جاد الاخوي

بين السلام والسيادة: لماذا تمسك لبنان بورقة التفاوض هو الإنجاز الأهم؟

5 دقائق للقراءة

في خضم النقاش المحتدم حول المفاوضات الجارية بين لبنان وإسرائيل برعاية الولايات المتحدة، يتركز الاهتمام غالباً على أهداف إسرائيل وطبيعة التفاهمات المحتملة. إلا أن القضية الأهم تتمثل في أن لبنان يخوض هذه المفاوضات عبر مؤسساته الدستورية وشرعيته الوطنية، ما يعكس استعادة تدريجية لدور الدولة في تمثيل مصالحها والدفاع عن سيادتها. ومن هذا المنطلق، يمكن اعتبار تمسك لبنان بورقة التفاوض بصفته دولة ذات قرار شرعي الإنجاز الأبرز في هذه المرحلة، بغض النظر عن النتائج النهائية للمفاوضات.

منذ نهاية الحرب الأهلية، كان لبنان في كثير من المحطات ساحة تتقاطع فيها المصالح الإقليمية والدولية أكثر مما كان لاعباً مستقلاً. وغالباً ما ارتبطت قرارات الحرب والسلم والعلاقات الخارجية بتوازنات وقوى تتجاوز مؤسسات الدولة، ما جعل البلاد في أحيان كثيرة ورقة تفاوض تستخدمها أطراف خارجية لتحسين شروطها في صراعات لا ترتبط مباشرة بالمصلحة اللبنانية. وكانت النتيجة تراجعاً عملياً في مفهوم السيادة وقدرة الدولة على اتخاذ القرار وتمثيل مواطنيها أمام العالم.

اليوم يبدو المشهد مختلفاً. فالمفاوضات تُدار عبر الدولة اللبنانية ومؤسساتها الرسمية، لا عبر قنوات موازية أو جهات غير رسمية. وهذا يعيد الاعتبار إلى مبدأ أساسي في العلاقات الدولية: الدول هي التي تتفاوض باسم شعوبها.

قد يختلف اللبنانيون حول أهداف التفاوض وحدوده السياسية وطبيعة العلاقة المستقبلية مع إسرائيل، لكن ما ينبغي أن يحظى بإجماع وطني هو أن حصر قرار التفاوض بالدولة يمثل مكسباً سيادياً لا يجوز التفريط به.

أما إسرائيل، فتبدو معنية بتحقيق استقرار طويل الأمد على حدودها الشمالية أكثر من سعيها إلى سلام بالمعنى التاريخي أو الرمزي للكلمة. فهي تبحث عن ترتيبات أمنية تضمن هدوء الحدود وتمنع عودة التهديد العسكري من الأراضي اللبنانية، انطلاقاً من حسابات استراتيجية ومصلحية لا من تحول أيديولوجي. وهذا أمر طبيعي في سلوك الدول التي تتحرك وفق مصالحها.

ومن هنا تبرز أهمية المقاربة اللبنانية. فالمفاوضات يجب أن تُنظر إليها كفرصة لاستعادة الدولة اللبنانية دورها الطبيعي في إدارة شؤونها وقراراتها السيادية. فإذا كانت إسرائيل تسعى إلى الأمن، وواشنطن إلى الاستقرار الإقليمي، فإن مصلحة لبنان تكمن في تثبيت سلطة الدولة ومؤسساتها وترسيخ حقها الحصري في اتخاذ القرارات المصيرية.

لذلك لا يُقاس نجاح لبنان فقط بما قد يحققه من مكاسب حدودية أو أمنية، بل بقدرته على تكريس معادلة جديدة يكون فيها قرار الحرب والسلم بيد المؤسسات الشرعية. فالفرق كبير بين أن يكون لبنان موضوعاً للتفاوض وأن يكون طرفاً فاعلاً فيه؛ ففي الحالة الأولى يتفاوض الآخرون حول مستقبله، أما في الثانية فيشارك هو في رسم هذا المستقبل.

من هذا المنطلق، تمثل المفاوضات الحالية اختباراً لقدرة الدولة اللبنانية على استعادة دورها الطبيعي. فالقضية تتجاوز ملف الجنوب أو الترتيبات الأمنية لتطال مستقبل الدولة نفسها وموقعها كمرجعية وحيدة لتمثيل اللبنانيين.

ولهذا السبب ينبغي تجنب تحويل هذا المسار إلى مادة للانقسام الداخلي أو المزايدات السياسية. فالتحدي الأكبر ليس فقط نجاح المفاوضات أو فشلها، بل الحفاظ على المبدأ الذي تقوم عليه: حق الدولة اللبنانية الحصري في التفاوض واتخاذ القرار باسم مواطنيها.

لقد دفع لبنان ثمناً باهظاً خلال العقود الماضية نتيجة ارتباط قراراته الوطنية بصراعات إقليمية تتجاوز مصالحه المباشرة، ودفع اللبنانيون من أمنهم واقتصادهم واستقرارهم بسبب حروب لم يكن قرارها دائماً بيد الدولة. أما اليوم، فهناك فرصة لتصحيح هذا الخلل واستعادة الاعتبار لمفهوم الدولة والسيادة.

لا أحد يستطيع الجزم بما ستؤول إليه المفاوضات الحالية. قد تنجح في إنتاج تفاهمات طويلة الأمد أو تتعثر أمام تعقيدات المنطقة، لكن قيمتها الأساسية تكمن في إعادة تثبيت الدولة كمرجعية وحيدة لتمثيل لبنان. فالدول القوية لا تُقاس فقط بحجم جيوشها أو اقتصاداتها، بل بقدرتها على احتكار القرار السيادي وتحويل السيادة من شعار إلى ممارسة فعلية.

لذلك فإن الإنجاز الأهم اليوم هو أن لبنان لم يعد مجرد ورقة تفاوض في يد الآخرين، بل بدأ يستعيد موقعه كصاحب قرار وممثل لمصالحه الوطنية. وقد يكون الطريق طويلاً ومليئاً بالعقبات، لكن الحفاظ على هذا المكسب يجب أن يبقى أولوية وطنية.

فالمفاوضات قد تنتهي باتفاق أو من دونه، أما استعادة الدولة اللبنانية لحقها الحصري في التفاوض واتخاذ القرار فهي مسار أعمق يرتبط ببناء الدولة نفسها. وعندما يكتب المؤرخون يوماً قصة هذه المرحلة، قد لا يكون السؤال الأهم ما إذا كانت إسرائيل أرادت السلام أم لا، بل ما إذا كان لبنان نجح في استعادة سيادته الكاملة وإعادة القرار الوطني إلى المكان الذي يجب أن يكون فيه: داخل مؤسسات الدولة الشرعية وحدها. فهذه هي الخلاصة الحقيقية التي ستحدد معنى هذه المرحلة ونتائجها على المدى البعيد؛ إذ إن السيادة ليست مجرد عنوان سياسي، بل شرط أساسي لقيام دولة قادرة على حماية مصالح مواطنيها وصياغة مستقبلها بإرادتها الحرة. وإذا نجح لبنان في ترسيخ هذا المبدأ، فسيكون قد حقق إنجازاً يتجاوز أي اتفاق ظرفي، لأنه يضع الأساس لدولة أقوى وأكثر استقراراً وقدرة على مواجهة تحديات المستقبل.