ميشال الدكاش

شجاعة الحداد السياسي: طريق التعافي المجتمعي

6 دقائق للقراءة

حين تصبح الهزيمة عارية أمام التاريخ، لا يخشى المستبد سقوط الجدران بقدر ما يخشى استيقاظ الجماهير من تخدير "الحلم أم الوهم"، فالعقل النرجسي يفضّل إحراق العاصمة وتقديم شعبه قرباناً، على الاعتراف بأن خارطة انتصاراته لم تكن سوى حبرٍ زائف على رمل طموحاته المريضة.

في نيسان من عام 1945، وتحت أمتارٍ من الخرسانة المسلحة في برلين، كان أدولف هتلر يدير حرباً غير موجودة إلا في دماغه المصاب بجنون العظمة. فوق الأرض، كانت المدافع السوفيتية تمزّق ما تبقى من أشلاء الرايخ، بينما في قاع الـبونكر (الملجأ الحصين)، كان الفوهرر يستيقظ متأخراً تحت تأثير حقن "الميثامفيتامين"، ليصرخ في وجه جنرالاته المنهكين، ويوزّع الأوامر بشنّ هجمات مضادة بجيوشٍ تبخرت وفيالق استحالت أشباحاً على ورق.

كان يصرّ على أن هجوم الجنرال "شتاينر" سيفكّ الحصار، متجاهلاً أن الأخير لم يكن يملك عتاداً لتحريك شاحنة واحدة. هذا الانفصام الكارثي عن الواقع ليس مجرد جهل عسكري متراكم، بل هو إنكار صادم يمثل أعلى درجات الآليات الدفاعية النفسية لحماية "الإيغو" المتضخم من التهاوي. فالاعتراف بالهزيمة يعني سحق الأسطورة التي بُنيت لعقود، والشخصية النرجسية تفضل فناء العالم بأسره على أن يُقال إنها أخطأت الحساب.

خارج جدران الملجأ، كانت الماكينة الدعائية بقيادة "جوزيف غوبلز" تضخّ آخر جرعات التضليل، مبشرة "بالأسلحة السرية الوشيكة" ومتحدثة عن "النصر الحتمي" كقضاء وقدر لا يُرد. هذه البروباغندا المسمومة لم تستهدف كسب الحرب، بل استدرجت المجتمع إلى حالة من "الهستيريا الجماعية الطيعة"، حيث سِيقَ أطفال وشيوخ تمّ تجنيدهم بعد تأسيس ميليشيا وطنية عُرفت باسم "فولكسشتورم" (Volkssturm) أو "عاصفة الشعب" كما أيضاً منظمة "شباب هتلر" (Hitlerjugend)، ليموتوا في طوابير عبثية دفاعاً عن شعارات العزة ومجد الرايخ المتهالك.

لقد تحول الصدق في هذا المناخ الخانق إلى "خيانة عظمى"، وأصبحت الواقعية بمثابة فحص دم وطني فاشل. الخطورة في نموذج "القيادة الموهومة" تكمن في تدهور القيم الإنسانية أمام العنجهية النازية الذي مارسته على بيئتها. فالجنرالات واصلوا طقوس الطاعة العمياء خوفاً من "محاكم الدم"، والجماهير ابتلعت البروباغندا السامة كآلية دفاعية جماعية لتفادي مواجهة الحقيقة المروعة: أن تضحياتهم الهائلة ذهبت سدىً في سبيل وهمٍ عاجز عن تأمين سقف أمان واحد يجنّبهم شر الانهيار.

إن الحكمة التاريخية والسياسية السلوكية تؤكد أن "البونكر" ليس مجرد موقع خرساني، بل هو حالة عقلية عابرة للأزمنة. وحين ينتهي العصر وتتحول المدن إلى رماد، يبرز رعب القيادات النرجسية وتجار الأساطير من مصطلح علمي محدد: "الحداد السياسي" (Political Mourning).

يُعرّف هذا المفهوم في التحليل النفسي-السياسي بأنه العملية الجماعية الواعية التي تقرّ فيها الجماعة بانتهاء مرحلة، وبطلان سردية معينة، لتقف بشجاعة أمام مرآة الحقيقة وتقول: "لقد هُزمنا والمشروع انكسر... فكيف نحدّ الخسارة؟". هذا المسار هو الطريق الطبيعي الوحيد لشفاء المجتمعات وإعادة بنائها على أسس واقعية، كما حدث في أوروبا ما بعد عام 1945. لكن، لماذا يرتعد بائعو الأوهام ذعراً من هذا الحداد بالذات ويرفضون السماح بحدوثه؟

السبب الأول يكمن في شرعية القدسية العاجزة. القيادة الشمولية لا تبني شرعيتها على الإنجازات الاقتصادية أو تأمين الاستقرار، بل تبنيها حصراً على سردية البطولة المطلقة والنصر الإلهي. السماح بالجنازة المعنوية للمشروع يعني تجريد القيادة من هالتها الغيبية وتحويلها إلى مجرد مجموعة سياسية أخطأت في حساباتها وتسببت بالكارثة. أما السبب الثاني، فهو رعب "المحاسبة السلوكية". فالحداد السياسي يكسر الانفصال عن الواقع المبرمج، ويمنح الناس المساحة النفسية للتساؤل: "لماذا فقدنا مقومات أماننا الأساسية؟ ولماذا انتهى بنا المطاف إلى كل هذا الفقدان والخراب؟" هذه الأسئلة تحوّل الطاقة العاطفية للجماهير من "الغضب الموجه نحو العدو الخارجي" إلى "وعي نقدي موجه نحو الداخل المسؤول"، وهو ما ينسف منظومة السيطرة من جذورها.

لتأجيل المواجهة، تلجأ القيادات المنعزلة في خنادقها النفسية إلى الإنكار اللغوي، مستبدِلة أوجاع الناس بشعارات فوقية تُعمّق الانفصال عن مرارة الواقع. إن فوبيا "الحداد السياسي" هي تهربٌ من الحقيقة، فالنهضة لا تولد من إنكار الخسارة، بل من شجاعة النظر في مرآتها. فالمجتمع المجروح يحتاج اليوم إلى قيادة تشاركه عبء الانكسار وتتعاطف مع أوجاعه بدلاً من المكابرة حيث الإقرار بالواقع والدخول في الحداد السياسي ليس نهاية المطاف، بل هو أسمى درجات التعاطف القيادي، والعقد الاجتماعي والنفسي الجديد الذي يلملم الشتات ويزرع أملاً حقيقياً يُبنى بالصدق والمحبة، لا بالشعارات والخوف.

وفي المحصلة، فإن شجاعة الحداد السياسي ليست ترفاً فكرياً، بل هي الجسر الإلزامي الوحيد للعبور بالمجتمعات من ضفة الانكسار إلى ضفة النهوض، تماماً كما تُثبته الأمثولة الألمانية بعد عام 1945.

في علم النفس السياسي، يُشير الباحثان الألمانيان ألكسندر ومارغريت ميتشرليش في دراستهما التاريخية الشهيرة "العجز عن الحزن (The Inability to Mourn)"، إلى أن المجتمع الألماني عاش بعد سقوط هتلر ما عُرف بساعة الصفر (Stunde Null)حيث انهار كل شيء فجأة. في البداية، وقع المجتمع في فخ "الإنكار الجماعي" لحماية الوعي من صدمة الهزيمة وفداحة الخسارة.

فكيف حدث التعافي إذن؟

النهوض الألماني المعجز لم يبدأ بصبّ الخرسانة وإعادة إعمار المنازل والمصانع، بل بدأ برصيد من الشجاعة السيكولوجية والسياسية عندما قرر المجتمع وتحديداً الأجيال الشابة لاحقاً كسر جدار الصمت والإنكار، والدخول في عملية نقد ذاتي ومواجهة علنية للماضي عُرفت تاريخياً بـ (Vergangenheitsbewältigung) أو "مواجهة الماضي والحداد عليه".

لقد وقف الألمان بشجاعة أمام مرآة التاريخ، وبكوا ضحاياهم وخساراتهم، وأعلنوا بوضوح موت "السردية النازية" دون مكابرة. هذا "الحداد السياسي" الجماعي والمؤلم هو الذي حرر الطاقة النفسية للمجتمع، فبدلاً من استهلاك الجهود في اختلاق أعذار للهزيمة أو حراسة جثة المجد الزائف، وُجهت هذه الطاقات لبناء دولة ديمقراطية حديثة، رصينة، وقائمة على واقعية سياسية واقتصادية تُعلي من شأن الإنسان وحياته فوق أي شعار.