المحامي اسطفان عسال

حين يغيب الشباب عن أرضهم ومجتمعهم وأنفسهم

7 دقائق للقراءة

في الضيع الجبلية، ثمة لحظة لا تُعلَن ولا يُحتفل بها: اللحظة التي يُدرك فيها أهل البلدة أن عدد المغادرين بات أكثر من عدد الباقين. لا مرسوم يُصدر، ولا حداد يُعلَن. المدرسة تُقفل بهدوء، وملعب الأطفال تنبت فيه الحشائش، وكرسي رئيس النادي يبقى شاغرًا.

أطلقت بلدية تنورين بالتعاون مع مركز الصليب الأحمر اللبناني دعوةً عامة للتطوّع يُشكَران عليها، لكنها تحمل في طيّاتها ما هو أعمق من نداء إنساني عادي: البيان لا يُخاطب أبناء تنورين وحدهم، بل يدعو صراحةً "شباب البلدات المجاورة" للانضمام، في اعتراف ضمني بأن المعين المحلي لم يعد يكفي.

هذه ليست أزمة تطوّع. هذه أزمة وجود.


أولا: النزيف بالأرقام

ما يحدث في تنورين ليس استثناءً محليًّا، بل هو تجلّ قروي لكارثة ديموغرافية وطنية تتصاعد بصمت.

بحسب المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، يُعرب 37٪ من اللبنانيين بين الثامنة عشرة والرابعة والثلاثين عن رغبة جدية في المغادرة، ووجهاتهم المفضَّلة هي أوروبا بنسبة 38٪، تليها الولايات المتحدة وكندا بنسبة 21٪، فدول الخليج بنسبة 19٪. وقد غادر لبنان، بين أيلول 2024 وأيار 2026، ما يزيد على 242 ألف مواطن، فيما قفز متوسط الخروج السنوي من 25 ألفًا عام 2018 إلى 78 ألفًا عام 2026، أي إنه تضاعف ثلاث مرات في أقل من عقد. أي إن الجيل الذي يُفترَض أن يبني الحاضر لا يرى له حاضرًا يستحق البناء.

والمستقبل لا يبشّر بما هو أفضل: فبعد عشر سنوات، سيشكّل المتقدمون في السن أكثر من ستين بالمئة من اللبنانيين المقيمين. وستكون الضيع الجبلية قد سبقت هذا المصير بعقد كامل.


ثانيًا: حين لا يوجد من يُولَد

الضيع لا تفرغ من خلال الهجرة فحسب، بل تفرغ من المهد أيضًا.

انحدر معدل الولادات في لبنان بشكل غير مسبوق: من 86 ألف ولادة عام 2019 إلى 68 ألفًا عام 2021. وهوى معدل الخصوبة إلى 1.6 طفل لكل امرأة، أي إلى ما دون مستوى تجديد الأجيال البالغ 2.1. وقد انخفض النمو السكاني الإجمالي في لبنان بنسبة 39.8٪ منذ اندلاع الأزمة.

أما في الأقضية الجبلية، فالوضع أشدّ حدة. ففي سبعة أقضية، انخفض المستوى العام للخصوبة إلى ما دون الخط الأحمر. وقد سجّل قضاء المتن عام 2023 زيادة سكانية صافية لا تتجاوز أحد عشر فردًا: 1431 ولادة مقابل 1420 وفاة. وقضاء البترون ليس بعيدًا من هذا المشهد.

الضيع لا تموت بضربة واحدة. تذوي ببطء، مدرسةً بعد مدرسة، ومولودًا بعد مولود، وبيتًا بعد بيت يُقفَل في الشتاء ولا يُفتَح في الصيف.


ثالثًا: الأرض التي لم يعد أحد يعرفها ولا يريد أن يعمل فيها

ثمة بُعد آخر لهذا الغياب، لا تكشفه إحصاءات الهجرة ولا سجلات الولادة. إنه البُعد الداخلي: الانفصال عن الأرض، ثم النفور من كل عمل تصنعه اليدان.

الجيل الجديد الذي ما زال في القرية لا يعرف كيف يزرع كرمة، ولا يعرف اسم الجار الذي يسكن آخر الحارة، ولا يعرف مواسم الأرض ولا أمزجتها. تحوّلت العلاقة بالمكان من علاقة انتماء وعمل إلى علاقة بصورة على إنستغرام في موسم الثلج، أو بـ"ستوري" في عيد الفصح.

الجدّ كان يعرف كل شجرة في أرضه بالاسم. والأب كان يعرف متى تُحرَث ومتى تُروى. أما الجيل الجديد، فكثيرون منه لا يعرفون حدود ملكيتهم ولا قيمة ما ورثوه، ليس لأنهم جاهلون، بل لأن أحدًا لم يُعلّمهم أن يحبّوا ما لا يدرّ ربحًا فوريًّا.

وقد امتدّ هذا النفور من الأرض ليطال الأعمال اليدوية كلّها. فالشاب اليوم يرفض أن يكون ميكانيكيًا أو نجارًا أو صيادًا أو مزارعًا، لا لأن هذه المهن لا تُطعم، بل لأن صورتها لا تنسجم مع نماذج النجاح التي تعرضها الشاشة. والنتيجة الميدانية صارخة: أصغر بحّار صياد في ميناء البترون اليوم يبلغ من العمر خمسة وأربعين عامًا. لا أحد يأتي بعده. فالمهنة لا تموت بقرار، بل تموت حين لا يجد أصحابها خلفاء ورعاية من الدولة.

وما ينطبق على الصيد ينطبق على القوى الأمنية والدفاع المدني والإسعاف وسائر الخدمات الجوهرية. نحن أمام جيل لن يملأ هذه المواقع، لا لأنه عاجز، بل لأنه لا يرى فيها مكانة اجتماعية تستحق التضحية. وحين تشيخ هذه المؤسسات من الداخل من دون تجديد، تنهار ببطء لا يُحدث صوتًا.

المنافسة بين الأرض والشاشة ليست متكافئة. الأرض تطلب صبرًا وعرقًا وسنوات قبل أن تعطي. أما الشاشة، فتعطي إشباعًا فوريًّا وإحساسًا زائفًا بالانتماء إلى عالم أوسع، عالم ليس فيه مطر الشتاء، ولا وحل الطريق، ولا ثقل حجارة البيت القديم.


رابعًا: السوشيل ميديا — الهجرة الداخلية قبل الخارجية

قبل أن يشتري الشاب تذكرة السفر، يكون قد هاجر مرات عدّة في داخله. لم تسرق السوشيل ميديا وقت الشباب فحسب، بل سرقت إطارهم المرجعي. فالشاب في بلدة جبلية يتابع يوميًا حياة أقرانه في دبي وكندا وأستراليا. يرى الأبراج والسيارات والأسفار والمطاعم. ثم ينظر حوله: طريق لم يُرصَف منذ عقدين، وكهرباء تنقطع، ومدرسة توشك على الإغلاق، وباب نادٍ موصد لعدم وجود أعضاء.

الفجوة بين ما يراه على الشاشة وما يعيشه في ضيعته لا تولّد حافزًا على التغيير، بل تولّد يأسًا هادئًا، ثم قرارًا صامتًا بالمغادرة.

وهكذا، تصبح وسائل التواصل الاجتماعي، التي يُفترَض أن تربط المجتمعات، أداة للانفصال عنها. فبدلا من أن يسأل الشاب: "كيف أُغيّر ضيعتي؟"، يسأل: "كيف أغادرها بأسرع وقت؟". والنتيجة الأشدّ مرارة أن من يبقى في القرية ليس بالضرورة من يحبّها أكثر، بل هو، في أغلب الأحيان، من لم تُتَح له فرصة المغادرة بعد.


خامسًا: ليس كسلا، بل يأس منهجي وطاقة موجَّهة نحو الداخل

كثيرون يُفسّرون عزوف الشباب عن التطوّع والمشاركة الاجتماعية بالكسل أو اللامبالاة. وهذا التفسير سهل ومريح، لأنه يُحمّل الضحية المسؤولية ويُعفي المنظومة من المساءلة.

الحقيقة أعمق: بلغ معدل البطالة بين الشباب 47.8٪. وفي ظل هذا الرقم، ما الذي يملكه الشاب ليتطوّع به؟ طاقة يبحث لها عن معنى في بلد لا يُقدّم له معنى.

غير أن هذه الطاقة، حين لا تجد مسارًا حقيقيًا، تنعطف نحو الداخل وتتحوّل إلى احتكاك. فأبناء القرية الواحدة، وربما العائلة الواحدة، يتصارعون على مقاعد المجالس البلدية والتعاونيات والنوادي بحماسة تصل أحيانًا إلى العداوة. تُشنّ الحملات، وتُكسَر العلاقات، وتُستنزَف الطاقات في معارك الترشح. ثم، حين يُنتخَب هؤلاء، لا يحضرون الجلسات، ولا يُنجزون مشروعًا، ولا تجدهم حين يحتاج إليهم أهل القرية. والمناسبات الثقافية والاجتماعية، وحتى التعازي، باتت حكرًا على من تجاوزوا الخمسين.

المفارقة مؤلمة: الطاقة موجودة، لكنها تُهدَر في الاستحواذ لا في البناء. فالكرسي صار غاية لا أداة. والمؤسسة المجتمعية، بدلا من أن تكون فضاء للخدمة، تحوّلت إلى ساحة للنزاع العائلي يخرج منها الجميع خاسرين.

الشاب الذي يتطوّع اليوم في مركز الصليب الأحمر أو الدفاع المدني يعرف أنه قد لا يكون هنا بعد عام. فلماذا يستثمر في مجتمع لم تستثمر فيه الدولة؟ من يرى مستقبلا يبني. ومن لا يرى مستقبلا يُعبّئ حقائبه.

اللامبالاة الظاهرة ليست صفة جيل، بل إنها استجابة عقلانية لواقع لا يُبقي على الأمل.


خاتمة: قبل أن تتحوّل الضيع إلى متاحف

ما يحدث في جرد البترون هو نموذج مصغَّر لمصير قضاء البترون بأسره، ولمصير كل قرية جبلية لبنانية: مناسبات بلا شباب، ومتوسط أعمار يرتفع في كل تجمّع، ومراكز خدمات بلا متطوّعين، ومدارس تُقفل أبوابها، وأراضٍ تنتظر من لا يأتي.

الحلّ لا يبدأ بنداء تطوّع، ولا بخطبة في المناسبات. بل يبدأ بسؤال جوهري لم تُجِب عنه الدولة اللبنانية يومًا: كيف نجعل من البقاء خيارًا ممكنًا؟

كيف نُعيد الشاب إلى أرضه، لا بالعاطفة وحدها، بل بفرصة حقيقية تجعل تلك الأرض تُغنيه وتحتضنه؟ وكيف نُقنعه بأن الضيعة ليست ماضيًا يُزار في الأعياد، بل مستقبل يُبنى كل يوم؟

هذه الأسئلة لا تُجيب عنها بلدية ولا مركز إسعاف. بل تُجيب عنها إرادة سياسية لا نراها في الأفق بعد. وحتى تلك اللحظة، ستبقى الضيع تطلب المدد من بعضها، وكلّها تفرغ في آن واحد.