كتبت ميشيلا رزق في موقع the Beiruter المقال الآتي:
داخل مستشفيات لبنان، يبدو المشهد مألوفًا للوهلة الأولى.
أقسام الطوارئ تستقبل المرضى بلا توقف، وغرف العناية الفائقة تواصل عملها، والممرضون يتحركون بين الغرف والممرات تحت ضغط يومي متواصل.
لكن خلف هذا الإيقاع الذي اعتاده اللبنانيون خلال السنوات الأخيرة، تتراكم أزمة أقل ظهورًا وأكثر خطورة.
فالقطاع الصحي في لبنان لا يواجه فقط نقصًا في الأدوية أو أزمات كهرباء وتمويل، بل يواجه أيضًا استنزافًا متسارعًا في الكادر التمريضي الذي يقوم عليه عمل المستشفيات أساسًا. بين الهجرة، والإنهاك، وتراجع الرواتب، يغادر عدد متزايد من الممرضين والممرضات المهنة أو البلاد، فيما يتحمل من بقي منهم ضغطًا أكبر مع كل سنة تمر.
وبحسب بيانات مرتبطة بمنظمة الصحة العالمية، يضم لبنان نحو 1.67 ممرض وممرضة وقابلة لكل ألف شخص، وهي من أدنى النسب في المنطقة، وبفارق كبير عن المعدلات العالمية. وفي المقابل، يشكل الممرضون والممرضات الجزء الأكبر من القوى العاملة داخل المستشفيات، ما يجعل أي تراجع في أعدادهم ينعكس مباشرة على قدرة القطاع الصحي على الاستمرار.
وعلى عكس الأزمات التي تظهر بشكل مفاجئ، يحدث هذا التآكل ببطء. المستشفيات لا تُقفل دفعة واحدة، بل تستمر عبر تحميل عدد أقل من الممرضين مسؤوليات أكبر، ومناوبات أطول، وأقسامًا مكتظة، إلى أن يتحول الإرهاق نفسه إلى جزء من الحياة اليومية داخل المستشفى.
وعندما يبدأ أثر هذا النقص بالظهور بوضوح، يكون كثير ممن كانوا يحملون النظام الصحي على أكتافهم قد غادروا بالفعل.
مهنة تحمل عبء الانهيار
يبلغ عدد الممرضين والممرضات المسجلين في لبنان اليوم نحو 23 ألفًا، بحسب نقيبة الممرضات والممرضين في لبنان عبير كردي علامة، إلا أن هذا الرقم لا يزال أقل بكثير من حاجة القطاع الصحي الفعلية.
وتوضح علامة أن لبنان لا يواجه الأزمة منفردًا، فالعالم بأسره يشهد نقصًا متزايدًا في الكوادر التمريضية. ووفق الأرقام التي تستند إليها النقابة من منظمة الصحة العالمية، قد يحتاج العالم بين 4.5 و6 ملايين ممرض إضافي بحلول عام 2030، في وقت يعمل فيه حاليًا نحو 30 مليون ممرض وممرضة حول العالم.
لكن ما جعل الأزمة أكثر حدّة في لبنان ليس فقط حجم الضغط، بل استمراره لسنوات من دون أي استقرار فعلي. فالأزمات المتلاحقة حوّلت العمل تحت الضغط من حالة طارئة إلى واقع يومي داخل المستشفيات، إلى درجة بات معها الإنهاك جزءًا طبيعيًا من وظيفة التمريض نفسها.
وعلى عكس قطاعات كثيرة تعطلت أو تراجعت بفعل الانهيار، لم يكن بإمكان القطاع التمريضي أن يتوقف. المستشفيات احتاجت إلى طواقم ليلية، وغرف العناية الفائقة تطلبت مراقبة مستمرة، فيما بقيت أقسام الطوارئ تستقبل المرضى على مدار الساعة.
وتؤكّد علامة أنّ "التمريض ليس مجرد مهنة تحتاج إلى تعليم أكاديمي، بل يحتاج إلى ذكاء عاطفي، وقدرة على التواصل، وتحمل نفسي وجسدي كبير لأن الضغط داخل هذه المهنة هائل".
ورغم هذا الضغط المستمر، لا يزال كثير من الممرضين يشعرون بأن حجم التقدير الذي يحصلون عليه، ماديًا ومعنويًا، لا يعكس حجم ما يقدمونه يوميًا داخل المستشفيات.
وتضيف علامة أنّ "التقدير المادي والمعنوي الذي يحصل عليه الممرض أقل بكثير من حجم العطاء الذي يقدمه".
مستشفيات بأعداد ناقصة
في أروقة المستشفيات، لم يعد النقص في الكوادر التمريضية مجرد أزمة إدارية أو رقم يُذكر في التقارير، بل أصبح جزءًا من الواقع اليومي للعمل داخل الأقسام.
في كثير من الأقسام الطبية، لم يعد الضغط حالة طارئة، بل جزءًا من يوميات العمل. ممرضون ينتقلون باستمرار بين غرف مكتظة، وهواتف لا تتوقف عن الرنين في مراكز تمريض تعمل أساسًا بأعداد ناقصة.
خلال المناوبات الليلية، قد يتولى ممرض واحد متابعة مرضى قسم كامل، بين أجهزة المراقبة، واتصالات العائلات، وضغط الحالات الطارئة.
ومع كل ممرض يغادر، يزداد الضغط على من يبقى. المناوبات تصبح أطول، والإرهاق أكبر، فيما يدفع هذا الاستنزاف المتواصل مزيدًا من العاملين إلى الاستقالة أو الهجرة.
وبحسب عبير كردي علامة، تجاوزت نسب التمريض إلى المرضى في عدد من المستشفيات الحدود الآمنة منذ سنوات.
وتوضح علامة أنّ "المعدل المثالي هو ممرض لكل ستة أو ثمانية مرضى كحد أقصى، لكن الواقع مختلف. أحيانًا يكون الممرض مسؤولًا عن عشرة مرضى، وفي المناوبات الليلية قد يصل العدد إلى 15 أو حتى 20 مريضًا.»
ومع تصاعد الضغط داخل المستشفيات، لم يعد الممرضون يواجهون فقط الإرهاق الجسدي والنفسي، بل أيضًا غضب المرضى وعائلاتهم.
وتضيف علامة أنّ "العنف داخل أماكن العمل في ازدياد، وليس بالضرورة أن يكون جسديًا. في كثير من الأحيان يكون عنفًا لفظيًا بسبب الضغط الهائل وعدم قدرة الطواقم على تلبية كل الطلبات".
ويصف ممرضون تعرضهم بشكل متكرر للوم المباشر بسبب التأخير أو الاكتظاظ أو نقص الكوادر، رغم أنهم أنفسهم يعملون في ظروف تتجاوز قدرتهم البشرية.
الانهيار المالي للمهنة
لم يكن قطاع التمريض بمنأى عن الانهيار الاقتصادي الذي أصاب لبنان، لكن الأزمة هنا بدت أكثر قسوة. فالمهنة بقيت أساسية ولا يمكن الاستغناء عنها، فيما تراجعت القدرة المعيشية للعاملين فيها بشكل حاد.
وبحسب نقابة الممرضات والممرضين، لا يزال نحو 40 إلى 50 بالمئة من الممرضين والممرضات في لبنان يتقاضون أقل من 700 دولار شهريًا، بمن فيهم أشخاص يملكون سنوات طويلة من الخبرة داخل المستشفيات.
وتوضح عبير كردي علامة أن النقابة اقترحت حدًا أدنى للرواتب يتراوح بين 850 و900 دولار للممرضين الجدد، إلى جانب زيادات مرتبطة بالخبرة والتعليم المستمر، إلا أن العديد من المؤسسات لا تزال لا تأخذ سنوات الخبرة بعين الاعتبار بشكل فعلي ضمن هيكل الرواتب.
ومع تراجع القدرة الشرائية وارتفاع كلفة المعيشة، بات القطاع يواجه صعوبة متزايدة في الاحتفاظ بكوادره.
وفي هذا السياق تؤكّد علامة أنّ "هناك ممرضون يتخرجون، يعملون لسنتين فقط، ثم يغادرون البلد".
وبالنسبة لكثير من العاملين في القطاع، لم تعد الهجرة مجرد خطوة مهنية أو فرصة لتحسين الدخل، بل أصبحت محاولة للخروج من حالة استنزاف مستمرة، ومن واقع معيشي يزداد صعوبة عامًا بعد عام.
الهجرة الكبرى
بين عامي 2020 و2021 فقط، غادر نحو 3 آلاف ممرض وممرضة لبنان، بحسب أرقام نقابة الممرضات والممرضين، فيما لا تزال الهجرة مستمرة حتى اليوم بوتيرة شبه ثابتة.
"الهجرة لم تتوقف. هناك ما بين 220 و250 ممرضًا يغادرون سنويًا".
لكن ما يثير القلق أكثر، بحسب النقابة، ليس فقط عدد الذين يغادرون، بل طبيعة الكوادر التي يخسرها القطاع. فالهجرة لم تعد تقتصر على الممرضين الجدد، بل تشمل أيضًا أصحاب الخبرة الطويلة الذين أمضوا سنوات داخل المستشفيات اللبنانية.
وتوضح علامة أنّ "الممرض يعمل ضمن مؤسسة في الخارج ويؤسس لحياة مستقرة، لذلك غالبًا لا يرجع."
وعلى عكس عدد من الأطباء اللبنانيين الذين قد يعودون لاحقًا إلى البلاد بعد سنوات من العمل في الخارج، فإن نسبة كبيرة من الممرضين الذين يهاجرون تستقر نهائيًا خارج لبنان.
ما تخسره المستشفيات اليوم لا يقتصر على الأعداد، بل يشمل الخبرة والاستقرار أيضًا.
والمفارقة أن الممرض اللبناني لا يزال مطلوبًا بقوة في الخارج، بفضل مستواه التعليمي، وقدرته على العمل بلغات متعددة، وخبرته في التعامل مع ظروف معقدة وضاغطة.
لبنان اليوم يدرّب ممرضين يحتاجهم العالم، فيما يكافح للحفاظ عليهم داخل مستشفياته.
"أهم من الأجهزة"
تشدد نقابة الممرضات والممرضين على أن جزءًا من المشكلة لا يرتبط فقط بالنقص في الأعداد، بل أيضًا بطريقة تعامل بعض المؤسسات الصحية مع القطاع التمريضي نفسه.
فبحسب عبير كردي علامة، لا تزال بعض المستشفيات تنظر إلى أزمة التمريض كمسألة مرتبطة بتغطية الشواغر أو خفض التكاليف، من دون التعامل معها كخطر مباشر على جودة الرعاية الصحية واستقرار العمل داخل الأقسام.
"بعض المؤسسات تعتقد أنها توفّر المال، لكنها في الحقيقة تخسر الخبرة والاستقرار".
فالممرض الجديد يحتاج إلى وقت وخبرة ميدانية قبل أن يصبح قادرًا على إدارة الضغط واتخاذ القرارات بسرعة داخل الأقسام الحساسة، فيما يؤدي تبدل الكوادر بشكل مستمر إلى خسارة الخبرة التراكمية داخل المستشفيات.
وفي المقابل، يلعب الممرضون أصحاب الخبرة دورًا أساسيًا في تخفيف الأخطاء الطبية، وتنظيم العمل داخل الأقسام، والتعامل مع الحالات الطارئة، والحفاظ على استقرار فرق العمل.
وتضيف علامة، "أحيانًا يكون الممرض صاحب الخبرة أهم من الأجهزة الطبية المتطورة".
وتختصر هذه العبارة واقعًا يتكرر أكثر فأكثر داخل القطاع الصحي اللبناني: فالمعدات يمكن تعويضها، أما الخبرة البشرية فخسارتها أصعب بكثير.
الممرضون الغائبون عن القرار الصحي
رغم أنهم يشكلون العمود الفقري للعمل اليومي داخل المستشفيات، لا يزال حضور الممرضين محدودًا داخل مواقع القرار والإدارة الصحية.
ومنذ سنوات، تطالب نقابة الممرضات والممرضين بإشراك الكادر التمريضي بشكل أكبر في مجالس الإدارة، والتخطيط الصحي، والهيكليات الإدارية داخل المستشفيات، انطلاقًا من أن الممرضين هم الأكثر احتكاكًا بالتفاصيل اليومية للعمل داخل الأقسام.
"لا يمكن وضع خطط صحية من دون الممرضين".
لكن، بالتوازي مع تفاقم الأزمة داخل المستشفيات، لا تزال الإصلاحات المتعلقة بأوضاع الممرضين تتحرك ببطء شديد داخل المؤسسات الرسمية.
وتشير علامة إلى أن اقتراحات مرتبطة بزيادة موارد صندوق التعاضد وتأمين معاشات تقاعدية لائقة للممرضين لا تزال عالقة منذ أكثر من ثلاث أو أربع سنوات داخل اللجان النيابية، وخصوصًا لجنة المال والموازنة.
وتؤكد علامة أن المشكلة في لبنان لا تكمن فقط في طرح الملفات، بل في بطء المسار التشريعي والإداري الذي تبقى فيه الاقتراحات عالقة لسنوات داخل اللجان الرسمية، رغم الحاجة الملحّة إليها داخل القطاع.
وتشير إلى أن اقتراحات مرتبطة بزيادة موارد صندوق التعاضد وتأمين معاشات تقاعدية لائقة للممرضين لا تزال عالقة منذ سنوات داخل اللجان النيابية.
وتضيف "النقابة قد تكون ناشطة ومنظمة، لكن المطلوب أيضًا أن تكون هناك سرعة من قبل الدولة حتى نستطيع الاستفادة فعليًا".
ثم تختصر الأزمة كلها بجملة واحدة: "التمريض لا يستطيع الانتظار".
التآكل الصامت للنظام الصحي
رغم سنوات الانهيار والأزمات المتلاحقة، لا تزال المستشفيات اللبنانية تعمل وتحاول الحفاظ على الحد الأدنى من قدرتها على الاستمرار. لكن هذا الصمود لم يكن نتيجة استقرار فعلي داخل القطاع الصحي، بل نتيجة ضغط متواصل تحمله العاملون فيه، وخصوصًا الكادر التمريضي.
فبقاء المستشفيات مفتوحة لا يعني بالضرورة أن النظام الصحي لا يزال متماسكًا.
واليوم، لم تعد أزمة القطاع الصحي في لبنان مرتبطة فقط بالتمويل أو البنية التحتية أو نقص الأدوية، بل أصبحت أيضًا أزمة بشرية تتعلق باستنزاف الكوادر التي يقوم عليها النظام الصحي أساسًا.
لبنان لا يخسر ممرضين بالأرقام فقط، بل يخسر الخبرة، والاستقرار، وأشخاصًا أمضوا سنوات في المستشفيات قبل أن يقرروا الرحيل، في وقت بات فيه كثير من الممرضين الشباب يرون مستقبلهم خارج هذه المهنة أساسًا.
وتؤكّد علامة: "التمريض لا يحافظ فقط على المؤسسات الصحية، بل يحافظ على كل فرد في المجتمع".
ورغم أن المستشفيات اللبنانية لا تزال قادرة على الاستمرار حتى اليوم، فإن الكوادر التي تُبقي هذا القطاع قائمًا تغادر تدريجيًا، وسط ضغط متواصل واستنزاف لم يعد كثيرون قادرين على تحمّله.