14 حزيران، اليوم العالمي للتبرّع بالدم، هو مناسبة للتذكير بما يشكّله من ركيزة أساسية في القطاع الصحي، كونه يضمن فرصة جديدة للأمل والشفاء لمن يحتاج إليه بشكل طارئ أو مستدام، كمرضى السرطان والتلاسيميا والعمليات الجراحية وضحايا الحوادث. انطلاقًا من ذلك، وجب الإضاءة على أهمية التبرّع المنتظم والتشجيع على هذا العمل الإنساني الذي يعكس التضامن الاجتماعي والعطاء.
لا يقتصر التبرّع بالدم على كونه إجراءً طبيًا، بل هو ثقافة إنسانية تسهم في تعزيز التكافل بين أفراد المجتمع وتوفير مخزون دائم للمحتاجين في حالات الطوارئ، خصوصًا أننا نعيش في بلد لا يخلو من أحداث أمنية وحروب وحوادث.
لكنّ هذا الإجراء يخضع لشروط صحية أساسية لضمان سلامة المتبرع والمريض على حدّ سواء، وفق ما يحدد إيلي داغر، مدير قطاع خدمات نقل الدم في الصليب الأحمر اللبناني، فيؤكد ضرورة أن يكون المتبرّع بصحة جيدة ومستوفيًا الشروط التالية: "أن يتراوح عمره بين 18 و65 عامًا، ألا يقل وزنه عن 50 كلغ، أن ينتظر ثمانية أسابيع بين تبرّع وآخر، و12 شهرًا بعد العمليات الجراحية، كما الانتظار 14 يومًا في حال الزكام أو الحرارة، و12 شهرًا بعد إجراء وشم أو ثقب في الجسم، إضافة إلى التأكّد من تاريخه الصحي ومستوى الهيموغلوبين وضغط الدم والنبض ودرجة الحرارة والوزن قبل التبرع".
أمّا لجهة الشروط الأساسية لجمع الدم والتأكد من سلامته، فيقول: "يتم جمعه بواسطة طواقم تقنية مدرّبة على استخدام أدوات معقّمة ومطابقة لمعايير السلامة. كما تخضع كل وحدة دم لسلسلة من الفحوصات المخبرية للكشف عن الأمراض المنقولة عبر الدم وفقًا لمعايير وزارة الصحة، كفيروس نقص المناعة البشرية، والتهاب الكبد الفيروسي B وC، والأجسام المضادة للنواة لفيروس التهاب الكبد B، والزهري. فيتم حفظ الدم ونقله وفق معايير دقيقة تضمن سلامته وجودته".
ويشير داغر إلى سعي "الصليب الأحمر اللبناني" في خلال السنوات الماضية إلى تعزيز ثقافة التبرع بالدم في لبنان، إلا أنه، وعلى رغم التقدم الملحوظ في هذا الإطار، لا نزال نحتاج إلى دعم إضافي لترسيخ مفهوم التبرع المنتظم والطوعي غير المرتبط فقط بالحاجة الطارئة أو بطلب أحد الأقارب والأصدقاء.
ويتحدّث عن الدور الريادي الذي يقوم به الصليب الأحمر اللبناني في تقديم خدمات الدم على مستوى وطني، وذلك عبر 13 مركزًا موزعًا في معظم المحافظات اللبنانية، مؤكدًا إمكانية الاتصال على الرقم 1760 لطلب وحدات الدم أو لأخذ موعد للتبرع به.
ويضيف: "على رغم التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي مررنا بها، يُظهر اللبنانيون روحًا عالية من التضامن، خصوصًا في الأزمات. ولكن على رغم ذلك، يفوق الطلب ما هو متوافر، لذلك نحتاج إلى زيادة عدد المتبرعين الطوعيين الدائمين لضمان استدامة مخزون الدم على مدار السنة".
وردًّا على سؤال حول الأفكار الشائعة التي تحول دون التبرّع، يقول: "أفكار كثيرة، أبرزها الشعور المبالغ بالخوف من الإبرة والألم، علمًا أن عملية سحب الدم الفعلية تحتاج من 8 إلى 10 دقائق فقط. والاعتقاد الخاطئ بعدم قدرة الإناث على التبرّع بالدم، علمًا أنه يمكنهن التبرّع طالما أن الهيموغلوبين عند المستوى المطلوب".
وعن تأثير الأوضاع الاقتصادية أو الأزمات في نسب التبرع، يجيب: "تأثيرها مزدوج ومتناقض. من جهة، تدفع الأزمات الناس إلى التبرع دفعة واحدة استجابة للطوارئ، مثلما شهدنا بعد انفجار المرفأ وفي خلال فترات الحرب. لكن من جهة أخرى، تُضعف الضائقة الاقتصادية المستمرة قدرة المؤسسات على تنظيم حملات منتظمة، كما تؤثر في استقرار الكوادر البشرية المتخصصة. كذلك يُضعف القلق اليومي من الأزمات أولوية التفكير بالتبرع لدى الأفراد".
أمّا عن فوائد التبرّع بالدم، فيشير إلى أنه من أعمق أشكال التضامن الإنساني لأنه يجسّد مبدأ العطاء من دون مقابل، إذ يمكن فصل كل وحدة دم يتم جمعها إلى ثلاثة مكونات رئيسية، ما يعني أن تبرعًا واحدًا قد ينقذ حتى ثلاثة أرواح في آن واحد.
وعلى الصعيد المجتمعي، فالتبرّع بالدم للآخرين يُرسّخ قيمة إنسانية نبيلة مفادها أن حياة الآخر تستحق التضحية والعطاء بلا حساب، ما يعزّز روح التكافل والمسؤولية المشتركة.
ويحدد داغر الفئات الأكثر حاجة إلى نقل دم، وهي "مرضى السرطان الذين يخضعون للعلاج الكيميائي، والنساء المعرّضات لنزيف حاد أثناء الولادة، وضحايا الحوادث والكوارث والحروب. إلى ذلك، يُشكّل التبرع المنتظم شبكة أمان وطنية حقيقية تحمي المجتمع بأسره في أوقات الأزمات والطوارئ، إذ يصعب تأمين الدم الكافي في لحظات الضغط القصوى".
من جهة أخرى، يتحدث داغر عن استجابة الشباب للتجربة المباشرة عبر حملات الدم المتنقّلة في الجامعات، وعبر حملات التوعية على تلك الثقافة على منصات التواصل الاجتماعي التي تؤدي دورًا أساسيًا في خلال الأزمات لتوجيه المتبرّعين نحو مراكز التبرّع، لافتًا إلى حرصهم على أن تكون هذه التجربة سلسة ومريحة، خصوصًا أن نموذج التبرع الجماعي مع الأصدقاء يكسر الحاجز النفسي بشكل كبير.
واعتبر أيضًا أن المدارس هي المكان الأمثل لزرع القيم الإنسانية والسلوك الجيد وتعلّم أن التبرع فعل إنساني. كما يؤدي الإعلام الدور الأكبر في تصحيح المفاهيم الخاطئة وتقديم شهادات متبرعين حقيقيين وإبراز أثر التبرع على المرضى.
وأوضح داغر أن تطوير حملات التبرع بالدم في لبنان يتطلب التحول من العقلية الظرفية إلى العقلية المستدامة والمنظمة، لذلك تُعدّ الحملات من أكثر الأدوات فاعلية في توسيع قاعدة المتبرعين والوصول إلى شرائح جديدة من المجتمع، قائلا: "إنّ نجاح حملات التبرع بالدم المتنقلة لا يتوقف على الصليب الأحمر وحده، بل يتطلّب التزامًا حقيقيًا من الجهات المضيفة. أي يمكن أن تصبح الجامعات والشركات والمؤسسات والجمعيات شريكًا فاعلا من خلال استضافة الحملة في حرمها، ولا يعني ذلك توفير المكان فحسب، بل تبنّيها كقضية إنسانية، وتحفيز الموظفين والطلاب على المشاركة، والأهم أن تتحول إلى موعد سنوي ثابت لا يُلغى. فحين تلتزم جامعة، على سبيل المثال، بتنظيم حملة سنويّة في الموعد ذاته، تتشكّل تدريجيًا ثقافة مؤسسية راسخة. وحين تتبنّى شركة هذا النهج، تنقل رسالة واضحة مفادها أن المسؤولية الاجتماعية ليست شعارًا، بل ممارسة يومية.
هذا النموذج القائم على الشراكة المتجددة هو ما يحوّل التبرع من حدث استثنائي إلى عادة مجتمعية متجذرة، وهو الأساس الحقيقي لبناء مخزون دم وطني مستدام يُستخدم للاستجابة في وقت الأزمات وعند الحاجة".
وعن الاستجابة الفورية وقت الأزمات، يشير إلى خطط طوارئ محددة مسبقًا، "كالاحتفاظ بمخزون احتياطي من الدم يمكّننا من الاستجابة الفورية. كما تفعيل شبكة التواصل مع المتبرعين المسجلين لاستدعائهم بسرعة، ونقل وحدات التبرع المطلوبة بحسب توفرها إلى المستشفيات. كذلك التنسيق مع المستشفيات لتحديد الأولويات وإدارة المخزون بشكل مشترك".
ويلفت إلى أبرز التحديات التي تواجه نشاطهم، وهي عدم انتظام التبرع بالدم الطوعي، وصعوبة الوصول إلى مناطق جغرافية نائية، وتشتت الإقبال بحسب الأحداث الاقتصادية والسياسية والأمنية.
ويوجّه داغر أخيرًا، بهذه المناسبة العالمية، رسالة شكر وتقدير لكل متبرع، داعيًا كل المواطنين إلى اكتساب هذا الفعل كعادة منتظمة، والتبرّع كل 56 يومًا، لأن الحاجة يوميّة لا ترتبط بالطوارئ فحسب. أمّا المرأة التي أثبتت حضورها في كل ميادين العطاء، فيمكنها التبرّع 4 مرّات في خلال عام، ما يساهم في رفع منسوب التبرّع وإعطاء فرصة جديدة لإنقاذ حياة.
كما يوجّه شكره إلى حركة الصليب الأحمر والهلال الأحمر الداعمين والمموّلين لخدمات الدم من أجل استمرار هذه الخدمة الحيوية والأساسية في وقت الشدة.
