لم يعد موقع "YouTube" مجرّد منصّة لعرض المقاطع القصيرة أو صناعة المحتوى السريع، بل تحوَّل تدريجيًا إلى مختبر سينمائي حقيقي يُخرِّج جيلا جديدًا من المخرجين. هذا ما تكشفه الموجة الأخيرة من صانعي الأفلام الشباب الذين انتقلوا من إنتاج الفيديوات الرقمية إلى تحقيق نجاحات لافتة في شباك التذاكر العالمي، في ظاهرة بدأت تلفت أنظار هوليوود نفسها.
اللافت أنّ هؤلاء المخرجين لم يأتوا من المعاهد السينمائية التقليدية أو من شبكات الإنتاج المعروفة، بل من فضاء رقمي مفتوح أتاح لهم اختبار أفكارهم أمام جمهور حقيقي، وتطوير لغتهم البصرية بعيدًا عن القيود المؤسسية. وقد برز مؤخرًا إسما Kane Parsons (20 عامًا) وCurry Barker (26 عامًا)، اللذان حوّلا مشاريع وأفكارًا وُلدت على الإنترنت إلى أفلام جماهيرية حققت إيرادات تجاوزت كثيرًا من الإنتاجات الضخمة. والجدير بالذكر أنّ الإيرادات الإجمالية العالمية المنفردة لفيلمَي "Backrooms" و "Obsession" تخطّت 200 مليون دولار عالميًا حتى اليوم.
تكشف هذه الظاهرة عن تحوّل أعمق في مفهوم صناعة السينما. فبدل انتظار فرصة تأتي من ستوديو أو مُنتِج نافذ، بات بإمكان الموهبة أن تصنع جمهورها أولا، ثم تفرض نفسها على الصناعة السينمائية. كما أنّ النجاح المتكرر لأفلام الرعب تحديدًا يشير إلى قدرة المبدعين الشباب على التقاط هواجس جيلهم وتحويلها إلى سرديات بصرية ذات صدى واسع.
في السياق اللبناني، يطرح هذا التحول سؤالا مشروعًا: كم من موهبة سينمائية غير مكتشفة ما زالت تنشر أعمالها على "YouTube" بعيدًا عن الأضواء؟
في بلد يُعاني من محدودية التمويل والإنتاج، قد تكون المنصّات الرقمية اليوم أقرب إلى ستوديو مفتوح يمنح المخرجين الشباب فرصة لصقل أدواتهم والوصول إلى جمهور يتجاوز الحدود الجغرافية. وربّما يحمل الفضاء الرقمي اللبناني، في زواياه غير المرئية بعد، أسماء قادرة على تكرار التجربة نفسها، إذا وجدت من يلتفت إليها في الوقت المناسب.