواقع اللبناني الراهن؛ مصر فاوضت كدولة واستعادت سيناء كاملة وفككت المستوطنات، بينما لبنان يفاوض اليوم وهو في حالة "تفكك سيادي كامل"، حيث القرار الاستراتيجي مخطوف لصالح محور إقليمي، والجيش اللبناني يُطلب منه لعب دور "الحارس" لترتيبات أميركية فرضتها آلة الحرب الإسرائيلية.

وعلى ضفاف نهر الأردن، لم يكن مسار "وادي عربة" عام 1994 وليد صدفة، بل جاء ثمرة عقود من الدبلوماسية الهادئة والسرية التي قادها الملك الحسين بن طلال مع قادة إسرائيل من إسحق رابين إلى شيمون بيريز. الأردن تفاوض كبنية حكم متماسكة وحدود جغرافية مرسمة قانوناً، وحصل على اعتراف بدور خاص في المقدسات، لكن السلام ظل "أعرجا شعبيا"، عاجزاً عن اختراق الصالونات السياسية والنقابات المهنية التي فرضت مقاطعة صارمة للتطبيع. في المقابل، يندفع لبنان اليوم إلى مفاوضات على مستوى السفراء، وبشكل مباشر غير مسبوق في أروقة الخارجية الأميركية بين السفيرين ندى حماده ويشيل ليتر، ليس لتثبيت حدود معترف بها، بل لشرعنة "واقع أمني قسري" في عمق أراضيه، تحت ضغط نزوح أكثر من مليون ومائتي ألف لبناني، ودمار كامل لحق ببلدات الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية، حيث تشير الإحصاءات التقديرية إلى تدمير أكثر من 40 ألف وحدة سكنية ومحو قرى حدودية بأكملها من الخارطة.

أما الاتفاقيات الإبراهيمية التي هندستها إدارة دونالد ترامب عام 2020 مع الإمارات والبحرين والمغرب، فقد قفزت فوق معادلة "الأرض مقابل السلام" إلى "السلام مقابل الرفاهية والتحالفات الاستراتيجية". قادها جيل جديد من الدبلوماسيين بلا عقد تاريخية، وحظيت ببيئة داخلية مستقرة تدعم خيارات الدولة. شتان بين سلام الرفاه الخليجي و"سلام الإكراه" اللبناني؛ فالأول خيار جيوسياسي اختياري، بينما الثاني محاولة يائسة لوقف الإبادة والانهيار الشامل، حيث يفاوض اللبناني والمسيرات فوق رأسه وركام بيته تحت قدميه.

وفي قراءة الدفاتر القديمة، تبرز سوريا كصاحبة الفرص الضائعة الأكثر مأساوية. من مؤتمر مدريد 1991 إلى مفاوضات "شيفردستاون" عام 2000 بين فاروق الشرع وإيهود باراك، سقط السلام السوري – الإسرائيلي عند أمتار قليلة على شاطئ بحيرة طبريا، فيما عُرف بـ"وديعة رابين" التي تضمن انسحاباً كاملاً من الجولان. حتى المفاوضات غير المباشرة عبر تركيا عام 2008 ماتت في مهدها مع أول غارة على غزة. اليوم، تبدو دمشق خارج الجغرافيا السياسية للمفاوضات؛ جبهة الجولان صامتة بقرار من النظام، لكن الأرض السورية تحولت إلى صندوق بريد مستباح تقصف فيه الطائرات الإسرائيلية خطوط إمداد "حزب الله" والحرس الثوري الإيراني، دون أن تملك الدولة القدرة على الرد أو حتى حق الصراخ الدبلوماسي. وحتى الدول الأخرى التي حاولت تجربة هذا الكأس كالسودان الذي جمدت حربه الأهلية مسار تطبيعه، أو موريتانيا التي قطعت علاقاتها عام 2009، تؤكد أن السلام في هذا الشرق إما أن يكون شاملاً أو يتحول إلى لغم موقوت.

حين نضع المفاوضات اللبنانية الحالية في ميزان التقييم مع سابقاتها، يتضح أن لبنان لا يسير بخطى ثابتة صوب السلام، بل يهرول صوب "ترتيبات إذعان عسكرية". الفارق الجوهري بين ما يجري اليوم وما جرى في ثمانينيات القرن الماضي يبدو شاسعاً ومرعباً. في عام 1982، دخل بشير الجميل المفاوضات مدفوعاً بوهم "تحالف استراتيجي" ينهي الوجود الفلسطيني والسوري ويثبت حكماً مسيحياً قوياً، فاغتيل قبل التوقيع. ثم جاء شقيقه أمين الجميل ليوقع اتفاق "17 أيار 1983" الذي كان اتفاقاً دبلوماسياً بين دولتين لإنهاء حالة الحرب وربط الانسحاب الإسرائيلي بالانسحاب السوري. سقط ذلك الاتفاق في الشارع وتحت ضربات انتفاضة 6 شباط بقيادة كل من رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي آنذاك الزعيم وليد جنبلاط ورئيس حركة أمل الرئيس نبيه بري في بيروت، وألغاه الجميل رسمياً عام 1984 تحت مسمى "رفض الإملاءات".

اليوم، المشهد مقلوب تماماً ويدعو إلى السخرية السوداء؛ الاتفاق الحالي لا تقوده حكومة قوية تملك قرارها، بل تديره واشنطن عبر "مجموعة مراقبة عسكرية" ولقاءات سفراء. والمفارقة الصارخة هنا، تكمن في تلك "السمفونية الخشبية" المنفصلة تماماً عن الواقع والتي يعزفها "حزب الله". يخرج الشيخ نعيم قاسم بمواقف رافضة لوقف إطلاق النار، مهدداً بالتصعيد ومتحدثاً بنبرة واهمة عن "الانتصارات" و"معادلات الردع"، وكأنه يعيش في كوكب آخر!

يا لها من "دونكيشوتية سياسية" قاتلة! عن أي تصعيد يتحدث والبلاد دُمّرت، والناس هُجّرت، وبنيته العسكرية والقيادية أُنهكت وتلقّت ضربات قاضية؟ إن الإصرار على رفض الحلول والهروب إلى الأمام بشعارات التعبئة، ليس إلا مقامرة انتحارية بأشلاء ما تبقى من هذا الوطن. لقد أسقط اتفاق 17 أيار في الشارع يوم كانت عروبة لبنان وسيادته وحماية نسيجه هي العنوان. أما اليوم، فيأتي الرفض والتصعيد والتمسك بالسلاح لمصلحة أجندات إقليمية ومحاور لا يعنيها من لبنان سوى أن يكون ساحة بريد وصندوق ذخيرة لتهديد أمن المنطقة من أجل مصالح طهران! إنها "المغامرة غير المحسوبة" بأبهى تجلياتها، حيث يفاوض لبنان الرسمي بالسلاح المنكسر، والاتفاق يفرض تجريد الجنوب من مظاهر السلاح غير الشرعي، بينما قيادة الحزب تصر على العيش في قوقعة الأوهام الاستراتيجية.

من الناحية القانونية والدستورية، يمثل البند الأميركي الملحق بالاتفاق، والذي يمنح إسرائيل "حق التدخل العسكري الذاتي" في حال حدوث أي خرق، طعنة قاتلة في خاصرة السيادة اللبنانية. إن قبول الدولة اللبنانية بهذا الشرط، جاء كأفضل الممكن، ولا يتحمل تبعاته سوى الشيخ نعيم، كامتداد لسياسات سلفه ولو أن كان ذلك يعني تحويل الجيش اللبناني إلى قوة شرطة محلية تعمل تحت المراقبة الدولية، وتجريد الإعلان الدستوري من معناه الحقيقي الذي يحصر حق العنف الشرعي بيد الدولة.

هذا التنازل الجيوسياسي يفجر انقساماً داخلياً عميقاً؛ فالقوى السيادية والمعارضة ترى في الاتفاق فرصة تاريخية لتطبيق القرار 1559 والقرار 1701، واستعادة الدولة لقرار السلم والحرب وتفكيك الدويلة. في المقابل، ترى بيئة "المحور" والشارع المؤيد للمقاومة أن هذا الاتفاق يمثل "مؤامرة وطعنة في الظهر" تمت صياغتها في مطبخ واشنطن لإشعال فتنة داخلية بين الجيش وأبناء الجنوب، متناسين أن من فتح جبهة "المساندة" العبثية هو من استدرج هذا الخراب بقراره المنفرد، وأوصل البلاد إلى حافة الهاوية السحيقة.

لذلك، فإن توقعات مصير هذه المباحثات لا تحمل تباشير سلام مستدام، بل تؤشر إلى "هدنة مسلحة وهشة" معلقة على حبال التوازنات الإقليمية. شرط إخلاء جميع عناصر "حزب الله" من جنوب الليطاني وتفكيك بنيته التحتية، التي استغرق بناؤها أربعة عقود، هو شرط يحمل في طياته بذور انفجاره. كيف يمكن للجيش اللبناني أن ينفذ هذا البند دون صدام أهلي مدمر؟ وكيف يمكن للحزب أن يقبل بإلغاء وجوده العقائدي والعسكري في أرضه التاريخية دون تراجع استراتيجي من طهران؟ الإجابة تكمن في أن هذا الاتفاق هو "استراحة محارب" قسرية فرضتها الجغرافيا المستباحة والإنهاك العسكري، بانتظار تبدل موازين القوى في الصراع الكبير بين واشنطن وطهران.

اذا أردنا الاستقرار وإنهاء حالة الدمار والعدوان، فليس لدينا ما نعرضه على العدو، بل هنالك خيار واحد أمام "حزب الله"، وهو اما أن ينتصر بالدولة ويسلم لها، وإما أن ينهزم أمام العالم، ويفتت الدولة، ويسلم، وفي كلا الحالتين، ما من خيار سوى التسليم؛ التسليم للدولة ووضع حد للدمار، التسليم للعالم على أنقاض الدمار الشامل.

في نهاية المطاف، يمكن القول إن لبنان يبرع دائماً في الوقوف على رصيف التاريخ، ينتظر قطارات الآخرين ليصحح توقيته المحلي. في بلد يعيش بقلب معلق في طهران، وعين شاخصة صوب واشنطن، وجسد ينزف في الجنوب، يبدو أننا ننتقل من وهم "17 أيار" إلى واقع "4 حزيران". نجلس على طاولة السفراء، والبارود يملأ الأوراق قبل الحبر، لنكتشف مجدداً أن الخطوط الحمر الوحيدة في هذا الشرق ليست خط الليطاني أو الخط الأزرق، بل هي دماء الأبرياء التي تسيل بانتظار توقيع لن يأتي بالسلام، بل بـ"اتفاق إذعان أمني" في حروب الآخرين على أرضنا.

وعلينا واجب، في كل مناسبة، ألا ننسى شكر حزب الله؛ شكراً جزيلاً لـ"حكمة" قيادته ومغامراته" التي لم تجلب إلا الخير والرفاهية" للبنان! شكراً لأنكم نجحتم في تحويل قراه ومدنه إلى ركام، وحققتم "إنجازاً تاريخياً" جعل السيادة اللبنانية مجرد ورقة تفاوض مسحوقة تحت أقدام الكبار وفي مطابخ واشنطن!