«قبل 35 سنة، كنت أبيع أكثر من 50 كتابًا في مثل هذا اليوم، لكنني أصبحت أبيع ما لا يزيد على خمسة»، بهذه الكلمات عبّر بائع الكتب العراقي حسين علي عن واقع الحال في «شارع المتنبّي» بوسط بغداد خلال عطلة نهاية الأسبوع، حيث يتردّد تاريخيًا هواة الكتب، متأسّفًا على اندثار حبّ اقتناء الورق وتراجع مبيعاته في عصر الإنترنت.وبحسب تقرير لـ «وكالة الصحافة الفرنسية»، فإنّ المقولة الشهيرة «القاهرة تكتب وبيروت تطبع وبغداد تقرأ» تبدو بعيدة عن الواقع حاليًا، بعدما كانت تعبّر عن كثافة الإنتاج الأدبي في مصر في مرحلة الستينات وما بعدها، وعن انتشار المطابع في لبنان الذي يتباهى بحريّات أوسع من محيطه العربي، وعن ثقافة العراقيين المعروفة.وفي الشارع الذي أُطلق عليه قبل نحو مئة عام اسم الشاعر أبو الطيب المتنبّي، تنتشر عشرات أكشاك الكتب المليئة بكتب بالعربية والإنكليزية، بالقرب من المقاهي وملتقيات المثقفين. وترفع بعضها لافتات مكتوبًا عليها «الكتاب بألف دينار»؛ أي بأقلّ من دولار واحد، لمحاولة استقطاب الزبائن، لكن من دون جدوى. ويكتفي بعض روّاد الشارع بتصوير هذه الأكشاك مع الكتب التي غزا بعضها الغبار، رغم أنها مطبوعة حديثًا وتتناول السياسة واليوغا وعلم الفلك والزراعة والفنون والإسلام وعلم النفس والفلسفة وعلم الآثار وسواها. وبعضها الآخر ينهشه الاصفرار، وبينها دواوين شعر من العصر العبّاسي، منها دواوين أبي نواس الذي يحمل شارع آخر في بغداد اسمه، ومجموعات قصصية شعبية عراقية وروسية وتركية. كذلك يمكن مشاهدة مجلات علمية وفنّية قديمة بهتت أغلفتها أو تشقّقت.ويؤكد البائع السبعيني حسين علي أنه يشعر «بالأسى لأنني أتعب دون أي ربح في المقابل»، مؤكدًا أنه مستمرّ في عمله لأنه «اعتاد» عليه وعلى «لقاء أصدقاء قدماء يزورون (شارع) المتنبّي». في المقابل، يرثي علي موت «الإبداع»، مدركًا أن أسباب ذلك تعود إلى «ارتفاع سعر الكتاب وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي». أما المهندس عيسى عدنان، البالغ 28 عامًا، فيقول من جهته إنه لم يعد مهتمًا بقراءة الروايات وكتب الفلسفة كما كان في السابق «لأننا أصبحنا نعشق السرعة والإيجاز»، ويرى أنّ البحث عن الكتب في شارع المتنبي مثلا «أقلّ سهولة وسرعة» من «الحصول على الكتب إلكترونيًا».بينما يشير عبد الله عبد العظيم، البالغ 26 عامًا، الذي يدير مكتبة في «شارع المتنبّي»، إلى «انخفاض كبير» في عدد القرّاء والزبائن. ويقول الشاب الذي يروّج على حساب المكتبة في «إنستغرام» للكتب المتوافرة لديه إنّ «الأرباح أحيانًا بسيطة، وأحيانًا أخرى معدومة بالكامل»، لكنه يرى أنّ «البيت الذي لا يحتوي على مكتبة يفتقر إلى الخيال والتجدّد». من جهته، يقول الكاتب حاكم الشمّري إنه بدأ يوزّع مؤلَّفَه الأخير «على المؤسسات العلمية والوزارات من دون مقابل مادي»، وسط تراجع الاهتمام بالكتب.وفي مقهى يجتمع فيه مثقفون من مدن عراقية عدّة حول الشاي ومواضيع السياسة والشعر، يؤكّد إسماعيل البياتي أنه «لا يوجد إقبال على الكتب حاليًا في (شارع) المتنبّي»، رغم أنها تُباع «بأثمان رخيصة». لكن، رغم ذلك، لا يزال الرجل السبعينيّ، الذي قرأ أكثر من 500 كتاب في حياته وفق قوله، يحاول أن يشتري «أيّ كتاب ولو على أساس عنوانه فقط»، لتغذية ولعه بالمطالعة ودعم الباعة. ويرى الرجل الذي درّس التاريخ على مدى 40 عامًا في «جامعة بغداد» أنّ العالم اليوم «يعيش حالة مشابهة لمتعاطي المخدّرات عندما يفقدها... فإذا فُقد الإنترنت، كأنه يموت». (أ.ف.ب.)