مايا الخوري

بين التوازن البيئي والمخاطر

قناديل البحر تغزو الشاطئ فكيف نحمي أنفسنا؟

4 دقائق للقراءة

على رغم مظهرها الشفاف والهادئ، تشكّل قناديل البحر مصدر خطر، خصوصًا في موسم التكاثر، أي خلال شهري تموز وآب، ما يفرض على روّاد الشاطئ اللبناني الانتباه إلى التحذيرات والإرشادات، وإبقاء حقيبة الإسعافات الأولية جاهزة.

لم يعد ظهور قناديل البحر على الشاطئ اللبناني محصورًا بموسم تكاثرها في شهري تموز وآب، بل أصبح على مدار السنة بنسب متفاوتة. فتيارات المياه الدافئة الآتية من البحر الأحمر، وخصوصًا بعد توسّع قناة السويس، أفسحت المجال أمام حركة ناشطة جرفت معها أنواعًا جديدة من القناديل السامة وغير السامة، أبرزها قنديل البحر الغازي، الرّحال، Rhopilema nomadica.

في البداية، يشرح أنطوني أوبا، باحث في المركز الوطني لعلوم البحار التابع للمجلس الوطني للبحوث العلمية – لبنان، ماهية قناديل البحر، واصفًا إياها "بكائنات بحرية هلامية بسيطة التكوين، تفتقر إلى العظام والدماغ والقلب، يتألف جسمها من المياه بنسبة 95%، وتتحرك مع التيار المائي. تتغذى من العوالق البحرية وبيض السمك والكائنات الهلامية الأخرى، فتعمل كفيلتر وضابط إيقاع يحول دون التكاثر المفرط لبعض الكائنات البحرية الأصغر منها، ويشكّل رأسها الأشبه بالمظلّة حصنًا للأسماك الصغيرة المحتمية من الأسماك الكبيرة. وهي، في المقابل، وجبة أساسية لحيوانات أخرى كالسلاحف البحرية المنتشرة على طول الشاطئ اللبناني وبعض أنواع السمك".

يتميّز قنديل البحر الغازي برأس غير سام، فيما تحتوي "لوامسه" على خلايا لاسعة تطلق إبرًا سامّة عند ملامسة أي مجسّم أو سطح. لذا يشعر الشخص عند التعرّض للدغته بلهيب فوري في مكان الاحتكاك، يرافقه تورّم وخطوط حمراء وطفح جلدي خفيف. أمّا الوجع، فيتفاوت بحسب كمية السم ومدى توسّع رقعة الإصابة.

وعن الخطوات الواجب اتباعها فور التعرّض للدغة، يقول أوبا: "أولا، غسل مكان الإصابة بمياه البحر لإزالة الخلايا الملتصقة. في حال وُجدت أجسام هلامية على البشرة، يجب استخدام ملقط لإزالتها سريعًا. صبّ خل أبيض لمدة دقيقة متواصلة في مكان الإصابة، إذ أثبت فعاليته في إبطال مفعول السم". منبّهًا إلى عدم فرك الإصابة بالرمل لئلا يتفشّى السم في الجلد، أو استخدام البول كما هو شائع لأنه يسبّب الالتهابات.

وعمّا إذا كانت الإصابة تستدعي تدخلا طبيًا طارئًا، يجيب: "إذا كانت اللدغة محدودة واختفت في غضون دقائق أو نصف ساعة كحد أقصى عند شخص لا يعاني أساسًا من مشكلات صحية. أمّا في حال ظهور أعراض تحسسية كصعوبة في التنفّس والدوار والغثيان والتورّم في اللسان والوجه أو الجسم، وعند انتشار طفح جلدي واستمرار الوجع ليوم كامل، فعندها يجب التوجّه إلى مركز صحي". لافتًا إلى أن الأطفال هم الأكثر عرضة للمضاعفات لأن أجسامهم صغيرة وبشرتهم رقيقة، وبالتالي قد يتفاعل جسمهم أكثر عند الإصابة.

ويشير أوبا إلى أشهر الأخطاء السلوكية عند التعرّض للدغ، وهي: "فرك مكان الإصابة بالرمل أو المنشفة، غسلها بالمياه الحلوة قبل التأكد من خلوّها من بقايا أجزاء هلامية، استخدام البول الذي يسبّب الالتهابات، إزالة البقايا الهلامية باليد من دون قفازات طبية أو ملقط، إضافة إلى تجاهل الأعراض التحسسية".

ويوضح أن الوقاية من اللدغات في أثناء السباحة سهلة جدًا، وترتكز على الانتباه إلى تحذيرات القيّمين على الشاطئ وإرشاداتهم، وتجنّب السباحة عند رؤية قناديل البحر، وإبعاد الأطفال عنها. يمكن ارتداء القميص الخاص بالسباحة لعدم الاحتكاك المباشر بمجسّماتها السامة. كما يجب عدم ملامستها عند الشاطئ وإن كانت ميتة، لأن اللوامس السامة تتفاعل عند اللمس، وبالتالي تطلق إبرها السامة بشكل تلقائي.

ويدعو إلى تجهيز حقيبة إسعافات أولية صغيرة عند ارتياد الشاطئ، تحتوي على خل أبيض وشاش معقّم ومرهم مضاد للحساسية وملقط وقفازات طبية.

ويعزو أوبا سبب انتشار قناديل البحر بكثرة في السنوات الأخيرة إلى التغيّرات المناخية وارتفاع درجات حرارة المياه وازدياد التيارات الدافئة القادمة من البحر الأحمر باتجاه البحر الأبيض المتوسط بعد توسّع قناة السويس، ما شكّل بيئة مثالية لتكاثرها، كونها كائنات تحب المياه الدافئة، ما يعزّز مواسمها ويطيلها فتتكاثر أكثر ويتوسّع انتشارها جغرافيًا.

ويشدّد أخيرًا على أهمية حماية البيئة البحرية والحدّ من التلوّث، للمساهمة في الحفاظ على التوازن البيئي الطبيعي: "يزيد التلوّث والصيد الجائر أعداد بعض الكائنات البحرية بشكل مبالغ فيه على حساب كائنات أخرى تتعرض للإبادة، كالسلاحف البحرية التي تتغذى من قناديل البحر مثلًا وتختنق عند ابتلاع الأكياس البلاستيكية التي تشبه القناديل".