مع التشديد على تفادي الإسراف في التفاؤل، رفعت أحداث الأسبوع الماضي معنويات معظم اللبنانيين، إذ أحيت كرامة وطنية انطوت، لتخلفها عقود من الاحتلالات والذل. بداية الانحدار كانت إقرار البرلمان، في العام 1969، اتفاقية القاهرة، ومن بعدها اتفاقية الطائف ثم الدوحة. المشترك بينها جميعًا كان موسم التحضير لرئيس جمهورية جديد، إذ هي فرصة ذهبية لشعوب لبنان المتنافرة لإضعاف الموارنة، مستغلة تحطيم المرشحين الأسعار، ما يتيح للمجموعات الأخرى تسجيل انتصار. حوّلت اتفاقية القاهرة حدود لبنان الجنوبية منصة لمنظمة التحرير الفلسطينية لقصف شمال إسرائيل، ما أنهى هدنة استمرت 20 عامًا، لتتبعها توترات وأربع حروب، أسوأها ما نحن فيه من ضحايا ودمار وتشريد شريحة كبرى من شعبنا.
سجّل الأسبوع الأول من حزيران 2026 تحولا استعدنا به ذكرى فترة ذهبية لوطن سيد. بطل الحدث الأول كان رئيس الجمهورية، الذي أسقط كل غموض في حديث مع كريستيان أمانبور، مندوبة الـ"سي إن إن". ندّد عون بانتهاك إيران سيادة لبنان عبر ميليشياتها، ورفض ادعاءها حماية شعب لبنان. ومن أحداث ذاك الأسبوع الفريد تصريح مماثل لرئيس مجلس الوزراء نواف سلام في افتتاحه مطار رينيه معوّض في القليعات - عكار. الصدق والشجاعة وسما كلمة سلام، إذ ندّد بتدخل إيران رافضًا إملاءاتها على حكومة لبنان. المناسبة والمكان أضافا إلى أهمية تصريح سلام. المناسبة كانت افتتاح مطار رينيه معوض في عكار، وهو مطار تقرر إنشاؤه منذ عقود، لكن الاحتلال السوري، ومن بعده "حزب الله"، عطّلا تنفيذ القرار، إذ من مصلحتهما حصر اتصال لبنان بالخارج، والتدقيق في كل من يدخل البلد ويغادره، بمطار يقع في منطقة نفوذ "حزب الله" وتحت سيطرته، يدخل عبره من شاء وما شاء وبالكمية التي يشاء.
للتوضيح، صحيح أن للبنان واجهة بحرية وموانئ وحدودًا بريّة، إلا أنها دون أهمية المطار. التنقل البحري يكاد ينحصر بالبضائع، فيما للبنان حدّان بريّان، أحدهما مقفل بسبب حالة الحرب مع إسرائيل، والحد المفتوح محدود الامتدادات. هكذا، ولعقود، بقي مطار بيروت الوسيلة الفعلية الوحيدة لاتصال لبنان بالخارج. من يسيطر على مطار بيروت، السلطات السورية قبل سقوط نظام الأسد، و"حزب الله" أثناء تلك الفترة وما بعدها، يمسك بخناق لبنان، إذ يضبط من يدخل وأين يقيم، ومن يخرج منه وإلى أين يتوجه. لعب مطار بيروت لـ"الحزب" دور مضيق هرمز من ناحيتين. هو المنفذ والمدخل الوحيد إلى الخارج، كما أنه، كمضيق هرمز، تحت سطوة إيران وممثلها على الأراضي اللبنانية.
ومن الممكن إضافة امتياز آخر في سيطرة "الحزب" على مطار بيروت: طريق المطار. يتصل المطار بالخارج عبر طريقين، كلاهما يمرّان بمناطق تخضع لـ"حزب الله"، ما يضيف إلى إمكاناته استعمال ذاك المسرى للتهويل حينا، ودائمًا لاستعراض قوة "الحزب" وإعلان سطوته عبر الصور والشعارات، مبيّنًا لكل قادم من يحكم لبنان، ومذكّرا كل مغادر بمن يمسك قراره. ثم إن "الحزب" طالما استعان بطريق المطار لحشود شعبية دعمًا لمطالبه. تلك كانت من أسباب تعطيل مطار معوّض لعقود، ما جعل افتتاحه دليلا إضافيًّا على تراجع نفوذ إيران. لكن ذروة الحدث كانت كلمة الرئيس سلام، إذ اختار الصراحة وأسقط الغموض في انتقاده، وبالأسماء، من يعارض مدّ سيادة الدولة على الأراضي اللبنانية كافة.
ما كان لأي من هذه الإنجازات أن يرى النور لولا زجّ إيران "حزب الله"، أنجح أذرعها الخارجية، في حربها مع إسرائيل. ذاك القرار أنهى قضم "حزب الله" التدريجي للبنان، وأدى إلى انتفاضة شملت كل مكوناته.
بالرغم من نكسات جسيمة، ما زال "حزب الله" يحافظ على قوة لا يجوز الاستهانة بها. نجح خلال الـ44 سنة منذ تأسيسه، بفضل دعم مالي تقدره مصادر جدية بمليارات الدولارات سنويًّا، إن أضيف إليه ما يجنيه من مخدرات وتهريب وتبييض أموال واستثمارات، في الإنفاق على نظام تعليمي وخدمات طبية واجتماعية وتدريب عسكري واسع، ما انتهى إلى تجهيز حاضنة صلبة تدين له بالولاء. يضاف إليها تحالفات داخل الطائفة الشيعية مع حركة "أمل"، أدت إلى احتكار التمثيل النيابي الشيعي، والسيطرة التامة على المجلس التشريعي وتعطيله عند الحاجة. وهناك أيضًا تحالفات أقامها مع سائر طوائف لبنان، ربما كانت ذروتها انتخاب الزعيم المسيحي الأكثر شعبية حينئذ رئيسا للجمهورية، فخدمه طوال ولايته بإخلاص. كما نجح "الحزب" في التسلل والسيطرة على نواصي الأجهزة العسكرية والأمنية والقضائية والمالية على نحو غير مسبوق.
لكن ما رفع "حزب الله"، أي التبعية لإيران، كان سبب سقوطه. لو لم يشترك "الحزب" في حرب "إسناد غزة"، وبعدها في "الثأر للخامنئي" في وجه إسرائيل، لأمسك كليًّا بالحكم في لبنان، وربما إلى الأبد أو، إن استعرنا تعبيرهم الفقهي، إلى "عودة الإمام المهدي المنتظر".