ريتا بولس شهوان

بالفيديو والصور - إبادة السمك المحلي: الوجه الآخر لمجازر الديناميت في لبنان

16 دقيقة للقراءة

يجد الصياد الشمالي نفسه عالقاً في حلقة مفرغة؛ فهو ضحية ثلاثية الأبعاد لمادة "نيترات الأمونيوم" ذاتها. سياسياً، المنظومة التي أنتجت الانهيار المعيشي هي ذاتها التي سهلت وصول هذه الكيماويات، وتعمدت إبقاء الوزارات بلا ميزانيات تشغيلية لتدوم حاجتها وتبعيّتها لحلقة الفساد القائمة على ريع وعمولات ترخيص الاستيراد؛ وبذلك، فإن من يسمح بتدفق هذه المادة إلى الصياد يشرّع عملياً لحرب موازية في الأعماق بذات السلاح العسكري، وبفارق ثلاث درجات كيميائية فقط. وبيئياً، يضطر الصياد لتدمير مستقبله المائي لتأمين قوته اللحظي، وجسدياً، يواجه خطر الموت والتسمم.

هكذا، يُسجل الميدان البحري اشتباك الضحية بالجلاد في ذات الصياد؛ فهو ضحية تهميش الدولة واحتكارات الفساد التي سرقت سبل عيشه، ولكنه في الوقت نفسه الجلاد الفعلي للأحياء المائية، مدمّراً بيئته ومستقبله المائي هرباً من الموت جوعاً، لتتحول "النيترات" من سماد للأرض إلى أداة تفجير يغذيها الفساد الممنهج العابر للإدارات والحدود.

سوسيولوجيا الانهيار: معادلة الفقر وتدمير البيئة

من طرابلس شمالاً وصولاً إلى بلدتي "العبدة" و"العريضة" الحدوديتين، يستيقظ البحر على دوي تفجيرات مرتجلة تُصنع من مواد لا يفصلها عن تلك المستخدمة في العبوات العسكرية سوى ثلاث درجات من التركيز الكيميائية. هذا الموت المائي المتسارع يعبّر بدقة عن متلازمة "البقاء الآني والهلاك المؤجل"؛ إذ يظهر ارتباط شرطي متسارع بين تدهور الوضع المعيشي وعنف الممارسة البيئية؛ فالجوع لا يورث العجز بل ينتج سلوكاً هجومياً تجاه الطبيعة. كلما اشتد خناق العوز على الصياد، أكد ناجي، اندفع نحو تدمير الأعماق بضراوة أكبر ليتغذى البقاء اللحظي مباشرة على حساب فناء الغد المستدام، متحولاً من باحث عن قوت يومه إلى ممارس لعنف بيئي منظم يستعين بأدوات الحرب لتشييد مقابر اصطناعية للأسماك تُعرف محلياً بـ"الحطّات"، ثم نسفها بـ"الديناميت". او بارودة الصيد، او الأقل تلويثا: القفص. لكن كلها مخالفة للقانون! وأي قانون اكبر من هذا العم؟

ما يُلاحظ ميدانياً في شمال لبنان يؤكّده علمياً أدبيات "الإيكولوجيا السياسية" (Political Ecology). ففي أعمال الباحث مايكل واتس (Michael Watts)، المُدرَسة في كليات العلوم السياسية والبيئة عالمياً، يُظهر التحليل أن الانهيار الاقتصادي يحوّل الصياد من ممارس مستدام للصيد إلى مدمر للبيئة. Watts يشرح في دراسته المعنونة "Fractured Worlds: Poverty, Violence, and Environmental Destruction" (2014) كيف أن الفقر المدقع يجرّد الإنسان من القدرة على التفكير في الغد، فيصبح النجاة الفوري هو الغاية الوحيدة.

هذا ما تؤكده أيضاً منظمة البنك الدولي في تقريرها عن "مصايد الأسماك الصغيرة في المناطق الهشة" (Small-scale Fisheries in Fragile Contexts, 2021). التقرير يشير بوضوح إلى أن "الفقر يدفع الصياد للاستغلال المفرط الفوري للموارد على حساب الاستدامة طويلة الأمد"، وأن غياب الدولة يخلق اقتصاداً غير قانوني منظماً يعتمد على شبكات حماية سياسية. لذا لا يمكن مقاربة الصيد بالمتفجرات في الشمال اللبناني كجريمة بيئية فردية أو مناطقية، بل هي امتداد هيكلي لتقاطع الانهيار الاقتصادي مع الثغرات الإدارية والأمنية.

هندسة "الحطّات البحرية".. مقابر الأسماك الاصطناعية

تطوّرت "الحطّات"، وهي عبارة عن شُعب اصطناعية عشوائية تُلقى في قاع البحر لتجميع الأسماك قبل تفجيرها. وتعود جذور هذه الممارسة إلى زمن فوضى الحرب الأهلية اللبنانية وغياب سلطة الدولة، حين ابتكر الصيادون فكرة إلقاء هياكل السيارات القديمة والبرادات التالفة لخلق ملاذات تجمع الأسماك. تختلف تكتيكات بناء هذه الحطات حسب الجغرافيا والقدرة اللوجستية والمراقبة الأمنية؛ ففي مناطق بيروت وجبل لبنان والجنوب، تشيع "حطات الفلين الأبيض" لخفتها وسهولة إخفائها عن أعين الدوريات.

ينقل لنا الغطّاس المحترف علي مقداد تفاصيل هندسة هذه المقابر المبتكرة التي عاينها بنفسه تحت الماء في مناطق خلدة، والدامور، والجناح، والأوزاعي، موضحاً أن الحطة تتكون من حبل أساس رئيسي ممتد في القاع يُعرف بـ"الحبل الثخين"، ويُربط بأثقال صخرية ضخمة تُعرف بـ"التقّالات" لضمان تثبيتها وعدم جرفها من التيارات المائية، ثم تُربط بحبل الأساس مجموعة من الأكياس المملوءة بمادة الفلين، ووظيفتها دفع الأكياس بقوة نحو الأعلى باتجاه السطح، مما يجعل الحبال مشدودة وقائمة بشكل عمودي في عرض البحر لتبدو كأنها تطير في المياه دون أن ترتكز على القاع مباشرة. هذه الحطّات موجودة في طرابلس نفسها. يعرفها الصياد قسطا، بأم العين. يعيّن اين يضعها. يحدد مكانها، ويامر فريق الغطاسين الذين يجمعون غلته الممزقة، بالإسراع. يستعين بالـ GPSـ أحيانا- وتكلفتها مرتفعة، كي لا تضيع جزيرته تحت الار ض.

ويشرح مقداد أن اللون الأبيض للفلين يجذب الأسماك بفعالية عند تراصفه في طبقات، فضلاً عن كونه خياراً رخيصاً يسهل طيه وإخفاؤه في المراكب تفادياً للتفتيش. وفي المقابل، تعتمد موانئ الشمال على هياكل السيارات والخردة لبناء حطات ثقيلة ومستدامة؛ حيث يشتري الصيادون الهياكل التالفة بأسعار تتراوح بين 40 و100 دولار للسيارة، مع مئات الإطارات المستعملة الرخيصة، ويقومون بإغراقها وتستيفها تدريجياً لتتحول مع السنوات إلى جزر حديدية ضخمة في القاع.

وهنا يميّز مقداد بين ثلاثة أنواع من الكائنات البحرية وتفاعلها مع هذه البيئات:

الأسماك الوسطية (المستهدفة بالحطات): (كالجرو/الكينغ فيش، التاريخون، والجراوي الموسمية)؛ تعبر بأسراب كبيرة دون استقرار في القاع، وتنجذب بسرعة فائقة للون الأبيض للحطات للتغذي على الطحالب وصغار السمك أو الطعوم كالسردين. وتمتاز بوفرتها، سعرها المتوسط، وصلاحيتها لكافة طرق الطهي (نيئاً، مشوياً، أو مقلياً).

• الأسماك الأرضية: (كالسلطان إبراهيم واللقس)؛ تستوطن القاع وتتغذى على طحالب الأعماق وصغار السمك، باحثة عن مخابئ طبيعية تحتمي وتتصيد فيها، وهي تتأخر كثيراً في العودة للموقع بعد التفجير.

• الأسماك العائمة: النوع الثالث المكمل للمنظومة البحرية.

ويكشف مقداد عن البعد الزمني لنمو الحياة البحرية وسلوك الكائنات على هذه الهياكل الاصطناعية؛ حيث تنمو الطحالب على أي جسم غريب يُلقى في البحر خلال أسبوع واحد على هيئة عشب خفيف جداً يشبه حبات البرغل، وبعد شهر تبدأ الطحالب بالتعلق بقوة والكبر في الحجم، وبعد ستة أشهر تتطور هذه العوالق لتصبح أصدافاً واضحة وحاضنة بحجم حبة الحمص أو أكبر قليلاً، مما يحول الحطة إلى نقطة جذب دائمة للأسماك الوسطية والأرضية.

ويرتبط اختيار الصيادين لنوع الحطة باعتبارات لوجستية وأمنية متباينة؛ فبينما تشيع حطات الفلين لكونها عملية، رخيصة، وسهلة التجهيز والنقل والإخفاء كأكياس منفصلة تجنباً للشبهات الأمنية، تستقر حطات السيارات الخردة في القاع دون طفو لتشكل المأوى الأمثل للأسماك الأرضية الثمينة كاللقس، على الرغم من تجنب الكثيرين لها بسبب صعوبة نقل وإغراق هيكل سيارة كامل على متن قارب، وما يمثله ذلك من مخاطرة أمنية كبرى أمام حرس الشواطئ والأجهزة الأمنية.

وينتهي هذا التصنيع عند اشتباك "الملجأ بالمسلخ"؛ حيث تنقلب الوظيفة الإيكولوجية لهذه الشعب الاصطناعية (الحطّات) لتواجه نقيضها التام. فالفكرة العلمية التي تهدف إلى خلق ملاذات آمنة لتجمع الأسماك وتكاثرها وتغذيتها، تشتبك مع تكتيكات الصيادين لتتحول من "بيئة إنعاش وتخفٍ" إلى "كمائن موت مركزية ومقابر جماعية" تُجمع فيها الأسماك لتسهيل إبادتها بالديناميت، مما يساهم أيضاً بمرور الوقت في جذب الأنواع غير المرغوبة كسمكة "النفيخة" وقناديل البحر.

ميكانيكية القتل والتمويه تحت الماء

عند اكتمال تجمع الأسماك حول هذه الشُّعب الاصطناعية، تبدأ ميكانيكية القتل والتمويه عبر سلسلة خطوات متتابعة؛ حيث يعمد المخالفون أولاً إلى معايرة فتيل التفجير لتنفجر العبوة في منتصف المجرى المائي والمعروف على عمق محدد، وذلك تلافياً لتدمير الحطة نفسها والخردة التي كبدت الصياد تكاليف طائلة إذا ما استقرت العبوة في القاع.

وبعد إشعال الفتيل، ينطلق الصياد بزورقه، كما يفعل سيف، أقصى سرعة مستعيناً بمحرك قوي يصل إلى 50 حصاناً للابتعاد مسافة آمنة لضمان عدم تضرر القارب من موجة الضغط العنيفة، لينفجر الديناميت في غضون دقيقة واحدة. وفور حدوث الانفجار، يلتف الصياد مباشرة ويعود للموقع، حيث ينزل غواصان أو ثلاثة بسرعة لجمع الأسماك الصريمة التي سقطت في القاع ولم تطفُ على السطح، مستخدمين "الكومبريسور" وهو مضخة هواء مثبتة على القارب فوق الماء تمد خراطيم هواء طويلة "نباريش" مباشرة إلى فم الغواص للتنفس دون أسطوانات أكسجين، مما يتيح لهم البقاء لساعات لجمع الأسماك الدايخة في محيط الحطة بسرعة قبل أن تجرفها التيارات أو تقترب دوريات الجيش.

وترافق هذه الخطوة، أي استعمال "الكومبريسور"، مخاطر صحية مميتة؛ حيث يوضح الدكتور شادي مهنا من وزارة الزراعة أن هذه التقنية ممنوعة في القانون، وأن هذا الأسلوب يسبب حوادث مميتة وتلفاً رئوياً بسبب تنشق الزيوت المحترقة الناتجة عن المضخة، فضلاً عن خطر التعرض لشلل "العفصونة" الناتج عن صعود الغواص السريع دون موازنة الضغط.

وللهرب من ملاحقة مخابرات الجيش اللبناني وقوات حرس الحدود، طوّر هؤلاء الصيادون تكتيكات تمويه ذكية، حيث يقومون بطلاء أسطوانات الكومبريسور بمواد مقاومة للصدأ وإغلاق خراطيم الهواء بسدادات تمنع دخول الماء إليها.

البنية التقنية للمتفجرات.. من أسمدة الأرض إلى سلاح الجريمة

يكشف الواقع الميداني عن اشتباك "المدني بالحربي" وعسكرة الأسمدة الزراعية؛ فذات المركب الكيميائي (نيترات الأمونيوم) المستورد قانونياً لإنعاش التربة الزراعية على البر برخصة وزارة الزراعة، يُعاد هندسته كيميائياً وفيزيائياً عبر صواعق مهربة لتنشيطه بصدمات حرارية ليتحول في الأعماق إلى قنبلة تمزق التوازن البيئي؛ حيث لا يفصل بين المادة المستقرة والسلاح الفتاك سوى فارق ثلاث درجات تركيز مخبري (حيث يبلغ تركيز المادة المستخدمة زراعياً 33% وأقل، بينما يتطلب التحول العسكري تركيزاً يتجاوز 36%).

ويوضح الخبير الكيميائي البروفيسور حارث سليمان أن نيترات الأمونيوم بحد ذاتها تعتبر مادة مستقرة نسبياً ولا تنفجر تلقائياً، ولكي تُحدث الأثر التدميري المطلوب في البحر، فإنها تحتاج دائماً إلى صدمة حرارية وحركية عنيفة تُعرف علمياً بـ"التفجير بالعدوى"؛ حيث يتم دمجها أو تحفيزها بواسطة مادة وسيطة شديدة الانفجار وصغيرة الحجم مثل الـTNT، والتي يؤدي تفجيرها الأولي إلى انتقال موجة الانفجار الصاعقة لنيترات الأمونيوم لتوليد الانفجار الأكبر.

لكن التحدي الأكبر الذي واجه الصيادين المخالفين هو تأمين "الكبسولة" أو "الصاعق" (الكبسون)، وهو المفتاح الأساسي لإحداث هذه الشرارة التدميرية. وهنا تتجلى متلازمة "المنع الأمني وجنون السوق السوداء"؛ فهذا التلازم الديناميكي بين التضييق الرقابي وارتفاع كلفة الجريمة يوضح أنه كلما نجحت الدولة في محاصرة قنوات بيع صواعق التفجير وتوقف الكسارات وتضييق الحدود، قفزت أسعارها في السوق الموازية من دولارين إلى نحو 600 دولار. وبدلاً من أن تؤدي الندرة إلى الردع، تحول الغلاء إلى محفز مالي لشبكات التهريب المنظمة التي تبيع الفائض الممنوح لأصحاب الكسارات المرخصة في الجنوب بأسعار مضاعفة في الشمال لتعويض المخاطر.

التشريح العلمي للجريمة.. تدمير شريط الحياة

يؤكد الدكتور عماد سعود على حقيقة علمية هامة وهي أن البحر اللبناني يُصنّف بيئياً بأنه "فقير بالمواد المغذية" (Ultra-oligotrophic)، ويرجع ذلك إلى عمقه السحيق المباشر بعد الشاطئ (مما يمنع أشعة الشمس من الوصول إلى القاع وتحفيز نمو النباتات البحرية)، فضلاً عن افتقاره إلى مصبات أنهار كبرى ودائمة تمدّه بالمواد العضوية المغذية.

ويؤكد الخبير البيئي الدكتور ناجي قديح أن الخطر الرئيسي للديناميت ليس تلوثاً كيميائياً عابراً، بل هو دمار فيزيائي وميكانيكي شامل للنظام البيئي، حيث يقضي التفجير على كل الكائنات الحية في المنطقة التي تأثرت بالانفجار، فيقتل البيض، واليرقات، والأسماك الصغيرة الفتية، والعوالق والأوساط الحية التي تشكل الغذاء الأساسي للأسماك، مما يدمر شريط الحياة بأكمله ويحول هذا الوسط بعد موت كائناته إلى وسط ميت خالٍ من الحياة.

وفي هذا السياق، تبرز متلازمة "الربح العابر والإفلاس البيئي المستقبلي"؛ حيث يربط تلازم حتمي بين شدة عصف الانفجارات اليومية وتصحر المواسم القادمة. فالتدمير اللحظي ليرقة ميكروسكوبية لا قيمة تجارية لها بالعين المجردة (علماً أن الكيلوغرام الواحد منها ينتج أطناناً بعد أشهر)، يعني طردياً حرمان قطاع الصيد من رصيد الثروة السمكية مستقبلاً، ليكون الربح السريع المتمثل بجمع الأسماك الصريمة اليوم هو ذاته آلية الإفلاس والجفاف المائي غداً الذي يحرم الصيادين من الإنتاج ويغذي انتشار سمكة "النفيخة" المزعجة.

وفي سياق متصل بتراجع بعض الأنواع البحرية، ينفي الدكتور سعود أن يكون الديناميت هو السبب الوحيد والمنفرد لاختفاء بعض الأنواع مثل "التوتيا" أو تراجع أسماك "سلطان إبراهيم"، موضحاً أن التوتيا تقع ضحية لعوامل مجتمعة أبرزها: الصيد الجائر، وعمليات التجريف، وظاهرة "الترسّب الوحلي" الناتجة عن تدفق وحل ورش البناء والمد العمراني من الجبال إلى الأنهر ثم البحر، مما يغطّي القاع ويقضي على الطحالب والأعشاب البحرية التي تتغذى عليها، هذا بالإضافة إلى استخدام شِباك الجرّ القاعي التي تدمر بيئة القاع وتقتلع الغطاء النباتي.

وفيما يتعلق بالمدى الزمني اللازم لتعافي المواقع المتضررة، يشير الدكتور سعود إلى أن التيارات البحرية في لبنان (والتي تتحرك من الجنوب إلى الشمال) تلعب دوراً إيجابياً في نقل البيوض واليرقات من المناطق السليمة إلى المتضررة، مما يجعل البيئة البحرية أسرع تعافياً مقارنة بالبيئة البرية؛ حيث يمكن للمناطق المتضررة من الديناميت أن تستعيد عافيتها ونظامها الطبيعي خلال عامين فقط في حال توقف الصيد غير القانوني كلياً.

دولة الموانئ المهترئة.. الغطاء السياسي وتنازع الصلاحيات

تتحكم شبكة معقدة من المصالح المتبادلة في إدارة شواطئ لبنان، مكرّسةً غياب المحاسبة الفعّالة ومفرغةً القوانين الحالية (التي يعود تاريخها إلى العام 1926 وتعتبر بالية وغير مواكبة للعصر) من مضمونها الرادع.

وعلى طول الساحل، يبرز اشتباك "السيادة بالانتقائية الجغرافية"؛ إذ يصطدم تطبيق القوانين بالخارطة السياسية والطائفية للبلاد، مما يخلق واقعاً مجزأً؛ فبينما تشهد مياه الجنوب (صيدا وصور) انضباطاً صارماً مدفوعاً ببيئة سياسية محلية تمنع الفوضى وتطرد الصيادين الغرباء بالقوة الأمنية أو التهديد، تتقيأ مياه الشمال فوضى عارمة بفعل غياب الرقابة والوساطات السياسية لتصبح ساحة مستباحة للمخالفات اليومية. ورغم هذا الإغلاق، تشير الشهادات إلى أن سوق السمك المركزي في "الكرنتينا" ببيروت—وهو الشريان المالي الأكبر لحركة الاستيراد- يقع تحت نفوذ أطراف سياسية ترتبط برأس الهرم البرلماني، المسيطر أيضاً على وزارة الزراعة معدومة القدرات.

وعند محاولة تحديد المسؤوليات الإدارية والأمنية، ينكشف اشتباك "الصلاحيات وغسل الأيدي"؛ حيث تتداخل الأدوار بين وزارات النقل والزراعة وقوى الأمن الداخلي والجيش اللبناني في منطقة رمادية مائعة. هذا الاشتباك لا يمثل عجزاً تقنياً بقدر ما هو آلية "تهرب منظم" تتيح لكل طرف رمي المسؤولية الإدارية والأمنية على الآخر، لتبقى الجريمة بلا فاعل حقيقي ويبقى البحر بلا حامٍ. ويوضح الأستاذ أحمد تامر (مدير مرفأ طرابلس) حدود صلاحيات إدارته، مبيناً أن إدارة المرفأ مسؤولة عن حركة المراكب وإصدار الإجازات، في حين يقع تنظيم حوض الصيادين تحت إشراف المديرية العامة للنقل البري والبحري، أما التفتيش والرقابة الأمنية فتتولاها الأجهزة العسكرية المختصة من خلال نقاط القوات البحرية التابعة للجيش.

ويشير تامر إلى أنه لتعزيز المراقبة، قامت إدارة المرفأ منذ نحو عامين بتزويد الأجهزة الأمنية ومخابرات الجيش بنظام كاميرات يغطي حركتي الدخول والخروج، وربطتها بغرفة العمليات الخاصة بالمرفأ التي تضم نحو 130 كاميرا. لكن هذا الرصد الرقمي يظل عاجزاً عن كسر حلقة الجريمة ما لم يترجم إلى ملاحقة قضائية فعلية تفضي إلى السجن، بدلاً من إطلاق سراح المخالفين الـ33 في الشمال—المعروفين بالاسم وعبر كاميرات المراقبة—بفضل الوساطات.

وهنا تطبق متلازمة "الرعاية الانتخابية وشلل القانون"؛ فالقانون واضح تماماً في منعه للتفجير والحطّات والكومبريسور، لكن تطبيقه يصطدم بجدار نفوذ محيط السياسيين. كلما زاد استثمار الزعامات المحلية في حماية الصيادين المخالفين كخزان انتخابي حيوي، تلاشت قدرة أجهزة المحاسبة الأمنية وتفرغت التوقيفات من مضمونها بمجرد اتصال هاتفي فوقي يفرض سلطته فوق القانون، لتُسوى الجنايات البيئية داخل المخافر كجنح عابرة برشى بسيطة تحت غطاء أتباع محليين، مما يكرس شللاً كاملاً لأجهزة المحاسبة أمام حسابات الصناديق الانتخابية.

وعند التطرق إلى أسباب غياب السياسات الرادعة، يوضح الدكتور سعود أن الأزمة ليست علمية، فالوزارات تمتلك المعرفة، بل تكمن المشكلة في غياب الإرادة والقدرة السياسية. وهذا ما يتقاطع مع خلاصة الدكتور شادي مهنا من وزارة الزراعة، الذي يؤكد بوضوح أن مكافحة هذه الكارثة تتطلب تفعيلاً للإرادة السياسية والأمنية وسجن المتورطين لفرض هيبة الدولة بدلاً من التذرع بنقص الموارد، حيث يمكن ضبط المخالفين المعروفين بالاسم ببساطة عند عودتهم إلى المرافئ المراقبة عسكرياً، مما يجعل المشكلة تكمن في التقصير في التطبيق وغياب القرار الحازم وليس في أزمة التمويل.

خارطة الطريق نحو الإنقاذ.. هل من فرصة أخيرة للبحر؟

إن انتشال القطاع من الخطر يمكن أن يتحقق في غضون 6 أشهر؛ وتبدأ هذه الرؤية بفرض رقابة صارمة على حركة الصواعق (الكبسون) وتتبع استخدامات الحصص الممنوحة للكسارات لمنع تسربها إلى السوق السوداء وإغلاق هذا المصدر الأساسي، بالتوازي مع تحديث التشريعات البالية وتغليظ العقوبات القضائية لمنع التسويات السياسية داخل المخافر وحجز المراكب المخالفة نهائياً وإلغاء رخص البحارة المتورطين.

كما يتطلب المسار حظراً عاجلاً لمضخات الكومبريسور العشوائية لما تشكله من خطر داكن على صحة الغواصين وحصر الصيد بمعدات الأكسجين المعتمدة عالمياً. ولا تكتمل هذه البيئة الرادعة إلا بتبني نموذج الشراكة المحلية وتجربة الإدارة التشاركية التي أثبتت نجاحها في محمية صور البحرية؛ حيث يوضح الباحث البيئي علي بدر الدين أن فرض القوانين هناك لم يأتِ بشكل فوقي، بل جاء ثمرة مسار طويل امتد لنحو سنتين من الحوار المشترك والمستمر مع المجتمع المحلي ونقابات الصيادين وإشراكهم في اتخاذ القرار حتى أبدوا موافقتهم التامة.

إن الاستمرار في غض الطرف عن مجازر المتفجرات بدعوى الظروف الاقتصادية والوساطات السياسية لن يحمي لقمة عيش الفقراء، بل سيسرّع من تصحير الأعماق وموت البحر اللبناني بشكل كامل. ويبقى الخيار الفعلي أمام الدولة اللبنانية: إما تطبيق حازم للقانون يربط الصياد ببيئته بشكل مستدام، أو الاستمرار في دفع الساحل بأكمله نحو انتحار بيئي جماعي لا رجعة فيه.