د. أيمن عمر

سوريا: ساحة الصراع التركي – الإسرائيلي والمواجهة المؤجلة

6 دقائق للقراءة

حين تضرب طائرات حربية إسرائيلية قاعدةً جوية سورية في تدمر وتُعلن صراحةً أن الضربة "رسالة إلى أنقرة"، ويردّ وزير الخارجية التركي بأن بلاده "لا تريد مواجهةً مع إسرائيل في سوريا"، فنحن أمام مفارقة مثيرة للقلق: طرفان يتجنبان الصدام العسكري المباشر علناً، ولكن المؤشرات على الأرض تدفع بقوة نحو عكس ذلك. إن ما يجري في الميدان السوري اليوم ليس مجرد خلاف عابر على توازنات النفوذ أو ترسيم حدود برية، بل يزيد من احتمالية التصادم بين مشروعين استراتيجيين متناقضين تناقضاً بنيوياً واستراتيجياً. هذا التناقض الجيوسياسي والاقتصادي يجعل الانزلاق نحو مواجهة عسكرية — حتى في ظل عدم رغبة الطرفين في خوضها — احتمالاً حقيقياً يفرض نفسه على أرض الواقع، لا مجرد افتراض نظري.


مشروعان متناقضان وصراع على الجغرافيا الاقتصادية

1- الصراع على النفوذ في سوريا

تمثّل سوريا اليوم نقطة الاحتكاك الأكثر مباشرة بين الطرفين. فتركيا تنظر إلى استقرار سوريا ووجود سلطة حليفة لها في دمشق باعتبارهما جزءاً من أمنها القومي، سواء من زاوية ملف اللاجئين أو أمن الحدود أو دورها الإقليمي. في المقابل، يسعى الكيان الإسرائيلي إلى منع ظهور أي ترتيبات أمنية أو عسكرية قد تحد من حرية حركته في الساحة السورية أو تؤثر في تفوقه الاستراتيجي على حدوده الشمالية.


2- المنافسة على قيادة الترتيبات الإقليمية

لا يقتصر الخلاف على الجغرافيا السورية، بل يمتد إلى شكل النظام الإقليمي الجديد في الشرق الأوسط. إن تركيا تسعى إلى ترسيخ حضورها كقوة مركزية تربط آسيا بأوروبا وتؤثر في ملفات المشرق العربي والقوقاز وشرق المتوسط، بينما يعمل الكيان الإسرائيلي على توسيع شبكة تحالفاته الإقليمية وتعزيز حضوره السياسي والأمني والاقتصادي عبر مشاريع الربط والتطبيع والسلام الإبراهيمي والشراكات الاستراتيجية.


3- البعد الاقتصادي وصراع الممرات التجارية

يُعد البعد الاقتصادي أحد أكثر أوجه التنافس أهمية وأقلها ظهوراً في الخطاب السياسي المباشر. إنالموقع الجغرافي لسوريا يمنحها أهمية استثنائية في مشاريع النقل والطاقة والتجارة العابرة للحدود. وتسعى تركيا إلى الحفاظ على موقعها كجسر اقتصادي يربط الخليج والمشرق العربي بالأسواق الأوروبية، كما تطمح إلى أن تصبح مركزاً رئيسياً لنقل الغاز والطاقة نحو أوروبا. ومن هذا المنطلق، فإن أي مشاريع بديلة تتجاوز الأراضي التركية تمثل تحدياً مباشراً لمصالحها الاقتصادية والاستراتيجية. ويدعم الكيان الإسرائيلي مشاريع وممرات تجارية جديدة تربط البحر المتوسط بالأسواق الآسيوية والخليجية، بما يقلل من الاعتماد على المسارات التقليدية التي تمر عبر تركيا. ولذلك فإن التنافس لا يدور فقط حول النفوذ السياسي، بل حول من سيمتلك موقع العقدة الرئيسية في شبكة التجارة والطاقة الإقليمية خلال العقود المقبلة.


4- الغاز وشرق المتوسط

أدى اكتشاف الغاز في شرق المتوسط إلى إضافة عنصر جديد للصراع. تركيا ترى أن ترتيبات الطاقة في المنطقة يجب أن تراعي موقعها الجغرافي ومصالحها الاقتصادية، بينما يعمل الكيان الإسرائيلي مع شركائه الإقليميين على تطوير مشاريع تصدير الغاز وتعزيز التعاون في قطاع الطاقة بعيداً عن الرؤية التركية. ورغم أن الخلاف لم يتحول إلى مواجهة مباشرة، فإن التنافس على موارد الطاقة وخطوط النقل يزيد من مستوى التوتر بين الطرفين ويمنح الخلاف أبعاداً اقتصادية طويلة الأمد.


5- القضية الفلسطينية والحرب على غزة

أصبحت الحرب على غزة أحد أبرز عوامل التوتر السياسي بين أنقرة والكيان الإسرائيلي. فقد تبنّت تركيا موقفاً سياسياً وإعلامياً شديد الانتقاد للعمليات العسكرية الإسرائيلية، بينما اعتبرت تل أبيب أن المواقف التركية تجاوزت حدود الخلاف الدبلوماسي التقليدي. ورغم أن هذا العامل لا يشكل وحده سبباً للمواجهة، فإنه ساهم في تعميق الفجوة بين الطرفين وزاد من صعوبة إدارة الملفات الخلافية الأخرى.


لجنة "ناجل" (The Nagel Commission) والعقيدة الأمنية

ما يمنح هذا المشهد خطورة استثنائية هو أن الحديث عن مواجهة عسكرية مع تركيا لم يعد مجرد تحليلات صحفية أو تكهنات لمراقبين، بل تحوّل إلى جزء لا يتجزأ من العقيدة الأمنية الرسمية للكيان الإسرائيلي. فقد أوصت لجنة "ناجل" الإسرائيلية — المعنية بفحص وإعادة صياغة ميزانية الدفاع — بضرورة استعداد الجيش الإسرائيلي لمواجهة عسكرية محتملة مع تركيا، محذّرة في تقاريرها من أن التهديد القادم من الجبهة السورية تحت الإشراف أو النفوذ التركي قد يُصبح أخطر وأكثر تعقيداً من التهديد الإيراني الذي كان سائداً في العقود الماضية. وفي المقابل، شهد الخطاب التركي تجاه الكيان الإسرائيلي تصعيداً ملحوظاً. فقد صرح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مؤخراً بأن السياسات الإسرائيلية في سوريا ولبنان باتت تمثل تهديداً متزايداً للاستقرار الإقليمي، مؤكداً أن بلاده لن تقف مكتوفة الأيدي تجاه أي تطورات تمس أمنها القومي أو مصالحها الحيوية في المنطقة. كما اعتبرت أنقرة أن استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية في محيطها الإقليمي يفرض عليها مراقبة التطورات عن كثب واتخاذ ما تراه مناسباً لحماية مصالحها.

سيناريو سوء التقدير

قد تلعب عضوية تركيا في حلف شمال الأطلسي والعلاقات الاستراتيجية التي تربط الطرفين بالولايات المتحدة عنصر ردع تَحول دون اندلاع حرب مباشرة، وكذلك تشابك المصالح التجارية بين البلدين. غير أن التجارب الدولية تشير إلى أن الصراعات الكبرى لا تبدأ دائماً بقرار سياسي محسوب، بل كثيراً ما تنشأ نتيجة أخطاء ميدانية أو تقديرات خاطئة تتطور تدريجياً إلى أزمات يصعب احتواؤها. لذلك قد يؤدي حادث محدود أو خطأ في الحسابات إلى سلسلة من ردود الفعل المتبادلة تتجاوز نيات الأطراف نفسها.

إن الحرب المباشرة والتقليدية بين تركيا والكيان الإسرائيلي ليست قدراً حتمياً، لكن الساحة السورية اليوم باتت تختزل وتختزن كل المكونات الكلاسيكية التي تحوّل الحوادث العرضية إلى صراعات مسلحة واسعة: مصالح استراتيجية واقتصادية وجودية متعارضة، حشود عسكرية ضخمة متمركزة في مساحات ميدانية ضيقة، قادة سياسيون محكومون بحسابات داخلية تجعل التراجع بالنسبة لهم مكلفاً جداً، وفي المقابل غياب تام لأي حَكَم دولي أو وسيط قادر على فرض الفصل والتهدئة. إن المنطقة في ظل هذا المشهد المعقد لا تحتاج إلى قرار واعي بإعلان الحرب؛ بل تحتاج فقط إلى لحظة سوء تقدير واحدة يفقد فيها الجميع القدرة على التحكم بردود أفعالهم.



أكاديمي وباحث اقتصادي