لا تزال الذاكرة العربية تحتفظ بصورة محمد سعيد الصحّاف، وزير الإعلام العراقي الأسبق، الذي تحوّل اسمه مع الزمن إلى رمزٍ لإنكار الواقع وتغليب الرواية الدعائية على الحقائق الميدانية. لم تكن الظاهرة يومها مرتبطة بشخصٍ بعينه بقدر ما كانت تعبيراً عن عقلية سياسية ترى أن السيطرة على السردية أهم من مواجهة الوقائع، وأن تكرار الشعارات قادرٌ على حجب الحقائق مهما كانت واضحة.
هذه الظاهرة لا تنتمي إلى الماضي كما يظن البعض، بل تعود للظهور في كل مرة تواجه فيها المجتمعات العربية والإسلامية أزماتٍ كبرى أو هزائم أو كوارث وطنية. وفي لبنان اليوم، تبدو هذه العقلية حاضرة بقوة في بعض الخطابات السياسية والإعلامية التي تتعامل مع الأحداث الجارية وكأنها انتصارٌ تاريخي مكتمل الأركان، فيما تقف الوقائع على الأرض شاهدة على حجم الخسائر البشرية والاقتصادية والاجتماعية التي أصابت البلاد.
فمع كل اتفاق أو تسوية أو وقفٍ لإطلاق النار، يظهر انفصامٌ واضح بين الواقع والخطاب. فمن جهة، هناك قرى مدمرة، وأحياء سويت بالأرض، وعائلات فقدت أبناءها ومنازلها ومصادر رزقها، ومئات آلاف اللبنانيين الذين عاشوا تجربة النزوح والتهجير والخوف وعدم اليقين. ومن جهة أخرى، هناك من يصر على الحديث بلغة الانتصار المطلق، وكأن كل هذه الأثمان الباهظة ليست سوى تفاصيل هامشية لا تستحق التوقف عندها.
تكمن المشكلة هنا في أن مفهوم النصر نفسه يصبح موضع تشويه. فالنصر في معناه السياسي والاستراتيجي ليس مجرد القدرة على الاستمرار في المواجهة أو الصمود تحت النار، بل هو القدرة على تحقيق أهداف واضحة بأقل الخسائر الممكنة، وحماية المجتمع وصون حياة الناس ومقدراتهم. أما حين تتحول الخسائر البشرية والاقتصادية الهائلة إلى مجرد أرقام تُهمّش في الخطاب العام، فإننا نكون أمام أزمة أخلاقية وسياسية تتجاوز مجرد اختلاف وجهات النظر.
والأخطر من ذلك أن بعض الخطابات لا تكتفي بإنكار حجم المأساة، بل تسعى إلى مصادرة حق الناس في التعبير عن آلامهم. فالنازح الذي يبكي منزله، والأم التي تنتظر ابنها، وصاحب المتجر الذي خسر عمره كله، يُطلب منهم أحياناً أن يصمتوا باسم القضية الكبرى، أو أن يخفوا وجعهم حتى لا يُفسَّر كلامهم على أنه اعتراض أو تشكيك أو ضعف.
وهنا تتحول المعاناة الإنسانية إلى عبءٍ على الرواية السياسية نفسها. فبدلاً من أن يكون الإنسان محور الاهتمام، يصبح مطلوباً منه أن يتكيف مع الخطاب، وأن يضبط مشاعره بما يناسب السردية الرسمية أو الحزبية. وهذه إحدى أخطر مظاهر الانفصال بين السياسة والمجتمع؛ إذ يصبح الدفاع عن الخطاب أهم من الدفاع عن الإنسان.
إن المجتمعات الحية لا تُقاس بقدرتها على إنتاج الشعارات، بل بقدرتها على مراجعة نفسها. فالتجارب السياسية والعسكرية الكبرى في العالم لم تتقدم عبر ترديد عبارات النصر والهزيمة، بل عبر النقد والمحاسبة واستخلاص الدروس. أما حين يصبح السؤال جريمة، والمراجعة خيانة، والاعتراف بالأخطاء ضعفاً، فإن المجتمع يفقد قدرته على التعلم، ويصبح محكوماً بإعادة إنتاج المأساة نفسها بأشكال مختلفة.
لقد عانى لبنان لعقود طويلة من ثقافة سياسية تقوم على تقديس الزعامات والأحزاب والمحاور، أكثر مما تقوم على حماية الدولة والمجتمع. وفي كل محطة مفصلية، كان المواطن اللبناني يدفع الثمن الأكبر، بينما تستمر النخب السياسية في إعادة إنتاج الخطابات ذاتها، وكأن شيئاً لم يتغير. وما يزيد من خطورة هذا الواقع أن الانهيار الاقتصادي العميق الذي يعيشه البلد يجعل أي خسارة إضافية أكثر فداحة وأشد أثراً على الأجيال المقبلة.
إن اللبنانيين لا يحتاجون اليوم إلى مزيد من الخطب الحماسية، بل إلى مصارحة وطنية شجاعة تعترف بحجم الكارثة كما هي. يحتاجون إلى خطاب يحترم عقولهم وآلامهم، لا إلى خطاب يطالبهم بالاحتفال فوق الركام. فالاعتراف بالخسائر ليس هزيمة، ومحاسبة المسؤولين ليست خيانة، ومراجعة الخيارات ليست تخلياً عن المبادئ، بل هي شروط أساسية لأي مشروع وطني جاد.
في النهاية، ستنتهي المؤتمرات الصحفية، وستغادر الكاميرات، وستخفت ضوضاء الشعارات. لكن ما سيبقى هو ما تركته الأحداث في حياة الناس: البيوت المهدمة، والقرى الجريحة، والذكريات المفقودة، والأعباء الثقيلة التي سيحملها اللبنانيون لسنوات طويلة. والتاريخ، في نهاية المطاف، لا يكتبه أصحاب الخطابات المرتفعة، بل يكتبه الواقع نفسه.
لذلك، فإن أول خطوة نحو الإنقاذ ليست إعلان انتصار جديد، بل امتلاك الشجاعة للاعتراف بالحقيقة. فالأوطان لا تُبنى على إنكار الواقع، ولا تُحمى بتجميل الكوارث، ولا تنهض بتحويل الإنسان إلى مجرد تفصيل في معادلات الصراع. وما لم يصبح الإنسان هو الغاية الأولى للسياسة، فإن الانتصارات المعلنة ستبقى كلماتٍ تتردد في الهواء، بينما تستمر الوقائع في سرد قصة مختلفة تماماً.