تهديدات ترامب تهزّ لوسيرن... ولبنان في قلب المفاوضات

6 دقائق للقراءة

أرخت تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترامب ضدّ إيران بظلالها على المحادثات الأميركية - الإيرانية المباشرة التي انطلقت في سويسرا أمس، من دون صور مشتركة بين الوفدين أو مصافحة، بقيادة نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس ورئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، ومشاركة رئيسَي وزراء قطر وباكستان، الشيخ محمد بن عبدالرحمن وشهباز شريف، وقائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير. بالفعل، دفعت تهديدات الرئيس الجمهوري، التي تزامنت مع انعقاد الجولة الأولى من المحادثات، الوفد الإيراني إلى تعليق المفاوضات التي استمرّت حوالى 80 دقيقة موَقتًا، ومغادرة موقع اللقاء في منتجع بورغنشتوك المطلّ على بحيرة لوسيرن، والعودة إلى الفندق الذي ينزل فيه، ما ترك استمرارية المحادثات في حالة من عدم اليقين.

لكنّ دبلوماسيًّا مطّلعًا على المفاوضات أكد لوكالة "فرانس برس" أن الوفد الإيراني "لا يزال منخرطًا" في المحادثات، ولم يُبلغ الوسطاء بأي نية للمغادرة. وكشفت وسائل إعلام إيرانية رسمية، بعد تعليق المحادثات، أنه جرى بحث إنهاء الحرب في الجبهات كافة، بما في ذلك لبنان، خلال المفاوضات، جازمة بأنه "لن نتفاوض في شأن الموضوعات الأخرى ما لم يتمّ إنهاء الحرب في لبنان"، بينما أفادت شبكة "سي أن أن" بأن الملف اللبناني كان من بين أول الموضوعات التي نوقشت أمس. وذكرت وسائل الإعلام الإيرانية أن المحادثات شملت الأصول الإيرانية المجمّدة وترتيبات الإفراج عنها، كما تسنّى إنجاز مسودة تتعلّق بالإعفاءات من العقوبات على النفط الإيراني، بمشاركة القطريين، على أن تصدر تلك الإعفاءات قريبًا.

ويأتي ذلك بعدما جزم ترامب بأنه "على إيران أن تمنع فورًا وكلاءها الذين يتقاضون أجورًا باهظة في لبنان من إثارة المشكلات"، متوعّدًا بضربها بـ "قوّة شديدة جدًّا" إذا لم تفعل ذلك. وأعرب عن شعوره بـ "خيبة أمل من إسرائيل لأنها غير قادرة على القضاء على "حزب الله"، فهم لا يستطيعون فعل أي شيء دون هدم المباني في لبنان"، مكرّرًا أنه "على وشك إسناد هذه المهمة إلى سوريا، لأنها ستنفّذها بدقة أكبر". وأكد فانس أن ترامب "ألزم" بلاده بـ "العمل من أجل وقف شامل للنار في المنطقة"، مشيرًا إلى أنه "يشعر بارتياح كبير" حيال "الوضع الذي وصلنا إليه في لبنان"، في وقت تعهّدت فيه إسرائيل بأنها لن تنسحب من المنطقة الأمنية في لبنان طالما اقتضت الضرورة.

وبعدما أعلنت إيران إغلاق مضيق هرمز السبت بسبب استمرار الحرب في لبنان، كشف ترامب أنه تحدّث مع الإيرانيين وحذّرهم من إغلاق المضيق. وقال إنه أبلغهم بأنه "إذا أغلقتموه، فلن يبقى لديكم بلد. ولن تتمكّنوا حتى من العودة إلى بلدكم اللعين". وتوعّد بأنه "قد نسيطر على المضيق إذا اضطررنا إلى ذلك. وإذا لم يبرموا اتفاقًا، فسنفرض رسوم عبور"، معتبرًا أن بلاده يُمكن أن تصبح "الملاك الحارس" للمضيق، وأن تستحوذ على 20 في المئة من النفط. وأكد احتفاظه "بخيارات متعدّدة إذا لم يقدّم الإيرانيون التزامات جادّة على طاولة المفاوضات"، مذكّرًا بأن "مذكرة التفاهم مجرّد تمديد لوقف النار، وليست اتفاقًا نهائيًا"، بينما شدّد قاليباف على أنه "لا نعير تهديدات الأميركيين أي اعتبار"، محذّرًا من أن "قواتنا المسلّحة مستعدّة للردّ عليهم بطريقة أخرى".

وكان فانس قد أبدى، قبل بدء المفاوضات، استعداد بلاده لـ "إحداث تحوّل جذري" في علاقاتها مع إيران "إذا كانت مستعدّة للتخلّي" عن دورها كمحرّك لعدم الاستقرار الإقليمي، وعن طموحاتها إلى امتلاك أسلحة نووية على المدى الطويل، لافتًا إلى أنه "لم يسبق قط أن التقت القيادتان الإيرانية والأميركية على هذا المستوى الرفيع". وأوضح أن المحادثات في سويسرا تمثل بداية مفاوضات تقنية، معتبرًا أنها لن تفضي إلى حلّ فوري، لكنها "ستتيح لنا أن نجلس معًا، كفرق، للمرّة الأولى فعليًا في التاريخ، من أجل تحديد ما يهمّ كلّ طرف أكثر من غيره، وتسوية تلك المسائل وحلّها، والوصول إلى غد أفضل".

في الغضون، شدّد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان على أن "المرشد الأعلى سمح للحكومة بمتابعة المسار الحالي، وعلى الجميع مساعدتنا فيه، بدلا من وضع عراقيل"، متعهّدًا بعدم التراجع "عن حقنا في تخصيب اليورانيوم، والطرف المقابل مجبر على قبول ذلك". ورأى أن "الطرف المقابل غيّر مواقفه، فقد كان يطلب التفاوض في شأن صواريخنا، واليوم يؤكد حقنا في امتلاكها"، مدّعيًا أن "التغيير في المواقف تجاهنا" هو "نتيجة لتضحيات قواتنا في الجيش و"الحرس الثوري" وتماسكنا الوطني"، في حين ردّ ترامب على تصريحات بزشكيان بالقول: "من الأفضل أن ينتبه لكلامه، وإلّا سنستولي على بقية البلاد".

وكانت قطر مَن أعلنت انطلاق جولة المفاوضات والاجتماع الأول للجنة رفيعة المستوى بمشاركة ممثلين عن أميركا وإيران وقطر وباكستان. وأوضحت أنه شُكّلت مجموعات فنية وتقنية متخصّصة للتفاوض في شأن بنود الاتفاق النهائي الذي سيغطّي كلّ جوانب مذكرة التفاهم، إضافة إلى تشكيل مجموعات متابعة تُعنى بتنفيذ المذكرة ومواكبة التقدّم المحرز وصولا إلى إبرام الاتفاق النهائي. وأفادت باكستان بوجود ثلاثة فرق فنية تشارك في المفاوضات لمناقشة الملف النووي والأموال الإيرانية المجمّدة ولبنان. وأوضحت أن واشنطن طلبت نقل مخزون إيران من اليورانيوم العالي التخصيب، كاشفة أنه تمّ التوصّل إلى حلّ يقضي بخفض نسبة تخصيب المخزون، الذي أكدت أنه "لا يزال مدفونًا تحت الأرض". وعلى هامش المحادثات في بورغنشتوك، التقى مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية رفاييل غروسي وزير الخارجية السويسري إينياتسيو كاسيس لتقييم التطوّرات الأخيرة المتعلّقة بإيران، والمسار المقبل، والدور المهم للوكالة. بالتوازي، ذكرت "تسنيم" أن إيران ليس لديها أي برنامج للتفاوض مع غروسي، مشيرة إلى أن واشنطن طالبت بحضور غروسي في المفاوضات، لكن طهران عارضت ذلك.

ويضمّ الوفد الإيراني قاليباف، ووزير الخارجية عباس عراقجي، ونائب وزير الخارجية للشؤون القانونية والدولية كاظم غريب آبادي، والمتحدّث باسم الخارجية إسماعيل بقائي، ومساعد الشؤون الدولية لأمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي باقري، ومحافظ البنك المركزي عبد الناصر همتي، ونائب وزير النفط والرئيس التنفيذي لشركة النفط الوطنية حميد بورد، بينما يضمّ الوفد الأميركي فانس، والمفاوضَين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، ومدير مكتب نائب الرئيس جاكوب ريسيس، ونائب مستشار الأمن القومي ومستشار الأمن القومي لنائب الرئيس آندي بيكر، ومستشار نائب الرئيس للأمن القومي كليف سيمز، وكبير مستشاري ويتكوف نيك ستيوارت.

إقليميًا، أشاد وزراء خارجية السعودية ومصر وتركيا وباكستان، في بيان مشترك عقب اجتماعهم في القاهرة أمس، بالتوصّل إلى التفاهم الأميركي - الإيراني، مؤكدين أهمية التنفيذ الأمين للالتزامات والتوصّل السريع والناجح إلى ختام المرحلة اللاحقة من المفاوضات. وشدّدوا على ضرورة أن تأخذ هذه الجهود في الاعتبار شواغل دول المنطقة، خصوصًا أمن الخليج والمشرق العربي. واستقبل الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الوزراء، مشدّدًا على ضرورة أن يضمن الاتفاق النهائي أمن دول الخليج والدول العربية كافة وحرّية الملاحة.