في أرضٍ أنهكتها الحروب، وتعبت من عدِّ المواسم على إيقاع القذائف، يقف الجنوب اللبناني شاهداً على أن السلام جهدٌ يُبذل، وحضورٌ يُصان، وإرادةٌ تُحمى من الانكسار. ومن بين صفحات هذا المشهد الإنساني، برزت قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفل) كواحدةٍ من أهم ركائز الاستقرار، بوصفها رسالةً أممية تحمل في جوهرها معنى الطمأنينة وأمل الشعوب.
لقد عرف الجنوب وجوه الحرب كما لم تعرفها بقاعٌ كثيرة من العالم، وذاق مرارة الانتظار على أبواب القرى المهدمة والحقول المحروقة والبيوت التي بقيت معلقةً بين الذكرى والرجاء. وفي خضم هذه التحديات، كانت اليونيفل حاضرةً بين الناس، تشاركهم هواجسهم اليومية، وتؤكد أن المجتمع الدولي لم يدر ظهره لمعاناتهم، وأن ثمة من لا يزال يؤمن بحق الإنسان في أن يعيش آمناً على أرضه.
إن التجديد لولاية قوات اليونيفل اليوم ضرورة تفرضها الوقائع، وتمليها المسؤولية الأخلاقية والإنسانية. فالمنطقة تمر بمرحلة دقيقة تتشابك فيها الأزمات وتتقاطع فيها المخاطر، ويغدو الحفاظ على الاستقرار هدفاً يتقدم على كل ما سواه. وحين تتعاظم الحاجة إلى الأمان، تتعاظم معها الحاجة إلى كل جهدٍ دولي يرسخ الأمن ويمنع الانزلاق نحو المجهول.
إن الجنوب لا يحتاج إلى المزيد من أصوات المدافع، بل إلى مزيد من أصوات العقل. ولا يحتاج إلى توسيع مساحات الخوف، بل إلى توسيع مساحات الثقة. ومن هنا تكتسب اليونيفل أهميتها الاستثنائية، لأنها تشكل جسراً بين إرادة السلام ومقتضيات الأمن، وبين تطلعات الأهالي وواجبات المجتمع الدولي تجاه هذه البقعة التي دفعت أثماناً باهظة من دمائها وأحلام أبنائها.
لقد أثبتت التجارب أن الاستقرار، مهما بدا هشّاً، يبقى أثمن من الفوضى، وأن الحوار، مهما كان شاقاً، يبقى أنبل من لغة النار. ومن هذا المنطلق، فإن دعم اليونيفل وتجديد ولايتها هو دعم لفكرة السلام نفسها، ودفاع عن حق الأطفال في الذهاب إلى مدارسهم دون خوف، وحق المزارعين في الوصول إلى حقولهم دون قلق، وحق العائلات في أن تنام على وعد صباحٍ آمن.
أيها العالم، إن الجنوب الذي تعب من حمل الأوجاع لا يطلب المستحيل، بل يطلب فرصةً للحياة. يطلب أن تُصان كرامة الإنسان فيه، وأن تُحمى أرضه من الانزلاق إلى دوامة جديدة من المعاناة. وإن تجديد مهمة اليونيفل هو رسالة أملٍ إلى كل أمّ تنتظر عودة الطمأنينة، وإلى كل طفلٍ يحلم بوطنٍ لا توقظه أصوات الانفجارات.
فلتبقَ قوات اليونيفل رسلَ سلامٍ في جنوب الآلام، ولتبقَ راياتها شاهدةً على أن الإنسانية ما زالت قادرة على الانتصار على الخوف، وأن السلام، مهما تأخر، يبقى الطريق الأجمل نحو مستقبلٍ يستحقه لبنان ويستحقه الجنوب وأهله الصابرون.
رئيس اللجنة الثقافية في المجلس المذهبي لطائفة الموحدين الدروز