إستفاقت طرابلس أمس على موجة من الحرائق والتخريب طالت العديد من مؤسساتها وبالأخص مبنى بلديتها الأثري، الواقع وسط المدينة، إلى جانب السراي الذي تعرّض لهجوم متواصل لأربع ليالٍ، ناهيك عن إحراق المحكمة الشرعية الواقعة فيه. ولئن كانت الأحداث التي تجرى أمام السراي لم تستدعِ المواقف الشاجبة بقوة وعلانية لاعتبارات عدة، إلا أن إحراق مبنى البلدية شكّل ما يشبه الصدمة لدى فاعليات طرابلس ومجتمعها المدني، استُتبعت بموجة من الشجب والإدانة، ووقفة تضامنية للمجتمع المدني الطرابلسي أمام مبنى البلدية ظهر أمس وشارك فيها إلى جانب رئيس البلدية رياض يمق، منسق عام طرابلس في "تيار المستقبل" بسام زيادة وعدد من نشطاء المدينة.
الكلمات شددت خلال الوقفة التضامنية مع البلدية على "إدانة ما حصل من إحراق لهذا المبنى الأثري التاريخي وأنه عمل تخريبي ولا يمت إلى الثورة في شيء، وبأن البلدية ليست بعيدة عن الشعب ومطالبه في الأصل". وأثناء الوقفة التضامنية تنوعت آراء الناس المتواجدة على مقربة من مبنى البلدية، وهي كانت تشاهد حجم التدمير الحاصل بعد ليلة مشتعلة. فإلى جانب من استنكر العمل واعتبره في إطار التخريب الممنهج، كانت تُسمع أصوات بعض الأشخاص وكان رئيس البلدية رياض يمق يلقي كلمته، وهم يقولون: "خلوها تحترق ليش شو عملت البلدية إلا بتفرض ضرائب وجورة ما بتصلح!". وقال آخر رافعاً صوته بقوة: "أنا إبن القبة شو عملتلي البلدية؟ شو قدمتلنا نحنا الفقراء؟ ليش لما بيكون في شهداء ما حدا استنكر ولما احترق مبنى البلدية كلكن نزلتوا؟". وكان ثمة تواجد لعدد من ثوار 17 تشرين وهم يرددون "نحنا شباب الثورة ما خصنا بهيدا العمل والكل بيعرف والأجهزة الأمنية بتعرف مين ورا هيدا الفعل".

وقُبيل ذلك كان رئيس البلدية قد استقبل السيد أحمد هاشمية موفداً من رئيس الحكومة المكلف سعد الحريري مشيرا إلى أن "جمعية إمكان ستقوم بمسح الأضرار والتكفل بترميم ما خرّب". كذلك استقبل يمق اللواء محمد خير أمين عام الهيئة العليا للإغاثة متفقدًا مبنى البلدية؛ وتلقى يمق أيضاً اتصال إستنكار لما حصل من الرئيس نجيب ميقاتي. إلى ذلك أكد عدد من أعضاء المجلس البلدي في دردشة مع "نداء الوطن" أن "أرشيف البلدية محفوظ وممكنن ولا خوف على المعلومات"؛ فيما حجم الأضرار كبير جدًا خصوصًا في المكاتب والقاعات الداخلية التي تعرضت لحريق كبير أدى إلى تغيير كامل في معالمها، والخسائر المادية كبيرة جداً.
وفي دار الفتوى في طرابلس عُقد اجتماع لفاعليات المدينة بدعوة من القائم بأعمال مفتي طرابلس محمد إمام طالب بـ"ضرورة فتح تحقيق سريع وشفاف لكشف ملابسات ما حصل". وشدد على "أهمية أن يدخل الجيش اللبناني وبسرعة على خط حماية المدينة وأهلها لتعود الحياة من جديد إلى المدينة ومؤسساتها بأقصى سرعة". وكان اللافت أمس تصريحين لكل من رئيس الحكومة المكلف سعد الحريري والرئيس الأسبق للحكومة نجيب ميقاتي، يحملان المضمون السياسي نفسه، وتقاطع الإثنان عند الغمز من قناة الجيش اللبناني عندما استغربا "عدم تدخله بحزم لإنهاء أعمال التخريب"، كما اعتبرا أن "لطرابلس أهلها وهم يحمونها إذا كان الجيش لا يستطيع حمايتها". وبالفعل واعتباراً من ساعات بعد ظهر الجمعة، دخل الجيش بقوة على مسرح الأحداث في طرابلس، وانتشر في العديد من الأماكن وأقام الحواجز في مختلف الأماكن لا سيما في الأماكن الساخنة، وتم التدقيق في هويات المارة، فيما بدا على أنه قرار للجيش بأخذ زمام المبادرة الأمنية لتطويق ما يحصل وإعادة الأمن إلى ربوع المدينة.
وعند السادسة مساء عاد المحتجون إلى ساحة النور وقاموا برشق الحجارة مجددًا على مبنى السراي ولكن بأعداد أقل ووتيرة أخف من الأيام السابقة، وسط توقعات بأن تخف حدة التوترات في هذه الليلة، خصوصاً مع دخول الجيش بقوة على جبهة فرض الأمن في ساحة النور ومحيط السراي على خلاف الأيام الأربعة السابقة. وفي سياق متصل ما زالت المطالب مستمرة من القوى الأمنية بضرورة "الإفصاح عن هوية الموقوفين في أعمال الشغب الأخيرة وتحديد الجهات التي تقف وراءهم وأن لا يتم إنهاء الأمور وإقفال الملف على الطريقة اللبنانية".

الجيش غاب كلياً في اليوم الثاني
وفي كواليس ما حصل، استغربت مصادر متابعة عدم دعوة رئيس الجمهورية ميشال عون مجلس الدفاع الاعلى للانعقاد لبحث التطورات الخطيرة في مدينة طرابلس وهو الذي كان يدعوه لأسباب اقل من هذه بكثير.
لاحظت ان الجيش تدخل في اليوم الاول وغاب كليا في اليوم الثاني مع العلم ان الاتفاق يقضي ان تكون طرابلس في عهدته.
وابدت المصادر قلقها من ما اسمته بالمؤشر الخطير جدا وهو القاء 15 قنبلة يدوية على عناصر قوى الامن الداخلي بالقرب من عناصر الجيش ولم يتم توقيف اي من المعتدين مع العلم ان وجود قوى الامن في البداية اقتصر على عناصر مكافحة الشغب وهؤلاء لا يحملون اسلحة قبل استقدام تعزيزات من المعلومات والفهود.
وقالت المصادر ان قرارا اتخذته قيادة قوى الامن الداخلي بالدفاع عن سراي طرابلس ومنع الدخول اليها مهما كان حجم الثمن لان السراي تضم كل ادارات الدولة وملفاتها وارشيفها. ولفتت الى ان المقصود كان احراق السراي وليس استهداف قوى الامن.

أول سلطة محلية
حجم الدمار والتخريب الذي خلّفه الحريق طال معظم المكاتب والقاعات خصوصاً في الطبقة الأولى وفي أثاثه لكن المبنى الخارجي لم يتضرر كثيراً. وأتى الحريق على جزء من المحتويات والأرشيف الورقي، وتحولت الجدران في الطبقة الأولى إلى سواد في هذا المبنى التاريخي الأثري الذي يعود بناؤه إلى العهد العثماني. يقول عضو المجلس البلدي الدكتور والمؤرخ خالد تدمري لـ"نداء الوطن" إن "المبنى التاريخي له رمزية كبيرة في مدينة طرابلس ويمثل واجهة المدينة وتاريخها وعراقتها. والبلدية هي تمثّل الحكومة المحلية. وهي أول سلطة محلية تأسست في العهد العثماني في نهاية القرن التاسع عشر مع تأسيس نظام البلديات وانتقلت البلدية لاحقًا من السراي العتيقة التي أسست عام 1877 إلى عام 1929 حيث استكملت الطبقة الأولى من هذا المبنى الموجود حاليًا".
"ليسوا من ابناء البلد"
وإزاء ما حصل ثمة تساؤلات يطرحها الشارع الطرابلسي. أين كان جهاز شرطة البلدية وعديده؟ ولماذا تأخر عناصر الإطفاء لديها في الوصول؟ وكلها أسئلة بحاجة إلى إجابة عليها. وفي حديث مع نداء الوطن حول الأضرار اعتبر رئيس البلدية رياض يمق ان "من الصعب تحديد الأضرار الآن وهي كبيرة. هناك مسح جار للأمر ونضع المسؤوليات عند التسييس الإعلامي والجهل الموجود وعند الفئات التي تريد افتعال مشكل مع المدينة".
وحول هوية الجهة المنفذة قال يمق:"لماذا مبنى البلدية بالذات ونحن قريبون من الجميع والثوار الحقيقيون تبرأوا من الأمر ومن الفيديوات تبين أن لهجة أغلبهم ليست من أبناء البلد. والتحقيق سيكشف كل الملابسات وهوية الفاعلين".

بيراميد: لادارة محلية
وعلقت "منصة بيراميد للحوار بين المجموعات - الشمال" في بيان: "نرفض، نحن أهل طرابلس بكل طوائفنا، الاعمال العنفية داخل المدينة، فهي غريبة عن شيمنا الطرابلسية. هذه مدينتنا بجوامعها وكنائسها وأسواقها وقلعتها الشامخة، وسنحافظ عليها، كما حفظناها برموش العين عبر مئات السنين وما زالت واقفة مرفوعة الرأس. كما نرفض رفضاً قاطعاً حرق السراي او سجلات الاحوال الشخصية أو سجلات المحاكم الشرعية أو محاولات حرق ملفات البلدية والمالية والدوائر العقارية، التي تشير الى مخطط شيطاني يهدف الى محو ذاكرة المدينة وتاريخها وتاريخ عائلاتها المكتوب". وطالبت بـ"تسليم المدينة إلى إدارة محلية من بلدية المدينة المنتخبة مباشرة من الشعب، تؤازرها نخبة من المجتمع المدني الخبير ومن أصحاب الكف النظيف". كما طالبت بـ"تحقيق جدي بكل مسببات الازمة الاخيرة في طرابلس تحت اشراف رئيس مجلس القضاء الاعلى".