سؤال يتكرر : هل يمكن أن يدخل الرئيس السوري أحمد الشرع إلى لبنان، بغطاء أميركي أو إقليمي، للمساهمة في إنهاء القوة العسكرية لـ"حزب الله"؟
نظريًا، لا يمكن استبعاد هذا السيناريو بالكامل، لكنه ليس السيناريو الوحيد المطروح. فالتحولات الجارية تشير إلى وجود خيارات عدة تتداولها القوى الإقليمية والدولية، وكلها تنطلق من حقيقة واحدة: أن مسألة سلاح "حزب الله" لم تعد قضية لبنانية داخلية فحسب، بل أصبحت جزءًا من إعادة رسم التوازنات في الشرق الأوسط.
في هذا الإطار، يكتسب تصريح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أن "أمن بيروت من أمن تركيا" أهمية خاصة. فالتصريح لا يبدو مجرد موقف دبلوماسي عابر، بل يعكس رغبة تركيا في تثبيت نفسها لاعبًا أساسيًا في النظام الإقليمي الجديد. ويبدو أن أنقرة تسعى إلى توسيع نفوذها في سوريا أولا، مستفيدة من المتغيرات الأخيرة، مع محاولة تقديم نفسها كمرجعية سنية إقليمية إلى جانب المملكة العربية السعودية.
ولا يمكن فهم هذا الدور التركي بمعزل عن الانقسام السنّي - الشيعي الذي يطبع المنطقة منذ قرون. فرغم أن الصراعات المعاصرة تتجاوز البعد المذهبي في كثير من الأحيان، فإن هذا العامل لا يزال حاضرًا في الحسابات السياسية والاستراتيجية للفاعلين الإقليميين، ويؤثر في تشكيل التحالفات وخطوط النفوذ.
أما بالنسبة إلى سوريا، فإن فكرة دخول قوات سورية إلى لبنان تواجه عقبة أساسية تتمثل في الذاكرة اللبنانية المرتبطة بالوجود العسكري السوري السابق. فهناك حساسية سياسية وشعبية تجعل أي انتشار مباشر للجيش السوري داخل الأراضي اللبنانية أمرًا بالغ التعقيد. ولهذا السبب، قد يكون السيناريو الأكثر واقعية، إذا اتُّخذ قرار إقليمي بعمل عسكري واسع ضد "حزب الله"، هو دخول قوة متعددة الجنسيات أو قوة ذات غطاء دولي، قد تؤدي فيها تركيا دورًا محوريًا، مع تجنّب الظهور السوري المباشر.
في المقابل، يطرح البعض احتمال اجتياح إسرائيلي بري واسع يصل إلى بيروت، على غرار ما جرى عام 1982. غير أن المقارنة بين الحالتين تبقى محدودة. ففي ذلك الوقت، كانت إسرائيل تواجه منظمة التحرير الفلسطينية، وهي تنظيم ذو قيادة وقاعدة رئيسية خارج لبنان. أما اليوم، فإن "حزب الله" يشكل جزءًا من النسيج الاجتماعي والسياسي اللبناني، وتحديدًا داخل البيئة الشيعية. ولذلك، فإن أي محاولة لاقتلاع "الحزب" بالقوة العسكرية وحدها تبدو أكثر تعقيدًا بكثير مما كانت عليه الحالة الفلسطينية في الثمانينيات.
كذلك، تبدو فرضية الحرب الأهلية اللبنانية ضعيفة الاحتمال. فالمجتمع اللبناني، رغم انقساماته السياسية الحادة، لا يظهر استعدادًا للعودة إلى تجربة الحرب الداخلية. كما أن القوى السياسية الأساسية تدرك حجم الكلفة التي قد تترتب على أي مواجهة أهلية جديدة.
في المقابل، يبدو أن إسرائيل تعتبر أن حربها مع "حزب الله" لم تنتهِ بعد، وأن هدفها الاستراتيجي لا يزال يتمثل في إنهاء التهديد العسكري الذي يمثله على حدودها الشمالية. كما أن الاعتقاد بأن رحيل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو سيؤدي تلقائيًا إلى تراجع هذا التوجه قد يكون مبالغًا فيه، إذ إن جزءًا كبيرًا من المؤسسة السياسية والأمنية الإسرائيلية يتبنى مقاربة متشددة تجاه "حزب الله" وإيران.
في النهاية، قد لا يكون السؤال الحقيقي هو ما إذا كان أحمد الشرع سيدخل لبنان أم لا، بل كيف ستُدار عملية إعادة ترتيب التوازنات الإقليمية في مرحلة ما بعد حرب 2023. فالشرق الأوسط يشهد بالفعل تحوّلا جذريًا في موازين القوى، بينما تسعى الولايات المتحدة إلى دفع مسارات جديدة للتسويات والتحالفات. وبين النفوذ الإيراني، والطموح التركي، والاستراتيجية الإسرائيلية، يبقى لبنان ساحة أساسية في هذا الصراع المفتوح، فيما لا تزال آليات التنفيذ هي العنصر الأكثر غموضًا في المشهد الحالي.