جاد الاخوي

ما البديل عن نبيه بري؟ سؤال خاطئ… وخلاص الطائفة الشيعية يبدأ من مكان آخر

6 دقائق للقراءة

كلما دخل لبنان مرحلة مفصلية، يعود السؤال نفسه إلى الواجهة: من سيخلف نبيه بري؟ ومن هو الرجل القادر على قيادة الطائفة الشيعية في المرحلة المقبلة؟ لكن الحقيقة أن هذا السؤال، رغم تكراره، يخفي وراءه وهماً كبيراً. فالمشكلة التي تواجه الطائفة الشيعية اليوم ليست أزمة زعامة، بل أزمة مشروع سياسي كامل وصل إلى نهايته التاريخية.

بعد أكثر من أربعة عقود على صعود نبيه بري إلى واجهة الحياة السياسية اللبنانية، وبعد عقود من الشراكة الكاملة بين حركة أمل وحزب الله في إدارة القرار الشيعي، يحق للشيعة قبل غيرهم أن يسألوا: ماذا كانت النتيجة؟

هل أصبحت مناطقهم أكثر ازدهاراً؟ هل باتت الدولة أكثر عدالة؟ هل تراجع الفقر؟ هل توقفت الهجرة؟ هل أصبحت الطائفة أكثر أمناً واستقراراً؟ أم أنها وجدت نفسها في قلب الانهيار اللبناني الكبير، تدفع أثمان الحروب والعقوبات والعزلة والأزمات الاقتصادية مثلها مثل سائر اللبنانيين، وربما أكثر؟

من السهل الحديث عن الإنجازات التاريخية وعن رفع التهميش الذي عانت منه الطائفة الشيعية لعقود طويلة. وهذا صحيح إلى حد كبير. لكن المشكلة أن مشروع التحرر من التهميش تحوّل مع الوقت إلى مشروع احتكار للتمثيل، ثم إلى منظومة سياسية مغلقة لا تسمح بالمحاسبة ولا بإنتاج بدائل حقيقية.

وهنا تكمن المعضلة الأساسية.

فالطوائف لا تُبنى حول الأشخاص، بل حول المشاريع. وعندما يصبح مصير طائفة كاملة مرتبطاً ببقاء زعيم أو منظومة بعينها، فإن ذلك يعني أن المؤسسات فشلت، وأن الحياة السياسية دخلت مرحلة الجمود.

لقد نجح نبيه بري في البقاء. هذه حقيقة لا يمكن إنكارها. لكنه نجح في البقاء أكثر مما نجح النظام الذي مثله في بناء مستقبل مختلف للطائفة. فالبقاء في السلطة ليس معيار النجاح الوحيد، وإلا لكان كل الحكام الذين بقوا لعقود طويلة نماذج ناجحة.

اليوم، عندما ينظر أبناء الجنوب والبقاع والضاحية إلى واقعهم، لا يرون دولة قوية، ولا اقتصاداً مزدهراً، ولا فرصاً واعدة لأبنائهم. يرون قرى مدمرة، ومدناً منهكة، وشباباً يحلم بالهجرة، وعائلات تنتظر تحويلات أبنائها من الخارج كي تتمكن من الصمود.

هذه ليست صورة انتصار سياسي.

إنها صورة أزمة عميقة تحتاج إلى شجاعة في الاعتراف قبل البحث عن حلول.

المشكلة أن جزءاً كبيراً من الطبقة السياسية الشيعية ما زال يتعامل مع الطائفة وكأنها في معركة دائمة مع الجميع. معركة مع الداخل، ومعركة مع الخارج، ومعركة مع الزمن نفسه. وفي ظل هذه العقلية تصبح كل الأسئلة المتعلقة بالتنمية والإصلاح والاقتصاد أسئلة ثانوية أمام أولوية الصراع المفتوح.

لكن الشعوب لا تعيش بالشعارات.

الشعوب تريد مدارس وجامعات ومستشفيات وفرص عمل واستثمارات واستقراراً. تريد أن ترى أبناءها يبنون حياتهم داخل وطنهم لا على أرصفة المطارات وفي بلدان الاغتراب.

ولهذا السبب فإن البديل الحقيقي عن نبيه بري ليس اسماً جديداً. وليس زعيماً أكثر شباباً أو أكثر قدرة على الخطابة أو أكثر مهارة في إدارة التحالفات.

البديل هو مشروع جديد بالكامل.

مشروع يعيد الطائفة الشيعية إلى قلب الدولة اللبنانية بدل أن تبقى عالقة بين الدولة والمنظومات الموازية لها.

فالحقيقة التي يحاول كثيرون تجاهلها أن الدولة كانت الخاسر الأكبر خلال العقود الماضية. ومع ضعف الدولة خسر الجميع، بمن فيهم الشيعة أنفسهم. فالدولة ليست خصماً للطائفة. وليست مؤامرة عليها. وليست مطلباً لفئة دون أخرى.

الدولة هي الضمانة الوحيدة للشيعي قبل السني والمسيحي والدرزي.

أما منطق القوة خارج الدولة، فقد أثبت أنه قادر على تحقيق نفوذ سياسي وأمني، لكنه عاجز عن بناء اقتصاد، وعاجز عن منع الانهيار، وعاجز عن حماية الناس من الفقر والبطالة والهجرة.

والأخطر من ذلك أن هذا النموذج جعل الطائفة الشيعية تدفع كلفة الصراعات الإقليمية بصورة مباشرة.

فمنذ سنوات طويلة، لم يعد يُنظر إلى الشيعة اللبنانيين بوصفهم مكوناً لبنانياً طبيعياً فقط، بل بوصفهم جزءاً من مشروع إقليمي أوسع. سواء كان هذا التوصيف عادلاً أو ظالماً، فإنه أصبح واقعاً سياسياً له أثمانه الباهظة.

وهنا يكمن التحدي الأكبر.

فالخلاص الحقيقي يبدأ عندما يصبح القرار الشيعي قراراً لبنانياً أولاً وأخيراً. عندما تتقدم مصلحة اللبناني الشيعي على مصالح المحاور الخارجية. عندما يصبح الجنوب جزءاً من مشروع بناء الدولة لا جزءاً من خطوط الاشتباك الإقليمية.

لقد أثبتت الأحداث الأخيرة أن الدول تتفاوض وفق مصالحها. تتصالح عندما تقتضي مصالحها ذلك، وتتصارع عندما تتغير الظروف. أما الشعوب فهي التي تدفع الفواتير في كل الأحوال.

ولهذا فإن أي مشروع مستقبلي للطائفة الشيعية يجب أن ينطلق من مبدأ بسيط: لا يجوز أن يكون مصير مئات آلاف اللبنانيين رهناً بحسابات عواصم أخرى، مهما كانت العلاقة معها وثيقة أو تاريخية.

كما أن البديل الحقيقي يحتاج إلى تحرير الحياة السياسية الشيعية من الاحتكار.

فالاحتكار، مهما كانت مبرراته، يقتل السياسة. وعندما تغيب المنافسة يغيب التجديد. وعندما يغيب التجديد تتحول المؤسسات إلى هياكل جامدة تخاف من أي رأي مختلف.

لقد آن الأوان لكي تظهر داخل الطائفة أصوات جديدة ونخب جديدة ومشاريع جديدة. آن الأوان لأن يصبح الاختلاف حقاً طبيعياً لا تهمة سياسية. وأن يصبح النقد وسيلة إصلاح لا سبباً للتخوين.

فالطائفة الشيعية التي أنجبت كبار المفكرين والأدباء والمثقفين وقادة الرأي ليست عاجزة عن إنتاج بدائل سياسية حديثة. لكنها تحتاج إلى مناخ يسمح لهذه البدائل بالحياة.

أما الأولوية الكبرى فهي الانتقال من ثقافة المقاومة الدائمة إلى ثقافة التنمية الدائمة.

فلا يمكن لمجتمع أن يعيش إلى الأبد على إيقاع التعبئة العسكرية والسياسية. لا يمكن للأجيال الجديدة أن تبني أحلامها على انتظار الحرب المقبلة. ولا يمكن لأي منطقة أن تزدهر إذا كانت تعيش باستمرار تحت هاجس المواجهة والانفجار.

إن مستقبل الشيعة في لبنان لا يُقاس بعدد المقاعد النيابية ولا بحجم النفوذ السياسي فقط، بل بعدد الجامعات الجيدة، وحجم الاستثمارات، ومستوى الدخل، ونوعية الحياة التي يعيشها أبناؤهم.

وهذا ما يجب أن يكون محور النقاش الحقيقي.

أما البحث عن وريث لنبيه بري، فهو في جوهره محاولة للهروب من السؤال الأصعب: ماذا بعد النموذج الذي حكم الطائفة طوال العقود الماضية؟

إن خلاص الطائفة الشيعية لا يحتاج إلى نبيه بري جديد، ولا إلى نسخة أكثر حداثة من التجربة نفسها. بل يحتاج إلى ثورة سياسية هادئة تعيد ترتيب الأولويات. دولة بدل الدويلة. مواطنة بدل الاصطفاف. تنمية بدل التعبئة. مستقبل بدل إدارة الأزمات.

عندها فقط يصبح انتقال الزعامة تفصيلاً في حياة الطائفة، لا حدثاً مصيرياً يثير القلق والارتباك. لأن المجتمعات السليمة لا تُبنى على الأشخاص مهما كانت أهميتهم، بل على المؤسسات والمشاريع والرؤى.

وهذا هو التحدي الحقيقي الذي يواجه الشيعة في لبنان اليوم: ليس البحث عن الرجل الذي سيأتي بعد نبيه بري، بل البحث عن الطريق الذي سيأتي بعد المرحلة التي يمثلها نبيه بري بكل نجاحاتها وإخفاقاتها. فهناك فارق كبير بين تغيير الأسماء وتغيير المسار. وما تحتاجه الطائفة اليوم هو تغيير المسار قبل أي شيء آخر.