في الثالث عشر من حزيران 1978 اهتزّ لبنان على وقع مجزرة إهدن، كما اهتزّ قبله بقرن ونيف جبل لبنان على وقع ثورة الفلاحين في كسروان بقيادة طانيوس شاهين. وبين الحدثين مسافة زمنية طويلة، إلا أن كليهما يكشفان حقيقة واحدة: أن الانقسام داخل المجتمع الماروني ليس ظاهرة مستجدة، بل جزء من تاريخ سياسي واجتماعي طويل رافق نشوء لبنان نفسه.
غالباً ما يُقدَّم الموارنة في السرديات السياسية ككتلة متجانسة، لكن الوقائع التاريخية ترسم صورة مختلفة. فمنذ القرن التاسع عشر عرف المجتمع الماروني صراعات حادة بين الإقطاع والفلاحين، وبين العائلات السياسية الكبرى، ثم بين الأحزاب والميليشيات والزعامات المتنافسة. وفي كل مرة كان الخلاف يتحول إلى أزمة كبرى عندما تغيب سلطة قادرة على تنظيم التنافس وضبطه.
ففي ثورة كسروان لم يكن الصراع بين موارنة وغير موارنة، بل بين الفلاحين الموارنة وإقطاعهم الماروني. طالب الفلاحون بالعدالة والمشاركة السياسية، فيما سعت الطبقة الإقطاعية إلى الحفاظ على امتيازاتها التقليدية. ولم يكن الخلاف مجرد نزاع اقتصادي، بل مواجهة حول من يملك الشرعية داخل الجماعة نفسها.
وفي المرحلة ذاتها برز التباين بين يوسف بك كرم وطانيوس شاهين. فالأول مثّل النخبة السياسية التقليدية التي رأت أن الأولوية هي لمواجهة الحكم العثماني والحفاظ على النظام الاجتماعي القائم، فيما عبّر الثاني عن تيار شعبي أراد إعادة توزيع السلطة داخل المجتمع الماروني نفسه. ومنذ ذلك الوقت ظهر اتجاهان سيرافقان الحياة السياسية المارونية لعقود: اتجاه يعتبر الخطر خارجياً في المقام الأول، واتجاه يرى أن الإصلاح الداخلي شرط للبقاء.
هذا النمط تكرر لاحقاً بأشكال مختلفة. ففي مرحلة الاستقلال تحولت المنافسة بين الرؤساء والزعماء الموارنة إلى انقسامات سياسية حادة، لكنها بقيت محكومة بمؤسسات الدولة. أما مع اندلاع الحرب الأهلية وانهيار الدولة، فقد عاد السلاح ليصبح وسيلة لحسم الخلافات.
عندها شهدت الساحة المسيحية سلسلة من المواجهات الدامية: من إهدن إلى الصفرا وصولاً إلى حرب الإلغاء. وما يجمع هذه المحطات أنها لم تكن حروباً حول العقيدة أو الهوية، بل صراعات على التمثيل والقيادة والنفوذ داخل البيئة نفسها. وعندما غابت الدولة تحولت المنافسة السياسية إلى معارك وجودية، ودفع المجتمع المسيحي أثماناً باهظة من وحدته ودوره الوطني.
غير أن هذا الدرس لا يخص الموارنة وحدهم. فالتاريخ اللبناني كله يؤكد أن كل طائفة دخلت في صراعات داخلية عندما ضعفت الدولة. شهدت الساحة الشيعية مواجهات بين أمل وحزب الله، وعرفت الساحة الدرزية والسنية بدورها انقسامات وصدامات مختلفة. لذلك فإن المشكلة ليست في الطوائف بحد ذاتها، بل في الفراغ الذي تتركه الدولة عندما تعجز عن احتكار القوة وإدارة التنافس السياسي.
من هنا تبدو مجزرة إهدن وثورة كسروان، على الرغم من اختلاف السياق والظروف، وجهين لمسألة واحدة: ماذا يحدث عندما يصبح الخلاف داخل الجماعة أقوى من المؤسسات التي تضبطه؟ الجواب الذي يقدمه التاريخ اللبناني واضح ومؤلم في آن واحد. فعندما تكون الدولة قوية يتحول الاختلاف إلى تنافس سياسي منتج، أما عندما تضعف الدولة فإن الاختلاف نفسه يتحول إلى صراع صفري لا رابح فيه.
ولعلّ الدرس الأهم الذي يمكن استخلاصه من مسار يمتد من طانيوس شاهين ويوسف بك كرم إلى إهدن وحرب الإلغاء، هو أن مستقبل أي جماعة في لبنان لا يُبنى على غلبة زعيم على آخر، بل على وجود دولة قادرة على تحويل الصراع من ساحة السلاح إلى ساحة السياسة. فالتاريخ يثبت أن أخطر ما واجه الموارنة لم يكن دائماً خصومهم في الخارج، بل عجزهم، كما عجز سائر اللبنانيين، عن بناء مرجعية وطنية تعلو على الانقسامات الداخلية.