المحامي محمد آصف ناصر

معاهدة فرساي الرقمية

6 دقائق للقراءة

في 17/06/1789، أُعلنت الجمعية العمومية الفرنسية في قصر فرساي من قاعة Salle des Menus-Plaisirs وقد أعلنت هذه الجمعية شرارة الثورة الفرنسية والجمهورية التي اعتبرها الكثيرون الابنة الشرعية للاستقلال الأميركي في 04/07/1776. 

في 17/06/2026، وعلى مسافة 850 مترا من قاعة اعلان الجمعية العمومية، في قاعة Galerie des Glaces التي وقعت فيها معاهدة فرساي في 28/06/1919، وخمسين دقيقة بعد إغلاق سوق الأوراق المالية في نيويورك، وقع ترمب، من المكان الذي جلس فيه ويلسون في العام 1919، مذكرة التفاهم مع الجمهورية الإسلامية في إيران، بحضور قادة الدول التي تطوعت لتأمين حماية الملاحة البحرية في مضيق هرمز والتي ستقوم بتنظيف "المياه الدولية" في هذا المضيق.

رسميا أصبح مضيق هرمز مياهًا دولية، بالرغم من تصريحات قاليباف الذي حاول استنساخ النموذج التركي في الدردانيل والبوسفور، ليلعن شعبويا أن إيران ستفرض رسوم خدمات. تصريحات قاليباف تصطدم بحقائق عدة:

الدردانيل والبوسفور مضيقين سياديين تركيين يقعان ضمن الأراضي التركية ويخضعان لاتفاقية مونترو 1936 التي تمنح تركيا السيادة الكلية على هذين المضيقين الضيقين والعسيري الملاحة، أما مضيق هرمز كمضيق جبل طارق وباب المندب ومضيق ملقا (الحيوي بالنسبة للصين) يخضع لقانون البحار، ولا يمكن لإيران أن تفرض أي رسوم أو بدل خدمات الزامية(لكنها تستطيع كأي تاجر بحري وكأي مرفأ أن تقدم خدمات اختيارية إن طلبتها السفن العابرة)، خاصة وان مذكرة التفاهم قد نصت بوضوح على ذلك، والتي جاءت لتؤكد ما أقرته قمة الــG2 في بيكين في يوم الفردوسي.

ولن تلقى إيران من الصين أي إسناد، خاصة وأن فرض رسوم على مضيق هرمز وعلى الدول المشاطئة له والتي تتمتع بحق مرور مجاني وحقوق اقتصادية خالصة، لا يخالف فقط القانون الدولي، بل يضع الصين في رادار مطالبات ماليزيا واندونيسيا وسنغافورة برسوم خدمات مماثلة لقاء عبور مضيق ملقا، وهذا ما لن تقبل به الصين يومًا.

فرح الحج واحتفل، واصطهج، ووقف على أول الدبكة وبدأت وسائل اعلامهم تحضر لقبول أوراق اعتماد الشيباني بصفة مندوب سامي أخميني، ولكن حسابات الحقل لم تكن كحسابات البيدر:

فرح الحج بالفقرة الأولى التي جاءت لتشمل لبنان بمذكرة التفاهم ووقف اطلاق النار، لكن الفقرة الأولى من مذكرة التفاهم لا تقرأ وحدها، بل تقرأ مع الفقرة التي تليها والتي تضمن منع التدخل بالشؤون الداخلية للدول المشمولة بهذا الاتفاق، فقراءة التعاقد بعقلية الــCommon Law توجب قراءته مع الConsideration، ومن الطبيعي أن أيران لا تملك ان تتدخل في شؤون الولايات المتحدة الداخلية، ولكنها أيضا لن تستطيع أن تتدخل في شؤون الدول المشمولة بهذا الاتفاق، أو التي ترعاها الولايات المتحدة وطالما أن المفاوضات المباشرة بين لبنان والعدو الإسرائيلي تتم برعاية أميركية فلن تستطيع إيران أن تتدخل في هذه المسائل التي أصبحت تخضع للاختصاص الحصري الأميركي: هنا كان لغم الكلام، ففيما فرح الحج باشتمال النص على لبنان، ظنا منه أن إيراد ذكر لبنان يتيح له مد يده إلى الوليمة اللبنانية، جاء إيراد لبنان تحديدا ليمنع أي تدخل إيراني، خاصة وأن الفقرة الأولى تنص صراحة على احترام سيادة لبنان وهذا يذهب في الاتجاهين (It Goes Both Ways) تحت طائلة تطبيق الـBreak Up Fee خاصة وان الأموال تحت اليد الأميركية ومن طرف جيبتها على حسب تعبير رضائي.

يسعى الثنائي قاليباف عرقتجي إلى الالتفاف على الفقرة أعلاه بفرض اسم الشيباني كخيار دبلوماسي وحيد، ويسعى أحفاد أبو الياس (من مسرحية صيف 1840) أن يدوروا الزوايا ليقنعوا الرئاسة بقبول هذا الامر؛ إن الخطيئة الكبرى التي قد تقترفها الدولة اللبنانية هي قبول أوراق اعتماد الشيباني، فإن إصرار الخارجية الإيرانية على الشيباني يستهدف شؤوننا الداخلية واللعب على تناقضاتنا البنيوية الطائفية لإبقاء حضور على الساحل الشرقي للمتوسط، وهنا لا يجوز قبول الإهانة التي وجهها الشيباني للحكومة اللبنانية ولا يجوز بأي شكل من الاشكال الظهور بمظهر الضعيف المنكسر فيما نحن نفاوض الإسرائيلي، فإذا انكسرنا أمام الإيراني ما الذي يمنع الإسرائيلي من التصلب في مطالباته أكثر. هنا علينا أن نلفت عناية الخارجية الإيرانية إلى أن إصراراها على كسر وزير الخارجية اللبناني لا يشكل اعتداء على شخص معالي الوزير رجي، وإنما يمتد لينال من هيبة الدولة اللبنانية، ويعد تدخلا في شؤونها الداخلية وخرقا لاتفاقية فيينا لتنظيم العلاقات الدبلوماسية ويطيح بحق الدولة المضيفة برفض شخص محدد بذاته، كما يشكل خرقا للفقرتين 1 و2 من مذكرة التفاهم، ويهدد حقوق إيران بتقاضي الأموال المحجوزة التي ستبدأ بالستة مليارات المحتجزة في قطر. فبكل بساطة يمكن للدولة اللبنانية أن ترفض اعتماد السفير شيباني وتحرص على أطيب العلاقات الودية مع الشعب الإيراني الشقيق ومع الجمهورية الإسلامية في إيران الصديقة وتطلب من هذه الدولة حرصا على أطيب العلاقات أن تستبدل شخص السفير بشخص سفير آخر.

إن مطالعة النص الرسمي تظهر بما لا يقبل الشك أن ترمب حقق كل ما يريده، ولم يقف عند حد تدمير اليورانيوم على الأراضي الايرانية برقابة دولية، وفتح مضيق هرمز، بل قطع أذرع إيران من على الضفاف الشرقية للمتوسط.

أما لجهة جعل الاتفاقية النهائية وهذه المذكرة تحت رقابة مجلس الامن، فقد منحت هذه الفقرة ترمب ما كان ينقصه في تسديد الضربات العسكرية إن نكثت إيران عن تنفيذ التزاماتها. ما كان ينقص ترمب هو ما كان ينقص جورج بوش الابن: المشروعية الدولية؛ إذًا فإن خضوع مذكرة التفاهم لاختصاص مجلس الأمن يجعل من الضروري اقترانها بقرار يصدر عن هذا المجلس ، وهنا فإن أي صيغة لا تضع هذه المذكرة تحت أحكام الفصل السابع قد لا تقبل بها الولايات المتحدة وفي هذه الحالة ستكون إيران المتضرر الوحيد، ويكون ترمب قد كسب الوقت الذي يريده، ويكون الاسطول الأوروبي قد بلغ المضيق وضمن حرية الملاحة فيه فتصبح مسألة اليورانيوم عالي التخصيب خاضعة لأحكام قرارات سابقة صادرة عن مجلس الأمن تحت الفصل السابع وتتيح التدخل العسكري للحؤول دون الحصول على قنبلة ذرية، ويؤكد هذه المخاوف ما صدر عن مجلس محافظي (Board of Governors) الوكالة الدولية للطاقة الذرية مؤخرا بخصوص المشروع النووي الإيراني وقد أقرت إيران رسميا في مذكرة التفاهم المبرمة بامتلاكها يورانيوم عالي التخصيب يمكن استعماله لأهداف عسكرية.

هذا هو فحوى الاتفاقية وهذا هو نصها فلا تفرحوا ولا تبتئسوا، حانت لحظة الحقيقة، فلننصرف إلى ترتيب بيتنا الداخلي، وآن الأوان لأن يلتزم نعيم قاسم عهد الاشتر فيخضع للسيادة اللبنانية ويقوم بتسليم إمرة السلاح لصاحب الإمرة، ويتوقف عن التضحية بأطفال لم يبلغوا سن الرشد ولا يستدعي مزيدا من التدخلات في وطننا المنهك ولنعمل جميعا على إرساء سلم حيرام وإعادة وطننا على خريطة التجارة العالمية وعلى واجهة الإنسانية التشغيلية.