يُنسب إلى تشارلز داروين قول مشهور يُلخص فلسفته: "البقاء ليس للأقوى ولا للأذكى، بل للأكثر استجابة للتغيير". وربما لم يكن عالم الأحياء البريطاني يعلم أن جوهر نظريته سيجد، بعد قرن ونصف من الزمن، تطبيقاً سياسياً لافتاً في لبنان.
ففي بلدٍ تعاقبت عليه الإمبراطوريات، والانتدابات، والوصايات، والأزمات، تبدلت الأنظمة والرايات والتحالفات، لكن عقلية الإقطاع السياسي والطبقة العائلية بقيت راسخة في المشهد؛ تتكيف مع كل مرحلة وتُعيد إنتاج نفسها مع كل تحول. أجدادها سايروا السلطنة العثمانية، وآباؤها وجدوا مكانهم في ظل الانتداب الفرنسي، وأبناؤها ازدهروا في زمن الوصاية السورية، فيما يستعد ورثتها اليوم، عند أول منعطف، للتأقلم مع أي توازن جديد أو وصي قادم تفرضه الظروف الدولية والإقليمية.
المفارقة الكبرى أن هذه الطبقة لم تبقَ لأنها الأكثر كفاءة في بناء الدولة، ولا لأنها الأكثر نجاحاً في تحقيق التنمية أو ترسيخ العدالة، بل لأنها الأكثر مهارة في إرساء الزبائنية السياسية الداخلية، فضلاً عن براعتها في قراءة موازين القوى الخارجية والتأقلم مع نتائجها. إنها تتقن تغيير الخطاب أكثر مما تتقن تغيير الواقع، وتبرع في تبديل الولاءات أكثر مما تبرع في بناء المؤسسات، وتتفنن في تلوين مبادئها بشكل يفوق قدرة الحرباء على التمويه الطبيعي.
من هنا، يمكننا فهم أحد أسرار المأزق اللبناني المزمن. فالكثيرون يعتقدون أن المشكلة تكمن فقط في ضعف القوانين أو سوء تطبيقها، بينما الحقيقة أعمق من ذلك بكثير؛ فالقانون، مهما بلغت صرامته، لا يستطيع وحده أن يحل محل الضمير الإنساني. وعندما يتراجع الحس الوطني والأخلاقي، تتحول النصوص القانونية إلى مجرد أوراق قابلة للالتفاف عليها، أو تعطيلها، أو استغلال ثغراتها.
بناءً على ذلك، فإن الفساد ليس نتاج ضعف الرقابة الإدارية أو القضائية فحسب، بل هو قبل كل شيء انعكاس لأزمة قيم أخلاقية. فعندما تصبح المصلحة الشخصية معيار القرار السياسي، وعندما تتقدم العصبية الطائفية والعائلية والمناطقية على الانتماء الوطني، وعندما يُنظر إلى الدولة باعتبارها "غنيمة" لا مشروعاً وطنياً جامعاً، يصبح الفساد نتيجة طبيعية وسلوكاً بنيوياً، لا مجرد استثناء عابر.
لهذا السبب، فإن أي حديث عن الإصلاح يبقى قاصراً إذا اقتصر على تبديل الأشخاص أو إعادة توزيع الحصص والمغانم. فالتجارب أثبتت أن الوجوه قد تتغير بينما تبقى الذهنية ذاتها، وأن الشعارات قد تتجدد فيما تستمر الممارسات نفسها. أما التغيير الحقيقي فيبدأ عندما يرتفع منسوب المواطنة والمسؤولية الأخلاقية لدى الفرد قبل المسؤول، وعندما يصبح احترام القانون نابعاً من قناعة داخلية التزاماً بالحق، لا خوفاً من العقوبة.
لقد نجح كثير من السياسيين اللبنانيين في تطبيق "الداروينية السياسية" بحرفية لافتة، فأتقنوا فن البقاء وسط العواصف والمتغيرات. لكن لبنان لا يحتاج اليوم إلى مزيد من محترفي البقاء في السلطة، بل إلى رجال دولة ومواطنين يؤمنون بأن الأوطان لا تُبنى بالتكيف مع موازين القوى فحسب، بل بالالتزام بقيم الحق والعدالة والولاء المطلق للوطن.
فالبقاء قد يكون للأكثر قدرة على التكيف، أما التقدم والازدهار وبناء الأوطان فلا تكون إلا للأكثر تمسكاً بالأخلاق والوطنية.