قامت الجمهورية الإسلامية مرّتين بتأجيل اتفاق مع الولايات المتحدة بهدف إغضاب الرئيس الأميركي.
في 19 كانون الثاني 1981، كانت المفاوضات حول إطلاق سراح الرهائن الأميركيين من سفارتهم في إيران قد نضجت، لكنّ القيادة الإيرانية في ذلك الحين ارتأت تأجيل الإفراج عنهم إلى اليوم التالي، أي 20 كانون الثاني 1981، الذي شهد تسلّم الرئيس رونالد ريغان الحكم من سلفه جيمي كارتر، وذلك لعدم إعطاء الأخير هدية إيرانية في آخر يوم له في البيت الأبيض. فما كان من ريغان إلّا أن أرسل كارتر لاستقبال الرهائن المحرَّرين.
وفي 14 حزيران 2026، كانت المفاوضات الأميركية - الإيرانية قد نضجت لإعلان مذكرة تفاهم أولية بين الطرفَين، لكنّ القيادة الإيرانية تريّثت حتى اليوم التالي، كي لا يتزامن الإعلان مع عيد ميلاد نجم تلفزيون الواقع، الرئيس دونالد ترامب.
إنّ العقلية الإيرانية لم تتغيّر خلال أربعة عقود من الزمن، لكنّ المطروح جديًا، هذه المرة، هو تغيير "وظيفي"، "لا هيكلي"، في النظام الإيراني، وهذا ما يجد مناصرو إيران وأميركا على حد سواء صعوبة في تقبّله. فمن اليوم الأول للحرب الأميركية الأخيرة على إيران، أوضح ترامب أنّه لا يبغي تغيير النظام الإيراني، فالمطروح كان تغييرًا "في" النظام الإيراني. فهيكلية النظام لا تزال نفسها، لكنّ وظيفة كلّ من المرشد والحرس الثوري والمسؤولين المدنيين في طور التبلور، لزيادة نفوذ المتعاونين مع واشنطن.
فاليوم، تتنافس في إيران عدة جهات، أبرزها التيار الأكثر اعتدالًا بقيادة وزير الخارجية عباس عراقجي والرئيس مسعود بزشكيان، والتيار الأكثر تشددًا بقيادة الحرس الثوري، الذي يزعم قائده أنّه يتلقى رسائل مكتوبة من المرشد الأعلى، ومن لا يصدّق، فليكذّبه إذا استطاع. كذلك، برز إلى الساحة دور محمد علي قاليباف كمحفّز Catalyseur للمعادلة الجديدة، وهو سيوقّع على مذكرة التفاهم مع نائب الرئيس فانس، فكلاهما في مرحلة "التعويم" الأميركي لقيادة البلدَين مستقبلًا.
وقد ظهر الخلاف بين التيارَين خصوصًا في آذار 2026. ففي 7 آذار، اعتذر بزشكيان من الدول العربية المجاورة عن الاعتداءات الإيرانية، ليردّ عليه الحرس الثوري في 8 آذار بقصف الإمارات العربية المتحدة بـ17 صاروخًا باليستيًا، تمّ اعتراض 16 منها، و117 طائرة بدون طيار، تمّ اعتراض 113 منها. وبعد الإعلان عن الاتفاق مع الولايات المتحدة، خرجت مظاهرات بإيعاز من الحرس الثوري للاعتراض.
إنّ مذكرة التفاهم، في حال أفضت إلى اتفاق سلام نهائي بين الطرفَين، تعني إيجاد وظيفة جديدة لإيران كدولة صديقة للولايات المتحدة ووجهة للاستثمارات الأميركية. لذا، امتنع ترامب مرارًا عن استهداف حقول النفط ومنشآت الطاقة وتدميرها كليًا. وفي هذا الإطار، تُطرح الأسئلة التالية: "ماذا عن الأيديولوجيا؟ ماذا عن الشيطان الأكبر؟ وماذا عن لبنان؟"
الواقع أنّ زمن الأيديولوجيات انتهى منذ سقوط الاتحاد السوفياتي سنة 1991. فمنذ ذلك الحين، لم تعد الأيديولوجيا غاية، بل وسيلة لاستغلال الشعوب، وهو ما ظهر جليًا من الصين إلى باقي آسيا، ومن سوريا إلى إيران. أمّا لبنان، الذي لم يتوقف يومًا عن انتظار مصيره على الشاطئ الفينيقي لدى مرور الإمبراطوريات، فهو أمام احتمالَين، أحلاهما مرّ، كالعادة. الاحتمال الأول هو أن يفضي الاتفاق النهائي إلى تخلّي إيران عن تمويل "الأذرع"، طمعًا بمئات المليارات الأميركية. ويكمن الخطر هنا في دخول المنطقة مخاض بحث عن الهوية يكون أصعب من الحالات السابقة، أي بعد سقوط السلطنة العثمانية، وبعد خسارة عبد الناصر للحرب، وبعد سقوط الشيوعية، وبعد سقوط البعثية. هذا البحث يحمل خطر الاضطرابات الداخلية التي تستغل المشاعر الملتهبة لشعوب عاطفية بطبيعتها، تشغل مساحات جغرافية مشتركة.
أمّا الاحتمال الثاني، فيتمثّل بغسل الحاكم الروماني يديه من دم هذا الصدّيق، كما فعل في زمن عرفات، والأسد الكبير، والأسد الصغير، والخامنئي الأب. وقد عبّر ترامب أكثر من مرة عن نيته التنصّل من الملف اللبناني وتسليمه إلى سوريا، وقد اصطدم هذا التمني بوعي الرئيس السوري الحالي لواقع الأمور في لبنان والمنطقة وسعيه إلى التعامل مع لبنان كدولة سيدة، فالشرع كان المبادر إلى إلغاء المجلس الأعلى السوري - اللبناني، بعد أن نسيت الحكومة اللبنانية أمره، لانشغالها بأمور كثيرة.
من تنصيب ريغان إلى عيد ميلاد ترامب، لم تتغيّر هيكلية النظام الإيراني ولا عقليته، لكنّ الوظيفة تغيّرت، بانتظار التداعيات على لبنان.