يُجمع فقه القانون الدولي على أن الشخصية القانونية الدولية للدولة لا تتغير بتغير التحالفات أو التوازنات الإقليمية، فالدولة تبقى دولة متى توافرت عناصرها التقليدية، أي الشعب، الإقليم، السلطة والقدرة على الدخول في العلاقات الدولية (1)، وقد كرّس ذلك الفقيه الكبير جايمس كراوفورد في مؤلفه الشهير The Creation of States in International Law (2)، إلا أن الممارسة الدولية أظهرت وجود تمييز مهم بين الشخصية القانونية للدولة (Status) وهي ثابتة نسبيًا، وبين الوظيفة الجيوسياسية للدولة (Function) وهي متحركة بطبيعتها. فقد تبقى الدولة ذاتها قانونيًا، بينما يتغير دورها كليًا داخل النظام الإقليمي. في لبنان، ومنذ نشوء دولة لبنان الكبير سنة 1920، ثم قيام الجمهورية اللبنانية سنة 1943، إرتبط موقع لبنان الجيوسياسي بموقعه الجغرافي الواقع على تقاطع خطوط الصراع في الشرق الأوسط. ومنذ سبعينيات القرن الماضي، إرتبط جزء كبير من الواقع اللبناني بالنزاع العربي-الإسرائيلي، كما أدت عوامل متعددة إلى ذلك كإتفاق القاهرة والإجتياحات الإسرائيلية ونشوء مقاومات متعددة والإحتلال السوري والصراع الإيراني-الإسرائيلي لاحقًا، وأصبح لبنان، بصورة موضوعية، أحد المسارح الرئيسية للصراع الإقليمي، كنتيجة تفاعل معقد بين الجغرافيا وموازين القوى والتحالفات الإقليمية. وقد أدت الحروب العربية-الإسرائيلية، والحرب الباردة، والصراع السوري-الإسرائيلي، ثم الصراع الإيراني-الإسرائيلي، إلى جعل لبنان جزءًا من منظومة إقليمية يغلب عليها منطق إدارة الأزمات والنزاعات. فيُظهر التاريخ الحديث للبنان أن ازدياد حدة الصراعات الإقليمية كان غالبًا يقابله تراجع في قدرة الدولة المركزية وتضخم أدوار الفاعلين غير الدولتيين وارتفاع مستويات التدخل الخارجي. ومن ثم يمكن طرح فرضية معاكسة، فكلما انخفضت حدة الصراعات الإقليمية، ازدادت فرص الدولة اللبنانية في إستعادة وظائفها الطبيعية. وهذه الفرضية تنسجم مع الإتجاهات الحديثة في فقه بناء الدولة(3)، إلا أن التحولات المتسارعة التي تشهدها المنطقة اليوم تفرض سؤالًا جديدًا: هل يمكن للبنان أن يتحول من دولة متأثرة بالنزاعات الإقليمية إلى دولة إستقرار إقليمي؟ وهل ينسجم هذا التحول مع قواعد القانون الدولي العام أم يتعارض معها؟ يعلمنا التاريخ الدولي أن الإتفاقات الكبرى لا تنهي النزاعات فقط، بل تعيد توزيع الوظائف السياسية والقانونية داخل الأقاليم، فبعد الإنفراج الأميركي-السوفياتي (Détente) مثلًا في سبعينيات القرن العشرين، تغيرت أدوار دول عديدة من دون أن تتغير حدودها أو أنظمتها القانونية (4)، وقد أشار الديبلوماسي الشهير هنري كيسنجر إلى أن الإستقرار الدولي لا ينتج فقط عن توازن القوى، بل عن التوافق على قواعد إدارة التوازن ذاته (5)، وقد شهد العالم أيضًا أمثلة عديدة على ذلك كالإنفراج الأميركي-السوفياتي وإتفاقات أوسلو والإتفاق النووي الإيراني لعام 2015. ففي كل مرة، كانت بعض الدول تفقد أدوارًا تقليدية بينما تكتسب أدوارًا جديدة. من هنا، تظهر فرضية جديرة بالبحث: إذا تحولت العلاقة الأميركية-الإيرانية من منطق المواجهة إلى منطق التفاهم، فإن التأثير الأكبر قد لا يقع على واشنطن أو طهران، بل على الساحات التي كانت تشكل نقاط إحتكاك بينهما، ويأتي لبنان في مقدمة هذه الساحات. لذلك، تقتضي محاولة الإجابة عن الأسئلة المشار اليها آنفًا العودة إلى المفاهيم الأساسية التي يقوم عليها النظام الدولي المعاصر، ومن هنا يعالج الكاتب بإختصار المسألة المطروحة في نقطتين، مفهوم دولة الاستقرار في القانون الدولي ودور لبنان تحديدًا كوسيط إقليمي لا كساحة إقليمية.
أولًا، الدولة في القانون الدولي كدولة سيادة لا كدولة مواجهة
من الملاحظ أن الخطاب السياسي في الشرق الأوسط إستعمل لعقود طويلة تعابير محددة كدولة مواجهة، دولة ممانعة، دولة خط تماس، جبهة أمامية، جبهة إسناد وغيرها... إلا أنه لا وجود لهذه المفاهيم في القانون الدولي العام، فالقانون الدولي لا يصنف الدول بحسب درجة عدائها أو قربها من النزاعات، بل ينظر إليها بوصفها وحدات قانونية متساوية في السيادة. وقد نصت المادة الثانية من ميثاق الأمم المتحدة على أنه "يقوم التنظيم على مبدأ المساواة في السيادة بين جميع أعضائه". وهذا يعني أن الوظيفة الطبيعية لأي دولة ليست أن تكون ساحة صراع، بل أن تمارس سيادتها على إقليمها بصورة مستقلة. وقد أكد الفقيه جايمس كراوفورد أن وظيفة الدولة في القانون الدولي لا تستمد من النزاعات المحيطة بها بل من قدرتها على ممارسة سلطاتها السيادية بصورة فعلية (6). ومن هنا يمكن القول إن مفهوم "دولة الاستقرار" أقرب إلى فلسفة القانون الدولي من مفهوم "دولة المواجهة". وخلال القرن التاسع عشر كان القانون الدولي يهتم أساسًا بمنع الحروب بين الدول، أما بعد عام 1945 فقد أصبح الهدف أوسع بكثير. فقد نصت المادة الأولى من ميثاق الأمم المتحدة على أن من أهداف المنظمة حفظ السلم والأمن الدوليين، وهذا يعني أن الإستقرار لم يعد مجرد هدف سياسي، بل أصبح قيمة قانونية محمية دوليًا. وقد كرست محكمة العدل الدولية هذا التوجه في عدد من أحكامها، معتبرة أن المحافظة على السلم الدولي تشكل أحد المبادئ الأساسية للنظام القانوني الدولي(7)، ومن هنا يمكن القول أن الدولة التي تسهم في إنتاج الاستقرار الإقليمي تنسجم مع أهداف ميثاق الأمم المتحدة أكثر من الدولة التي تتحول إلى ساحة نزاع دائم. نعطي بعض الأمثلة لدول إنتقلت من دولة صراع إلى دولة إستقرار، فبعد إتفاقيات كامب دافيد، تحولت مصر تدريجيًا من دولة مواجهة عسكرية إلى دولة إستقرار إقليمي، ولم يؤد ذلك إلى إنتقاص سيادتها القانونية بل على العكس، أصبحت القاهرة أحد أهم الوسطاء الإقليميين في النزاعات العربية المختلفة. وقد إحتفظت بكامل شخصيتها القانونية الدولية(8). كما شكّلت معاهدة السلام الأردنية-الإسرائيلية لعام 1994 نموذجًا آخر، فقد إنتقل الأردن من موقع المواجهة الحدودية المباشرة إلى موقع الدولة الوسيطة في عدد من الملفات الإقليمية، ولم يعتبر القانون الدولي أن هذا التحول يمثل تخليًا عن السيادة بل ممارسة مختلفة لها (9). فلم تتغير الشخصية القانونية لهذه الدول ولكن تغيرت وظيفتها الإقليمية جذريًا، فإنتقلت من موقع المواجهة العسكرية إلى موقع الوساطة والإستقرار. وبعد الحرب الباردة وسقوط جدار برلين، تحولت ألمانيا من دولة تماس بين معسكرين متواجهين إلى دولة إستقرار أوروبي، وأصبحت إحدى الركائز الأساسية للأمن الأوروبي الجماعي، وهذه التجربة مهمة لأنها تؤكد أن التحول الوظيفي لا يمس الشخصية القانونية للدولة (10). وهذا يؤكد أن التحول الوظيفي لا يعني التخلي عن السيادة، بل قد يكون أحد تجليات ممارستها. برز خلال العقود الأخيرة إتجاه فقهي جديد يعتبر أن شرعية الدولة لم تعد تقاس فقط بقدرتها على فرض النظام داخل حدودها، بل أيضًا بقدرتها على الإسهام في الإستقرار الإقليمي. وقد تناولت ذلك أعمال فقهاء كبار أمثال روزالين هيغينز وأنطونيو كاسيزي وطوماس فرانك، ويرى هذا الإتجاه أن الدولة الحديثة تؤدي دورًا مزدوجًا، حماية النظام الداخلي والمساهمة في الأمن الإقليمي والدولي (11)، ومن هذا المنطلق يمكن تصور لبنان مستقبلاً ليس فقط كدولة ذات سيادة، بل كدولة مساهمة في إنتاج الاستقرار، وقد ناقش الكاتب شخصيًا منذ سنوات طويلة مع بعض الفقهاء المذكورين دور لبنان في إطار تعقيدات الشرق الأوسط الذي يُعتبر من الأمثلة الأكثر إهتمامًا لكبار الفقهاء الدوليين. فخلال العقود الماضية كان النقاش اللبناني يدور حول الردع والتوازن العسكري ومنع الحرب، أما في المرحلة الجديدة فقد يصبح السؤال كيف يُبنى الإستقرار بعد تراجع إحتمالات المواجهة الإقليمية، وهنا ننتقل من منطق الردع Deterrence Logic إلى منطق الإستقرار Stability Logic بحسب روزالين هيغينز التي طرحت هذه الإشكالية عند حديثها عن إنتقال القانون الدولي من إدارة الأزمات إلى إدارة الإستقرار طويل الأمد (12).
ثانيًا، لبنان كوسيط إقليمي لا كساحة إقليمية
من اللافت أن القرار 1701 لا يهدف فقط إلى وقف الأعمال العدائية، بل يسعى إلى إنشاء بيئة مستقرة تسمح للدولة اللبنانية بممارسة سلطتها، وقد شدد القرار على إحترام الخط الأزرق، دعم الجيش اللبناني، تعزيز سلطة الدولة ومنع الأعمال العدائية. وبالتالي فإن المنطق الكامن خلف القرار 1701 ليس منطق الحرب بل منطق الإستقرار. وهذا ما يجعل القرار، من الناحية النظرية، متوافقًا مع فكرة لبنان كدولة إستقرار مستقبلية. وقد يطرح البعض إعتراضًا مفاده أن السعي إلى الإستقرار قد يتحول إلى ذريعة لتقييد السيادة، غير أن هذا الإعتراض لا يصمد قانونيًا إذا كان الإستقرار نابعًا من قرار الدولة نفسها، فالسيادة في القانون الدولي ليست حقًا في إنتاج الأزمات، بل حق الدولة في إختيار سياساتها بحرية. ومن الملاحظ أن جزءًا كبيرًا من الخطاب السياسي في الشرق الأوسط خلال العقود الماضية إستند إلى مفهوم الأحلاف والمحاور والإصطفافات، غير أن القانون الدولي لا يعترف بالمحاور ككيانات قانونية مستقلة، بل يعترف بالدول ذات السيادة. ومن هنا فإن أي تراجع في أهمية المحاور يعزز نظريًا موقع الدولة الوطنية بإعتبارها الفاعل القانوني الأساسي. وقد أكدت محكمة العدل الدولية في قضية نيكاراغوا أن إحترام السيادة يقتضي تمكين الدولة من إختيار توجهاتها السياسية والأمنية بحرية ودون تدخل خارجي (13). وعليه إذا إختار لبنان أن يكون دولة إستقرار، فإن هذا الخيار يشكل ممارسة للسيادة لا إنتقاصًا منها. وبالتالي إن النماذج التي يمكن تصورها برأينا للبنان هي ثلاثة تبدأ بالنموذج الأول لبنان كدولة إستقرار، أي كدولة حدودية مستقرة ذات مؤسسات فاعلة وتشكل عنصر توازن إقليمي. ويقدم النموذج الثاني لبنان كمنصة تعاون إقليمي عبر الطاقة والنقل وإعادة الإعمار. أما النموذج الثالث، فيطرح لبنان كمنطقة إدارة نزاع، أي إستمرار الوظيفة الحالية ولكن بحدة أقل. من الناحية القانونية، ينسجم النموذج الأول أكثر مع فلسفة ميثاق الأمم المتحدة القائمة على إحترام السيادة وعدم التدخل. ومن أكثر الأفكار إثارة للإهتمام أن التحول نحو الإستقرار قد يغيّر وظيفة لبنان بالكامل، فبدل أن يكون ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، قد يصبح منصة حوار، مركز وساطة ونقطة إلتقاء بين القوى الإقليمية. وقد شهد القانون الدولي نماذج مشابهة في النمسا بعد الحرب العالمية الثانية وفنلندا خلال الحرب الباردة وسويسرا في النظام الدولي الحديث، وهذه الدول لم تفقد سيادتها، بل إكتسبت وزنًا دوليًا إضافيًا بسبب دورها الاستقراري (14). فإذا صحت فرضية التفاهم الأميركي-الإيراني، فلن يكون السؤال عن ماذا ستفعل إيران أو الولايات المتحدة، بل ما هو الدور الجديد الذي سيُطلب من لبنان أداؤه. ولكن رغم جاذبية هذا النموذج، تبقى أمام لبنان تحديات كبيرة عديدة كإعادة تكريس إحتكار الدولة للقرار السيادي وتعزيز المؤسسات الدستورية وضمان عدم تحول الإستقرار إلى وصاية خارجية، كما الحفاظ على إستقلال القرار الوطني وتحويل الإستقرار إلى مشروع لبناني لا مشروع دولي مفروض من الخارج.
كخاتمة ومن منظور القانون الدولي العام، لا يشكل مفهوم "لبنان دولة إستقرار" خروجًا عن القواعد القانونية الدولية، بل يمثل عودة إلى وظيفتها الأصلية. فالقانون الدولي لم يُنشأ لتكريس الدول كمسارح دائمة للنزاعات، بل لتأمين بيئة تسمح للدول بممارسة سيادتها والمساهمة في السلم والأمن الدوليين. من هنا، فإن السؤال الذي قد يفرض نفسه خلال السنوات المقبلة، ليس هل يستطيع لبنان الخروج من منطق الصراع، بل هل ينجح لبنان في تحويل الإستقرار نفسه إلى عنصر من عناصر سيادته الوطنية ومصدر جديد لدوره الإقليمي؟ قد يكون الخطأ الأكبر في قراءة المرحلة الراهنة هو الإعتقاد أن السؤال المطروح هو فقط مستقبل المفاوضات اللبنانية-الإسرائيلية، أما السؤال الأعمق فهو هل نشهد نهاية مرحلة تاريخية كان لبنان يؤدي خلالها وظيفة مرتبطة بصراعات إقليمية كبرى، وبداية مرحلة جديدة يصبح فيها موقعه مستمدًا من الدولة نفسها لا من النزاع الذي يدور حولها؟ كما ومن منظور القانون الدولي، فإن أهمية هذا السؤال لا تكمن في نتائجه السياسية فحسب، بل في كونه يتصل مباشرة بمفهوم السيادة ووظيفة الدولة وموقعها داخل النظام الإقليمي الآخذ في التشكل.
المراجع
1- Montevideo Convention on the Rights and Duties of States, article 1.
2- James Crawford, The Creation of States in International Law, 2nd ed, Oxford University Press, 2006.
3- Roland Paris, At War’s End: Building Peace After Civil Conflict.
4- John Lewis Gaddis, The Cold War, Penguin Books, 2005
5- Henry Kissinger, Diplomacy, Simon & Schuster, 1994.
6- James Crawford, The Creation of States in International Law, Oxford University Press.
7- ICJ, Nicaragua v. United States (1986).
8- William B. Quandt, Camp David: Peacemaking and Politics.
9- Treaty of Peace between the State of Israel and the Hashemite Kingdom of Jordan (1994).
10- Mary Elise Sarotte, 1989: The Struggle to Create Post-Cold War Europe.
11- Antonio Cassese, International Law- Rosalyn Higgins, Problems and Process: International Law and How We Use It.
12- Rosalyn Higgins, Problems and Process.
13- ICJ, Nicaragua v. United States (1986).
14- Stephen C. Schlesinger, Act of Creation: The Founding of the United Nations
محـام جنائي دولي وأستاذ جامعي