حاول نسيم حسين دخول الاتحاد الأوروبي 13 مرة. لكنه يقول إن قوات الأمن الكرواتية كانت توقفه في كل مرة وتضربه ثم تعيده عبر الحدود إلى البوسنة والهرسك. هو يعيش راهناً في غابة بالقرب من الحدود ويتساءل عما يستطيع فعله لتجاوز الشتاء.
حسين هو ابن مزارع من منطقة قريبة من إسلام أباد، عاصمة باكستان. قام هذا الشاب البالغ من العمر 21 عاماً ببناء مخيّم مع 12 مهاجراً آخر، فاستعملوا الأغصان والأقمشة البلاستيكية لحماية أنفسهم من الأمطار والثلوج. لقد غطّوا الأرض الموحلة بألواح خشبية وجدوها في صناديق النفايات في مدينة "بيخاتش" المجاورة.
لا مياه ولا كهرباء
جلس الرجال حول النار. رغم درجات الحرارة المتجمدة، يرتدي معظم الناس هناك سترة بسيطة ولا ينتعل البعض إلا الصنادل.
كانوا يرتجفون من البرد وراح حسين يفرك يديه لتدفئة نفسه. كانت عيناه حمراوتين. هو لم ينم جيداً كما يقول خوفاً من تجمّده حتى الموت في كيس النوم الرقيق. مع ذلك، نزل نحو النهر في الصباح للاغتسال. في هذا المخيّم الموقّت، يفتقر الناس إلى المياه والكهرباء. تجلب لهم مجموعات الإغاثة بعض الطعام من وقتٍ لآخر، لكن لا يملك المهاجرون في معظم الأوقات إلا الخبز الجاف طوال أيام. يقول حسين: "نحن نتضور جوعاً ونتجمد من البرد. وضع الحيوانات أفضل منا"!
يروي حسين، ذلك الشاب الهزيل والملتحي، أنه غادر باكستان بعدما هدّده جاره بالقتل. فعبر تركيا واليونان وصولاً إلى البوسنة والهرسك حيث يقبع الآن منذ أكثر من سنة، على غرار عدد كبير من طالبي اللجوء الآخرين.
في المرحلة الأولى من أزمة اللاجئين في الاتحاد الأوروبي، في العام 2015، تمكّن اللاجئون من السفر عبر صربيا والمجر باتجاه وسط أوروبا وشمالها. لكن منذ أن أغلق الاتحاد الأوروبي طريق البلقان، تشرّدت أعداد إضافية من الناس في البوسنة والهرسك. يعجز هؤلاء عن عبور الحدود نحو كرواتيا ولا يستطيعون متابعة سيرهم نحو دول أخرى شمالاً مثل ألمانيا أو السويد.
وفق تقديرات "منظمة الهجرة الدولية"، يصل عدد المهاجرين العالقين راهناً في البوسنة والهرسك إلى 10 آلاف تقريباً، ولم يجد إلا عدد ضئيل منهم مكاناً له في واحد من مخيمات البلد الرسمية الستة. ينام الكثيرون وسط ركام المصانع أو في منازل مهجورة.
قبل يوم من عيد الميلاد، زاد وضع المهاجرين سوءاً غداة احتراق مخيم "ليبا" بالقرب من مدينة "بيخاتش" الحدودية. كان 1500 مهاجر، كلهم من الرجال، يعيشون في ذلك المخيم. يحاول معظمهم اليوم البقاء على قيد الحياة في الغابة المجاورة.
مأساة كان يمكن تجنّبها
حتى الآن، لم تنجح الحكومة في سراييفو أو الاتحاد الأوروبي في توفير مأوى مناسب للمهاجرين. تُخطط البوسنة والهرسك لإعادة بناء المخيّم المحروق بمساعدة الجيش، لكن لن ينتهي هذا المشروع قبل الربيع المقبل على الأقل. في غضون ذلك، أصبح مخيم "ليبا"، على غرار "موريا" من قبله، رمزاً آخر للفشل الأوروبي التام في سياسات اللجوء.
كان نسيم حسين يقيم في مخيم "ليبا" قبل احتراقه. هو يقول إن ظروف العيش هناك لا تُحتمَل. يقع "ليبا" في الجبال فوق "بيخاتش" ويتعرض السكان هناك للرياح والبرد، ويتطلب الوصول إلى مدينة "بيخاتش" ساعات عدة.
أبلغت "منظمة الهجرة الدولية"، التي كانت ناشطة في مخيم "ليبا"، المسؤولين البوسنيين منذ أواخر الصيف الماضي بأن المخيم ليس جاهزاً لفصل الشتاء لأن الخِيَم غير قابلة للتدفئة وليست قوية بما يكفي لتحمّل الثلوج. تعهدت الحكومة بنقل اللاجئين إلى مصنع ثلاجات سابق في "بيخاتش"، وهو مكان استعملته "منظمة الهجرة الدولية" سابقاً كملجأ للمهاجرين. لكن حين احتجّ السياسيون والسكان المحليون على هذه الخطوة، تراجعت الحكومة في سراييفو عن موقفها. في المقابل، انسحبت "منظمة الهجرة الدولية" من مخيم "ليبا" في 21 كانون الأول.
لم يتّضح بعد إذا كان الحريق في مخيم "ليبا" عرضياً أو مفتعلاً. ولا أحد يعرف المسؤول عن الحريق عما إذا كان متعمداً. تتابع النيابة العامة تحقيقاتها في هذا الموضوع. في مطلق الأحوال، لا يجد مئات الناس اليوم مكاناً للإقامة فيه وسط الشتاء البارد وتساقط الثلوج الكثيفة.
في البداية، حاولت "منظمة الهجرة الدولية" إجلاء السكان، فوصلت الحافلات لنقلهم قبل رأس السنة بوقتٍ قصير. كانت الخطة الأصلية تقضي بنقل المهاجرين إلى مخيّم في الحي المجاور، لكن اندلعت الاحتجاجات مجدداً وسرعان ما أوقفت سراييفو هذه العملية. أمضى الناس ليلتهم في الحافلات قبل إعادتهم إلى مخيم "ليبا". يظن بيتر فان دير أويرات، رئيس "منظمة الهجرة الدولية" في البوسنة والهرسك، أن هذه المأساة كان يمكن تجنبها بالكامل.
في ألمانيــا أيضاً، تخـــــوض الحكومة الاتحادية خلافات دائمة مع الولايات المحلية على خلفية توزيع الوافدين الجدد وتأمين المساكن لهم. لكنّ الوضع السياسي في البوسنة والهرسك يزيد هذا الملف تعقيداً.
حكومة عاجزةكان البلد غارقاً في الحرب حتى منتصف التسعينات، ثم فرضت "اتفاقية دايتون" سلاماً هشاً منذ العام 1995. تشمل البوسنة والهرسك حوالى 3 ملايين ونصف المليون نسمة، وهي أكبر من ولاية ساكسونيا السفلى الألمانية بقليل، لكنها منقسمة بين جزأين أساسيَين: اتحاد الكانتونات الكرواتية والبوسنية، وجمهورية صرب البوسنة المؤلفة بشكلٍ أساسي من الصرب. تبرز أيضاً منطقة "برتشكو" التي تتمتع بحكم ذاتي عموماً. لذا تبقى الاحتمالات التي تملكها الحكومة المركزية في سراييفو محدودة.
يشعر الكثيرون في البوسنة والهرسك بأن الاتحاد الأوروبي تركهم لمصيرهم. منذ العام 2018، قدّمت بروكسل حوالى 89 مليون يورو لمساعدة البلد على التعامل مع تدفق اللاجئين. لكن كما حصل في اليونان، يبدو أن جزءاً صغيراً من ذلك المبلغ استُعمِل لتحسين ظروف المهاجرين. في المقابل، خُصّصت معظم الأموال المتبقية لفرض تدابير الحماية على الحدود وسرعان ما تبخرت الأموال في الأوساط الإدارية أو لم يتم توزيعها بالشكل المناسب بسبب الخلافات السياسية المتواصلة. لكن لا يريد معظم المهاجرين البقاء في البوسنة والهرسك، بل يأملون في متابعة رحلتهم نحو الاتحاد الأوروبي. يلجأ عناصر الأمن الكرواتيون إلى استعمال العنف بشكلٍ متكرر لمنعهم من قطع الحدود.
يقول نسيم حسين إن حرس الحدود الكرواتي أساء معاملته في مناسبات متكررة. أجبره رجال مقنّعون في إحدى المرات على خلع ملابسه ثم راحوا يضربونه بالأغصان. هو يعترف بأنه نجح سابقاً في الوصول إلى "زغرب" قبل أن تعيده الشرطة مـن هناك إلى البوسنة والهرسك.
وثّقت المنظمات غير الحكومية ومفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين هذه الحالات غير القانونية في مناسبات متكررة. كذلك، يقال إن المهاجرين تعرضوا للتعذيب عبــر الصدمات الكهربائيــة. أنكرت الحكومة الكرواتية هذه الادعاءات واعتبرتها مجرّد أخبار ملفّقة من المهاجرين. في المقابل، كانت الانتقادات التي وجّهها الاتحاد الأوروبي للعاصمة "زغرب" فاترة في أفضل الأحوال. حتى أن المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل أشادت صراحةً بطريقة تعامل الحكومة الكرواتية مع المهاجرين. تريد بروكسل وبرلين أن يفرض الاتحاد الأوروبي التدابير اللازمة على الحدود لمنع تدفق اللاجئين، ولا تهتم بقية الدول الأوروبية على ما يبدو بطريقة تحقيق هذا الهدف.
مساعدات من المواطنين العاديين
اليوم، يقدّم المواطنون العاديون معظم المساعدات إلى المهاجرين المشرّدين على الحدود الخارجية من أوروبا، منهم المواطن زلاتان كوفاتشيفيتش (43 عاماً). نشأ هذا الرجل في "بيخاتش" وأصابته قذيفة خلال حرب البوسنة فخسر ساقه نتيجةً لذلك. هرب كوفاتشيفيتش مع عائلته إلى "لودفيغسبورغ" في ألمانيا قبل العودة إلى البوسنة والهرسك في أواخر التسعينات. ثم فتح مركزاً ترفيهياً للعبة كرات الطلاء وهو يدير أيضاً منظمة إغاثة تُعنى بأصحاب الإعاقات والمشردين في "بيخاتش"، وسرعان ما زاد اهتمام المنظمة بشؤون المهاجرين في السنوات القليلة الماضية.
يعترف كوفاتشيفيتش بأن تجربته الخاصة مع الحرب رسمت معالم شخصيته، لذا يعجز عن تجاهل معاناة الناس. جنّد كوفاتشيفيتش عدداً من المتطوعين، منهم يتيم وشرطي خسر عمله غداة حادث سير. يقول كوفاتشيفيتش إنه يدرك الآن أن المنبوذين اجتماعياً يكونون أكثر استعداداً من غيرهم لمساعدة الآخرين.