الدكتور طوني بدر

جنت على نفسها براقش

3 دقائق للقراءة

يروي التراث العربي أن براقش كانت كلبةً لقومٍ احتموا من عدوّهم واختبأوا منه حتى كادوا ينجون. لكن نباحها كشف مكانهم، فاهتدى إليهم الأعداء وأوقعوا بهم. ومنذ ذلك الحين، صار العرب يقولون: "جنت على أهلها براقش"، في وصف من يتسبب بنفسه وبمن حوله بالضرر الذي كان يمكن تجنبه.

بهذا المعنى، لا يبدو المثل اليوم بعيداً عن المشهد اللبناني. فـ"حزب الله" يرحّب بما يُحكى عن سعي إيراني لإدراج وقف إطلاق النار في لبنان ضمن أي تفاهم محتمل مع الولايات المتحدة، وكأن وقف النار مكسبٌ يُضاف إلى رصيد الحرب، لا محاولة متأخرة لاحتواء نتائج قرار هو من اتخذه أصلاً.

السؤال الجوهري هنا ليس: هل نريد وقف إطلاق النار؟ بل: لماذا اندلعت النار أصلاً؟

قبل قرار "حزب الله" فتح الجبهة، لم يكن الجنوب يعيش هذا المستوى من الدمار. ولم تكن عشرات آلاف العائلات مهجّرة. ولم تكن الضاحية الجنوبية والقرى الحدودية تدفع هذا الثمن البشري والعمراني. ولم يكن لبنان، رغم أزماته، جزءاً مباشراً من حرب إقليمية تُدار حساباتها خارج حدوده.

ما يجري اليوم ليس عودة إلى ما قبل الحرب. هذا توصيف مضلل. فالبلد لا يعود إلى نقطة البداية بعدما يخسر أبناءه وبيوته وقراه واستقراره. نحن أمام واقع جديد أكثر قسوة: وقف نار محتمل فوق أرض مدمرة، وناس منهكين، ومناطق منكوبة، وكلفة وطنية لا يمكن استرجاعها.

في التحليل السياسي، هذا هو جوهر الخسارة الاستراتيجية: أن تدفع ثمناً هائلاً لا لتحقق موقعًا أفضل، بل لتطلب النجاة من نتائج القرار الذي أدخلك إلى الكارثة. والأسوأ أن ما لا يمكن استرداده، الأرواح، البيوت، فرص العمل، الاستثمارات، الطمأنينة، والاستقرار الاجتماعي، لا يدخل عادة في بيانات الانتصار ولا في حسابات التفاوض.

أما المفارقة الأوضح، فهي أن إيران تبدو الطرف الوحيد الذي استطاع تحويل هذه الحرب إلى ورقة إضافية على طاولة التفاوض. وهذا مفهوم من زاوية مصالح الدول. فإيران تتصرف كدولة تسعى إلى تحسين شروطها مع الولايات المتحدة. لكن المأساة أن "حزب الله" جعل لبنان يدفع من أرضه وأهله واقتصاده ثمن ورقة لا يمسك هو بقرار استخدامها النهائي.

هنا تقع المسؤولية الأولى على "حزب الله": لأنه اختار الحرب، وربط لبنان بمحور إقليمي، وقدم بيئته وبلده كمساحة ضغط في معركة أوسع من المصلحة اللبنانية.

لكن هذا لا يعفي السلطات السياسية اللبنانية السابقة من مسؤوليتها. فلو امتلكت الدولة، منذ سنوات، الجرأة على اتخاذ القرارات السيادية التي بدأت الحكومة الحالية بطرحها اليوم، لما كان لبنان في هذا الموقع. ولو لم تتلكأ الطبقة السياسية، ولو لم يتواطأ عدد كبير من الأفرقاء مع منطق الدويلة والسلاح الموازي، لكان لبنان اليوم، كغيره من دول المنطقة، في موقع الحريص على استقراره ومصلحته الداخلية بدل أن يكون ساحة مفتوحة لحروب الآخرين.

المشكلة، إذاً، ليست في الدولة كفكرة، بل في سلطة تخلّت طويلاً عن شروط الدولة. وليست في لبنان ككيان، بل في من صادر قراره، ومن غطّى هذه المصادرة، ومن تعامل مع السيادة كترف مؤجل لا كشرط لبقاء البلد.

لهذا، لا يجوز أن يتحول وقف إطلاق النار إلى ستار يحجب السؤال الأهم: من أشعل النار؟ ومن قرر أن يدفع لبنان ثمنها؟ ومن استفاد فعلاً من تحويل الجنوب والضاحية والناس إلى عناصر في معادلة تفاوضية إقليمية؟

قد يتوقف إطلاق النار. لكن هذا لا يمحو الكلفة. ولا يعيد القرى كما كانت. ولا يبدد مأساة المهجّرين. ولا يحول الخسارة إلى انتصار.

ولهذا يبقى المثل صالحاً، لا كحكاية من الماضي، بل كتشخيص سياسي للحاضر: جنت على نفسها براقش، وجنت على أهلها أيضاً