خضر نجدي

لبنان بين عبء الجغرافيا ووهم الانتصار... هل آن أوان إعادة اكتشاف السؤال الذي طرحه الإمام موسى الصدر منذ نصف قرن؟

7 دقائق للقراءة

في كل حرب جديدة يخوضها لبنان، أو تُخاض على أرضه، يعود اللبنانيون إلى المشهد ذاته: دمار واسع، قتلى وجرحى، نزوح وتهجير، انهيار اقتصادي إضافي، وانقسام داخلي حول تفسير ما جرى. لكن ما يلفت الانتباه أن النقاش العام غالباً ما ينشغل بنتائج الحرب المباشرة، فيما يتجنب العودة إلى السؤال الأعمق: لماذا يتكرر هذا المشهد منذ أكثر من نصف قرن؟

فالحرب الإسرائيلية الراهنة ليست حدثاً منفصلاً عن تاريخ لبنان الحديث، بل تبدو امتداداً لمسار طويل بدأ قبل عقود، حين تحولت الدولة الصغيرة ذات التركيبة الفريدة إلى ساحة دائمة لتقاطع الصراعات الإقليمية والدولية. ومن هنا تصبح إعادة قراءة التاريخ ضرورة وطنية، لا من أجل محاكمة الماضي، بل لفهم الحاضر ومحاولة تجنب إعادة إنتاجه.

فرادة التكوين اللبناني والفرصة الضائعة

يقوم لبنان على صيغة اجتماعية وسياسية نادرة في المنطقة. فمنذ تأسيس الدولة الحديثة، لم يكن بلداً أحادياً دينياً أو مذهبياً أو ثقافياً، بل مساحة التقت فيها جماعات متعددة نجحت، رغم كل التناقضات، في بناء كيان سياسي مستقل.

وقد تزامن نشوء لبنان مع حدثين كبيرين طبعا تاريخ المنطقة بأسرها: نهاية الحقبة العثمانية من جهة، وقيام دولة إسرائيل على أرض فلسطين من جهة أخرى.

في تلك المرحلة، ساهمت مختلف المكونات اللبنانية في بناء الدولة. فالحضور المسيحي شكّل عامل اطمئنان للقوى الغربية التي رعت نشوء الكيان اللبناني، فيما مثّل الحضور الإسلامي جسراً طبيعياً مع العالم العربي والإسلامي. وكان يمكن لهذا التوازن أن يؤسس لنموذج دولة صغيرة لكنها مؤثرة، تستفيد من تنوعها ومن موقعها ومن قدرتها على التواصل مع عوالم متعددة في الوقت نفسه ، لكن التاريخ سار في اتجاه آخر.

فبدلاً من أن يتحول التنوع إلى مصدر قوة، أصبح في كثير من الأحيان مدخلاً لتنازع المشاريع الكبرى على الساحة اللبنانية. وبدلاً من أن يستثمر لبنان فرادته لصالحه ولصالح القضايا التي يؤمن بها، جرى استخدامه تدريجياً كساحة مواجهة تتجاوز قدراته الفعلية.

لا يحتاج الفلسطينيون إلى شهادة من أحد لإثبات عدالة قضيتهم، كما لا يحتاج اللبنانيون إلى إثبات حجم التعاطف التاريخي الذي أظهروه تجاه الشعب الفلسطيني.

غير أن المشكلة لم تكن يوماً في القضية نفسها، بل في طبيعة الدور الذي جرى إسناده إلى لبنان باسم هذه القضية.وكان ممكناً للبنان أن يقدم للقضية الفلسطينية ما هو أبعد بكثير من مساهمة عسكرية محدودة الإمكانات، ادت الى تدميره اكثر من مرة اعادته عشرات السنوات الى الوراء ، وحرمته من فعالية مراكمة الانجازات التي تتحقق على المستوى الاقتصادي والثقافي وغيرها . كان يمكن للبنان أن يكون نموذجاً سياسياً وثقافياً وإعلامياً ودبلوماسياً يدافع عن الحق الفلسطيني أمام العالم كله بفعالية مضاعفة .

لكن ما حدث أن لبنان تحوّل تدريجياً مجبرا إلى خط مواجهة متقدم، رغم أنه أصغر دول الطوق مساحة وسكاناً وإمكانات، ورغم أن معظم الدول العربية التي خاضت حروباً مباشرة مع إسرائيل كانت قد خرجت تدريجياً من دائرة المواجهة العسكرية المباشرة بعد عام 1973.

وهكذا انتقل جزء كبير من عبء الصراع إلى دولة لا تمتلك المقومات اللازمة لتحمل نتائجه الطويلة الأمد.

من اتفاق القاهرة إلى الحرب الراهنة

يصعب فهم ما يجري اليوم من دون العودة إلى عام 1969، حين شكّلت اتفاقية القاهرة نقطة تحول أساسية في تاريخ لبنان المعاصرة ، الذي استطاع أن يبني جزءًا كبيرًا من مؤسسات الدولة، القضائية والتعليمية والادارية، والسياسية. فمنذ تلك اللحظة، لم يعد النقاش يدور فقط حول دعم القضية الفلسطينية، بل حول طبيعة الدولة اللبنانية نفسها، وحدود سيادتها، وقدرتها على التحكم بما يجري على أرضها.ثم جاءت الحرب الأهلية، والاجتياح الإسرائيلي عام 1982، وخروج منظمة التحرير الفلسطينية، ليعتقد البعض أن المرحلة انتهت.

الا أن اللاعبين تبدلوا، وبقيت المعادلة على حالها: لبنان ساحة، والصراع أكبر من لبنان.

انتقل النفوذ من مرحلة إلى أخرى، ومن مشاريع إلى مشاريع مختلفة، لكن البلد بقي يدفع الأثمان نفسها تقريباً: تراجع الدولة، تصاعد الانقسامات، وتعاظم ارتباط مصيره بتوازنات إقليمية لا يملك التأثير الحاسم فيها.

في خضم هذه التحولات، برز الإمام موسى الصدر، اضافة الى شخصيات لبنانية اخرى من كافة الاتجاهات ، بوصفه واحداً من أكثرها قدرة على رؤية التناقض الذي كان يتشكل باكراً.

ولعل أهمية موقفه لا تكمن فقط في مضمونه السياسي، بل في موقع صاحبه أيضاً.

فالرجل كان زعيماً للطائفة الشيعية التي تحملت، وما زالت تتحمل، العبء الأكبر للمواجهة مع إسرائيل بحكم الجغرافيا قبل أي اعتبار آخر. أبناء الجنوب بكافة انتماءاتهم الفكرية والسياسية والطائفية، كانوا في الخطوط الأمامية لمواجهة الحروب والاحتلالات والاجتياحات والاعتداءات المتكررة. ولذلك اكتسب كلامه قيمة استثنائية لأنه لم يصدر عن موقع المتفرج أو المستفيد، بل عن موقع الشريك في دفع الثمن.

كان الصدر يؤكد أن لا أحد يستطيع المزايدة على أهل الجنوب في التزامهم بالقضية الفلسطينية، لأنهم دفعوا من دمائهم وأرزاقهم واستقرارهم ما لم يدفعه كثيرون غيرهم.

لكنه كان يطرح في الوقت نفسه سؤالاً آخر بالغ الأهمية: هل يجوز أن يستمر لبنان وجنوبه في دفع أثمان الدفاع عن القضية الفلسطينية نيابة عن العالم العربي كله؟وفي جوهر هذا السؤال لم يكن الإمام الصدر يدعو إلى التخلي عن فلسطين، بل كان يحاول حماية لبنان من التحول إلى ضحية دائمة للصراع.وربما لهذا السبب يبدو خطابه اليوم أكثر راهنية مما كان عليه قبل نصف قرن.

الحرب الراهنة وتحولات الرأي العام

ما يتوضح في الحرب الحالية ليس فقط حجم الدمار أو الخسائر البشرية، بل التحولات العميقة التي أصابت الرأي العام اللبناني.ففي العقود السابقة كانت الاصطفافات أكثر وضوحاً وأشد أيديولوجية. أما اليوم، فإن شرائح واسعة من اللبنانيين، بما في ذلك داخل البيئات التي تحملت عبء المواجهة تاريخياً، بدأت تطرح أسئلة مختلفة.

فأمام الانهيار المالي غير المسبوق،و انهيار مؤسسات الدولة، وتراجع الخدمات الأساسية، وهجرة مئات الآلاف من الشباب والكفاءات،لم يعد السؤال مقتصراً على كيفية مواجهة إسرائيل، بل أصبح يشمل أيضاً كيفية حماية المجتمع اللبناني نفسه من الانهيار الكامل.

إنها ليست حالة رفض للمقاومة أو للقضية الفلسطينية بقدر ما هي تعبير عن تنامي الوعي بكلفة الحروب الطويلة على مجتمع محدود الموارد والإمكانات. وفي هذا السياق تكتسب أفكار عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر أهمية خاصة، حين ميّز بين "أخلاق الاقتناع" التي تدفع الإنسان إلى التمسك بالمبدأ مهما كانت النتائج، و"أخلاق المسؤولية" التي تفرض عليه التفكير في نتائج أفعاله على المجتمع والدولة.وتكمن المعضلة اللبنانية تحديداً في هذا التوتر،فعدالة القضية لا تعفي من التفكير في النتائج.ونبل الأهداف لا يلغي ضرورة تقييم الوسائل.

والشجاعة في القتال لا تلغي المسؤولية تجاه المجتمع الذي يدفع كلفة هذا القتال.

من هنا يصبح السؤال الأكثر إلحاحاً اليوم: هل يمكن الجمع بين الدفاع عن القضايا العادلة وبين حماية الدولة والمجتمع في الوقت نفسه؟يتبعه سؤال آخر عن المعنى الحقيقي الذي لا يتعلق فقط بمن ربح المعركة، بل بما إذا كانت نتائج الحرب تسمح ببناء مستقبل أفضل من ذلك الذي سبقها.فإذا خرج المجتمع أضعف، والدولة أكثر هشاشة، والاقتصاد أكثر انهياراً، يصبح معنى الانتصار نفس في مكان لا معنى له .

بعد أكثر من نصف قرن من الحروب المتكررة، ربما لم يعد لبنان بحاجة إلى إجابات جاهزة بقدر حاجته إلى طرح الأسئلة الصحيحة. وهو ما المح اليه الامام الصدر قبل عقود .

إلى متى يبقى لبنان مطالباً بحمل أعباء القضايا العربية والإقليمية والعالمية بما يفوق قدرته على الاحتمال؟

وإلى متى يبقى النقاش حول هذا الدور محاصراً بين التخوين من جهة والتبرير من جهة أخرى؟

لقد أثبت اللبنانيون أنهم قادرون على الصمود والتضحية. لكن التحدي الحقيقي لم يعد إثبات القدرة على تحمل الأثمان، بل التأكد من أن هذه الأثمان تقود فعلاً إلى مستقبل يستحق ما يُدفع من أجله.لأن الدول لا تُقاس فقط بصدق قضاياها، بل أيضاً بقدرتها على حماية مجتمعاتها وضمان استمرارها.

وربما تكون المهمة الأكثر إلحاحاً بعد الحرب الراهنة ليست البحث عن كيفية خوض الحرب المقبلة، بل البحث عن كيفية كسر الحلقة التاريخية التي جعلت لبنان يعيش الحرب نفسها بأسماء مختلفة منذ أكثر من خمسين عاماً.